بقلم وليام بفاف:
بعد تعزيز السيناتور جون كيري لحظوظه لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية المزمعة في شهر نوفمبر المقبل، فإن فوزه على الرئيس بوش يعني أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة سوف تتغير، ولكن السؤال المطروح هو هل سيكون هذا التغيير في الوسائل أم في الأهداف؟
إن الرصيد الرئيسي الذي يتمتع به كيري هو كونه شخصية سياسية ناضجة وسط منافسين يتمتعون بالجاذبية لكنهم يفتقرون الى الخبرة السياسية، بينما أظهرت تجربة فيتنام، كيري على أنه رجل جاد وله دراية بالحرب وأثبت نفسه في ميدان المعركة، وأنه واجه المأزقين الأخلاقي والسياسي للحرب، وسار عكس التيار والتقاليد وخالف الرأي العام من خلال التنديد بالحرب التي شارك فيها كجندي·
ولا ينطبق أي من ذلك على الرئيس جورج بوش الذي تخلف عن المشاركة في حرب فيتنام، وهو الأمر الذي ربما يلحق به الضرر في انتخابات نوفمبر المقبل·
رئيس حرب
ومع ذلك، يقول بوش إنه "رئيس حرب"، ويدعو بعض أنصاره ممن لم يسبق لهم خوض أي حرب بأن تشن الولايات المتحدة المزيد من الحروب، فمثلا يقول ريتشارد بيرل وديفيد فورام في كتابهما الذي صدر مؤخرا بعنوان "نهاية الشر" إن "الأمريكيين سيكونون جميعا جبناء إذا لم نطح حكومات كوريا الشمالية وكل الدول العربية التي تخلق لنا المتاعب"، ومثل هذه الدعاوى من قبل المحافظين الجدد لن تساعد بوش في حملة إعادة انتخابه·
وهناك صلة بين حرب كيري وحرب بوش، فالتدخل في فيتنام هو كغزو العراق، كان مبنيا على فكر أيديولوجي ساذج لحكومتي كندي وجونسون مثل نظرية الدومينو والشر العالمي للصين الشيوعية، وما الى ذلك·
لقد استمرت الحرب لعقد من الزمن لأن المسؤولين في إدارتي جونسون ونيكسون رفضوا مواجهة الحقيقة بشأن عبثية الحرب التي كان يمكن - لو واجهوها - أن تمثل إدانة لهم وتضع البلاد في أزمة أخلاقية وسياسية، كما حدث في نهاية المطاف، وربما كان كيري من الذكاء والحنكة بحيث رأى مثل هذه الصلة·
ويظهر سجل كيري أن أفكاره تقليدية إزاء السياسة الخارجية، فمن النادر لسياسي أن يؤكد بقاءه في واشنطن دون أن يتماشى مع أساسيات "القصة" التقليدية التي تتبناها الولايات المتحدة إزاء ما يحدث في العالم، وإزاء الدور الذي يجب أن تلعبه في هذا العالم·
خروج على الأعراف
ومن الأسباب التي أدت الى إخفاق المرشح الديمقراطي هاوارد دين هو أنه أثار حفيظة قيادات الكونغرس من الحزب الديمقراطي وكسب عداء وسائل الإعلام في واشنطن لأنه "خرج" على تلك الأعراف لدى تقدمه في الانتخابات التمهيدية للحزب·
أما "القصة" ذاتها التي سبق التحدث عنها فهي صامتة، لكنها اتخذت شكلها الراهن نتيجة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومفادها أن الولايات المتحدة هي في الواقع "في حالة حرب"، وأنها كانت على حق في الرد عسكريا، على الرغم من أن التدهور في الوضع الأفغاني والأزمة الأمنية في العراق، يوحيان بغير ذلك·
وترفض هذه "القصة" وجهة نظر بعض حلفاء واشنطن بأن إعلان "الحرب" ضد الأصولية السياسية - الدينية ذات التنظيم الفضفاض والتمويل الذاتي من شأنه أن يزيد من أهميتها ويجلب لها (أي الأصولية) المتطوعين والأنصار (كما هي الحال الآن)·
وتتعلق "القصة" كذلك بموقع أمريكا كقوة عظمى وحيدة في العالم أو - كما يقول المنتقدون - القوة المهيمنة الوحيدة في العالم، فهل الولايات المتحدة قوة تحرير في التاريخ المعاصر أم عامل عدم استقرار؟
الجدل المنتظر أن يدور حول السياسة الخارجية على مدى الأشهر السبعة المقبلة يعد بأن يكون حول كيفية إدارة الحرب مع تنظيم القاعدة وكيفية تعاطي الولايات المتحدة مع حلفائها، وبالتالي، الى أين تسير في خضم الأحداث المتسارعة التي يشهدها العالم·
هيمنة أم قيادة؟
لقد صدر أخيرا للمستشار السابق لشؤون الأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر والمستشار السياسي لعدد من الإدارات الديمقراطية زبغنيو بريجنسكي أخيرا كتاب بعنوان "الخيار: هيمنة أم قيادة؟"·
من الطبيعي أن يفضل برجنسكي "القيادة" ويقول إن سلوك إدارة بوش الذي يعتمد على القوة والسعي الى "الهيمنة" على حلفائها مثل أعدائها، ألحق الضرر بالحرب على الإرهاب وبمصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد·
ويعتقد بريجنسكي أن أمريكا تعيش في عالم متغير يتطلب وجود نظام كوني جديد تتزعمه الولايات المتحدة، ويقول إن بوش رد على التحديات الراهنة بشكل خطأ، فهو يرغب في قيام جهد تعاوني بين الولايات المتحدة وحلفائها، لكنه يصر على ضرورة أن يتخلى الآخرون عن الدور القيادي للولايات المتحدة "فتسليم الجميع بالدور القيادي لأمريكا هو صمام الأمان الذي يمنع الفوضى"·
ولا يبدو أن هذه الفكرة بعيدة عن الموقف الذي تتخذه إدارة بوش، لكنها أكثر مجاملة وأقل صخبا·
ويؤيد بوش فكرة القيادة الأمريكية للعالم لكنه يريد قيادة "تختزن كل قوتها"، ويتحدث عن تحركات "ذات صبغة دولية" و"ردود فعل مشتركة" على التطورات، ويندد بالسياسات أحادية الجانب، بل إنه تحدث عن سياسات "جماعية"، لا "إمبريالية"·
وهذا سيكون عنوان السياسة الخارجية للحملة الانتخابية للمرشح جون كيري الذي من المتوقع أن يخوض منافسة حامية مع الرئيس بوش خلال الأشهر القليلة المقبلة·
" عن تريبيون ميديا سيرفيس إنترناشيونال "
Tribune Media Service International
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com