رتل لعربات عسكرية لقوات التحالف
· قيام العصابات الصهيونية بنسف فندق الملك داود في القدس·· أول حادث إرهابي في العصر الحديث
· إعلان بوش الحرب الصليبية بعد 11 سبتمبر خدم أهداف بن لادن
· من أجل الانتصار على الإرهاب يجب عدم الانسياق الى ردود فعل انتقامية متهورة
· غزو العراق وفر للإرهابيين ساحة حرب مفتوحة ضد الولايات المتحدة
بقلم أنتوني سيمبسون:
في الوقت الذي يسود الغرب الخوف من الإرهاب، علينا أن نتعامل معه بعقلانية ونفشل الهدف الأول للإرهابيين على مدى السنين، ألا وهو إثارة العدو حتى يتصرف بشكل خاطئ وبذلك يوسع نطاق الصراع·
ويفهم البريطانيون ذلك - تاريخيا - أكثر من أي طرف آخر، ففي أواخر القرن التاسع عشر، كان الفوضويون والثوريون يخلقون حالة من الهلع في جميع أنحاء أوروبا، حيث قاموا باغتيال رؤساء حكومات في إسبانيا وفرنسا وكذلك إيطاليا، وصمدت الحكومات البريطانية المتعاقبة في التعامل مع هذه الأوضاع وحافظت على هدوئها ولم تسمح لتلك القوى بإثارتها·
ولم تحظر بريطانيا نشاط الفوضويين كما فعلت معظم الحكومات الأوروبية، لكنها راقبت تحركاتهم عن كثب وحاولت استخدامهم لأغراضها الخاصة في ممارسة لعبة القط والفأر، وقد أثار نهج الشرطة البريطانية مع هذه الحركة إعجاب الروائي جوزيف كونراد الذي يتعين على كل المعنيين بمكافحة الإرهاب قراءة روايته التي تتناول هذا الموضوع بعنوان "العميل السري"·
ويصف كونراد في روايته، كيف يحاول دبلوماسي أوروبي شرقي إثارة ردة فعل من الحكومة البريطانية من خلال قيامه بتجنيد جاسوس يدعي "فيرلوك" واستخدامه في نسف مرصد غرينتش (بناء على واقعة حقيقية في عام 1894)، وحين فشل في استشارة البريطانيين أخذ الدبلوماسي يتذمر قائلا إن "تراخي الإجراءات القضائية هنا وغياب كل الإجراءات العقابية يمثل فضيحة لأوروبا"·
وحين فجر رجال "شين فين" قصر ويستمنستر عام 1885 قام غولد ستون بهدوء بإعادة النظر بعلاقات انكلترا مع آيرلندا برمتها وعبر عن قلقه من أن تؤدي ردود الفعل على العنف الآيرلندي الى إفساد الحياة السياسية في بريطانيا·
امبراطورية متهاوية
وبعد عام 1945 اتخذت كلمة "إرهابيين" معنى جديدا ومخاوف مختلفة حين بدأت تعمل ضد الامبراطورية البريطانية المتهاوية، لقد طبقت الكلمة في البداية على إرهاب الدولة الذي تمت ممارسته في أوج "قبضة الإرهاب" بعد الثورة الفرنسية، ولكن مع حلول الأربعينيات من القرن الماضي، أصبحت الكلمة تستخدم لتعني (وفقا لقاموس أكسفورد) "عضوا في منظمة سرية أو أجنبية يهدف الى إجبار حكومة ما على اتخاذ قرار ما باستخدام العنف ضدها أو ضد مواطنيها"·
وكانت واقعة الإرهاب الأولى قد سجلت في فلسطين عام 1947 وهي "قيام إحدى المنظمات الصهيونية بنسف فندق الملك داود في القدس"، ولكن حين أعلن قيام دولة إسرائيل عام 1948، أخذت كلمة إرهاب ترتبط بالفلسطينيين·
وفي أجزاء أخرى من الامبراطورية البريطانية، تعلم الجيش أن من الصعب التصدي للعنف بوسائل عسكرية فقط، ففي قبرص مثلا، أدرك اللورد هاردنغ ضرورة إيجاد حل سياسي، وفي الملايو، كان اللورو تيمبلر رائد سياسة كسب "عقول وقلوب" السكان المحليين، وفي كينيا، اتبعت السلطات البريطانية حملتها على ماو ماو بإطلاق الزعيم الوطني المويد لها جومو كنياتا الذي أصبح رئيسا للبلاد·
ولا شيء مما فعلته بريطانيا يشي بأنها كانت تسترضي الإرهابيين أو الجلاء عن البلاد التي كانوا يشكلون فيها تهديدا، ولكنها لم تفقد بصيرتها للقوى السياسية التي كانت تؤيدها، وبأنه يجب عدم السماح للإرهابيين بإثارتها للقيام بردود فعل قد تؤدي الى ظهور المزيد من الإرهابيين·
لقد واجهت هذه الوسائل البريطانية الاختبار الأكبر لها من قبل إرهابيي الجيش الجمهوري الأيرلندي IRA في آيرلندا الشمالية، وتمكنت بريطانيا على مدى العقود الثلاثة الماضية من التعايش مع الجرائم التي كانت تستهدف إثارة أسوأ الردود الانتقامية من بريطانيا، وقد حال تحلي بريطانيا بضبط النفس - فيما عدا بعض الاستثناءات الدموية - دون توسع دائرة التأييد للجيش الجمهوري الآيرلندي ومهد الطريق للتوصل الى تسوية سلمية·
تجربة دموية
هذه التجربة الطويلة والدموية مع الإرهاب، جعلت البريطانيين أكثر دراية من أي قوة عظمى أخرى، وخاصة الولايات المتحدة، بالحاجة لفهم والتغلب على الإرهابيين، ولكن الخطر اليوم، هو أن البريطانيين، وبعد أسبوع يبعث على الصدمة ويظهر مدى التنظيم الذي يتمتع به العدو، قد فقدوا هدوءهم التقليدي·
أنه لأمر مهم أكثر من أي وقت مضى أن نفهم أهداف هذا العدو وقدراته، لقد كان أمرا مأساويا أن نرى كيف أن الأمريكيين - بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر - أساؤوا تقدير قوة أسامة بن لادن، أو من يعمل خلف هذا الاسم·
لقد كانت خبرة بن لادن معروفة لدى واشنطن، فقد كان يعمل بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA في أفغانستان، وأشقاؤه الأثرياء والأقوياء لديهم صلات وثيقة مع شركات أمريكية كبرى، وقد كشف أول تحقيق وأول اعتقال بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 حجم شبكته في أوروبا وأفريقيا·
وفي ظل تلك الأجواء المفعمة بالصدمة، فإن الإشارة الى أن بن لادن هو عدو صعب المراس كان ينظر إليها بأنها ضرب من إشاعة الضعف وعدم التحلي بالروح الوطنية، ولذلك فد تم تصويره، على نطاق واسع، بأنه متعصب أحمق سيتم إلقاء القبض عليه قريبا·
لقد كان مصطلح "اعرف عدوك" جزءا من التفكير البريطاني التقليدي، ففي شمال أفريقيا، كانت لدى مونتغمري صورة لخصمه الألماني روميل على مكتبه كي تساعده في فهم تكتيكاته الذكية، ولم يتوقف شيرليك هولمز أبدا عن تحليل واحترام ألمعية عدوه موريارتي "نابليون الجريمة"، ولكن في الوقت الذي بدأ يظهر فيه بن لادن ذكاء موريارتي، لم يعبأ عدوه الأمريكي بالاهتمام بفهمه·
لقد كانت خطة بن لادن طويلة الأجل واضحة لقد أراد - كما فعل كل الإرهابيين من قبله - إجبار خصومه على الرد بلا رحمة وتحقيق أقصى قدر من البروز الإعلامي كي يجند المزيد من الأنصار·
حرب مقدسة
لقد كتب بيرنارد لويس، خبير شؤون الشرق الأوسط المفضل لدى إدارة بوش، وأحد العقول المدبرة للحرب على العراق، يقول إن "الهدف الرئيس للإرهابيين ليس هزيمة أو حتى إضعاف العدو عسكريا، بل كسب سمعة إعلامية، أي تحقيق نصر نفسي"·
لقد أراد بن لادن إشعال نار حرب مقدسة تضع المسيحيين ضد المسلمين، وأراد إخراج الأمريكيين من المملكة العربية السعودية وإقامة حكم بيوريتاني هناك بزعامة الوهابيين·
وقد نجح بن لادن في تحقيق معظم أهدافه، فقد سارع الرئيس بوش الى إعلان "حملة صليبية" ضده وضد الإرهاب، مع أنه ما كان ينبغي أن ينظر إليها كحرب، كما أشار المؤرخ البريطاني السير مايكل هاوارد، وأرسل بالأساطيل الأمريكية الى مياه الشرق الأوسط وأضعف الأسرة الملكية السعودية وأخرج القوات الأمريكية من المملكة· ومنح أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة أقصى درجات الترويج الإعلامي، وأثار عداء المسلمين الأبرياء داخل وخارج الولايات المتحدة من خلال عمليات التسجيل والتبصيم Profiling العنصرية، ومن خلال "قانون الوطنية" وعمليات الاحتجاز والاعتقال الجماعية وإقامة معتقل غوانتنامو في كوبا·
ولم يكن بوسع الولايات المتحدة تفادي بعض ردود الفعل المتعجلة كغزو أفغانستان، ولكن وقاحة وحجم ردة الفعل ضد المسلمين والتي كانت بتأثير الضغوط السياسية الداخلية، تعدت كل القواعد التقليدية لهزيمة الإرهاب وهي عزل العدو وتوحيد خصومه وعدم السماح له بتوسيع قاعدة التأييد له·
لقد عمل الرئيس بوش بدعم قوي من طوني بلير منذ أكثر من عام، على توسيع جبهته من خلال خطوة متهورة لم يكن بوسع، حتى العقول المدبرة لتنظيم القاعدة التخطيط لها أو تمني حدوثها، وحدثت نتيجة لغزو العراق وهو مزج دكتاتورية علمانية مع حركة إسلامية وتوفير ساحة معركة مفتوحة للإرهابيين الأجانب·
وعلاوة على ذلك، وفرت حرب العراق لتنظيم القاعدة الفرصة لإبعاد الأنظار عن خطرها بانشغال الأمريكيين والبريطانيين بالوضع العراقي، لقد حذر عدد من منتقدي الإدارة ومنهم كينيث كلارك، منذ البداية بأن الحرب على العراق سوف تزيد من خطر الإرهاب في بريطانيا ولكن تم تجاهل كل هذه المخاطر في ظل الانغماس بالتخطيط للحرب·
ولذلك، كانت مفاجأة كبرى حيث أظهر تنظيم القاعدة وحلفاؤه بعد عامين ونصف العام من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، أنه ما زال يمتلك خطة مركزية· فقد حققت تفجيرات القطارات في مدريد كل الأهداف التي كان يأمل بها بن لادن، حيث حققت له الانتشار الإعلامي وردود الفعل المبالغ فيها من قبل عدد من الحكومات وإثارة الانقسامات بين الدول الأوروبية فيما بينها وبين واشنطن·
خيبة أمل
وفي مجمل هذه الأخطاء، كانت هناك إشارات ضعيفة على تأثير الحكمة البريطانية التقليدية وهي أن ترفض الانجرار وراء الاستفزازات والقيام برد فعل انتقامي متهور والقلق بشأن المدنيين والحاجة الى كسب صداقة وطمأنة السكان الذين يزعم الإرهابيون أنهم يمثلونهم·
ولعل العدد المتنامي من المسلمين في بريطانيا يوفر المفتاح لقدر كبير من الأمن في المستقبل ويكتسب الآن نفوذا سياسيا غير مسبوق، والغالبية العظمى من هولاء المواطنين المسلمين معتدلون ومسالمون ويعملون بجد ويظهرون إشارات قليلة على تأثرهم بالأعمال الإرهابية، ولكنهم يخشون من مواجهة مشاعر مناهضة للمسلمين·
وفي الجدل التاريخي الذي دار في مجلس العموم البريطاني قبل الحرب على العراق، قدم أعضاء من مناطق يقطنها مسلمون تحذيرات واضحة بشأن الحرب، ولكن منذ ذلك الحين، تم نسيان تلك المخاوف الى حد كبير وإنه لمن المثير للصدمة أن نرى أن الحكومة البريطانية لم تعط أولوية لإشراكهم في المشاكل ذات الصلة بالإرهاب، لقد عبرت الحكومة عن خيبة أملها لأن المعتدلين المسلمين لم ينأوا بأنفسهم بما يكفي عن الإرهاب، ولكنها لم تفعل الكثير - في الوقت ذاته - لأخذ المشورة من فعاليات الجالية المسلمة·
ولذلك، فليس من المفاجئ أن يتحول الناخبون المسلمون - وفقا للاستطلاعات الأخيرة - عن حزب العمال، بل وإشارة بعضهم الى أنهم قد لا يصوتون على الإطلاق في الانتخابات المقبلة·
لقد كانت دائما القاعدة الأولى لمكافحة الإرهاب هي أن تتأكد بأن الإرهابيين لن يكسبوا الدعم من قبل مواطنيهم المعتدلين·
وأنه سيكون خطأ كبيرا للحكومة البريطانية أن تنسى - في خضم الهلع الذي أحدثته تفجيرات مدريد والمخاوف من انتشارها لتشمل دولا أوروبية أخرى - الدروس من التاريخ وأن تسمح لنفسها بالانسياق وراء الاستفزاز ومضاعفة عدد أعدائها·
" عن الأوبزرفر "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com