غبار·· يا أميمة!
نشمي مهنا
غالباً ما يأتي الخراب عادلاً وشاملاً، مساوياً بين جميع الأركان والزوايا والجدران في الهدم، مقنعاً هنا بواقعيته وموضوعيته، لأنه لا يترك لنا حنيناً معلقاً على غبار، وقد عُرفنا بأننا بكّاؤون على الأطلال، وسريعو العطب بمرور الذكرى·
يقول المنطق السليم الذي تستوعبه الشعوب المعافاة، وفطرة الحيوان، وحكمة الطبيعة، إنه لاغرابة أن يسقط سقف على رؤوس الرابضين تحته، وقد تناثرت أحجار الجدران·
هل يعقل أن ترى سقفاً معلّقاً؟! بعضنا العاقل يتساءل: لماذا لا نرمّمه؟!
سياستنا واقتصادنا وأحوالنا الاجتماعية وتاريخنا وثقافتنا وتعليمنا وفهمنا لتعاليم الأديان وفنوننا تناثرت واندثرت وبعضها لم يُبنَ أساساً إلا في أوهامنا·
وسط هذه الحالة المعممة من الغبار - نستخسر وصف الضباب لأنه يحمل أحياناً معنى جمالياً - تكون الفرحة بالعثور على النادر والمميز والمبدع كفرحة من تغمره غيمة مفاجئة بعد أن تلفت روحه من الرمال·
لنختر أحد الأحجار المتراكمة فوق أرواحنا: المغنى مثلاً·
ما حاله يا أميمة وما حال السمِّيعة"؟!
بعض الفنون لا تغيب بغياب جماهيرها، بل تحتفي بغيابهم لتمارس حريتها منفردة، كالشعر مثلاً، أما المغنى الأصيل المبدع فمصيره معلّق بآذان "السمِّيعة"!
أما وقد غاب ضابطو إيقاع الذوق السليم، وأوصدوا قلوبهم في وجه الضجيج، فلا تعجب أن يُفرض عليك مطرب وهبته وسائلنا الإعلامية وجماهيره (العريضة فعلاً بعرض منكبيه!) ألقاباً فنية جاءت وكأنها "كيدية" لكشف عيوبه اللفظية وعجزه الواضح في نطق مخارج الحروف، لينقلب حرف "النون" في صوت مطربنا الكبير جداً إلى "لام"! (يذكّرنا بممثل كويتي قدير أجرى قبل سنوات عملية جراحية خطيرة في حنجرته ومازال يكثف أعماله الإذاعية المشروخة!)·
منذ سنوات قادتني الصدفة وذوق صديقي العماني عبدالله سعيد إلى صوت الفنانة اللبنانية "أميمة" "وعصفورها الذي طل من الشباك"· فكنت ذاك المغمور بغيمة···
منذ ذاك اليوم عممت نسخاً من "كاسيت" أغانيها - وبديكتاتورية عربية أصيلة تهدف إلى الإصلاح دوماً - على آذان وقلوب وبيوت وسيارات أصدقائي، ولم يبق سوى صديقنا الكبير شوقي رافع و القرّاء "السمِّيعة"، لذا أكتب الآن صوتاً على ورق، لتحسين أمزجتنا العكرة، وطرد غبار "السّرايات":
خلِّ شموعك ترقص لي
ليلي سهران
ضو الشمع بـ يلبق لي
فوق الفستان
وإن شعشعنا مـ تقلّي
قلبك سكران
من قلّك تشرب قبلي
وقلبي العطشان!
***
صوتك ع حروف الكلمه
واقف ناطور
بحبالو معلّق نجمه
وغيمه ومنتور
وعا·· غفله مرقت نسمه
وفاح البخّور
وعا الريحه تدلدل اسمي
ورفرف مخمور
***
بين عيونك وعيوني
شفت الأيام
بؤبو مغطى بجفوني
مش عم بينام
وياجنونك متل جنوني
بـ ينبع أحلام
(كلمات هاني الهندي)
nashmi@taleea.com