
محمد الأسعد ü
حين عرفتُ عبد الرحمن منيف للمرة الأولى عبر سطور روايته "الأشجار واغتيال مرزوق"، أدهشني أن هذه المعرفة لم تحمل لي جديدا ًبل قديما ً أعرفه، كان هذا القديم المألوف هو رواية اليوناني "كازانتزاكس" التي قرأناها في الستينات: زوربا اليوناني· ومع أن هذه الأخيرة تحولت بقلم منيف إلى أصداء شبه باهتة، إلاّ أن أصواتا معزوفة اليوناني كانت واضحة الحضور وحادة، و تحيل فوراً وللوهلة الأولى إلى المقطوعة الأصلية·
لهذا السبب وضعتُ هذا الروائي في زاوية شبه منسية من ذاكرتي، فمثل هذا التصادي الذي طغى تقريبا ً على طرائق قرن عربي طويل في الشعر والرواية والموسيقى والسياسة لا يفتح أفقاً، وليس جديراً بالثقة رغم تكاثر الدكاكين النقدية على امتداد هذه الطرق·
ولم أرجع إليه إلا بعد زمن، وبعد أن تناهى إلي خبر صدور عمل مهم: مدن الملح· فاستمتعتُ بحكاياتها شبه الفولكلورية وحشد الطرائف التي ازدحمت بها، لا لسبب سوى الفضول في معرفة عالم لم ينطق أو لم ينطق عنه أحد· وبعد الفضول والمتعة العابرة وضعت المدن الملحية جانبا ً، ولم يصبني إغراء العودة إليها حتى اليوم· شأنها في ذلك شأن روايات محفوظ وحنا مينة وغائب طعمة فرمان وبقية حاملي النسخ الأولى من عدسات التصوير·
ومع ذلك شغلني إلى حد ما، منذ أن قرأت "الأشجار··"، أمر اكتشاف أسماء الأمكنة التي يسكت عنها الراوي أو لا يعنيه أمرها كما يبدو، فأنا شخصيا من المعنيين بالتضاريس الجغرافية والإنسانية، ولا أرى أن وظيفتها نافلة أو مما يمكن إهماله بهذه البساطة، وبخاصة أسماء الأشخاص والمدن والبلاد·
لدى عبد الرحمن منيف أوصاف حسية حادة، قد تكون ذات دلالة أحيانا وقد تكون بلا دلالة، إلا أن كائناته رغم أحاديثه عن "المكان" تبدو طافية بلا قوام، وكذلك الأشخاص· ففي أي جغرافية تحرك مثلا "الياس نخلة" والمفكر النظري نقيضه "منصور عبد السلام"؟ وتحت أي سماء؟ وفي أي تاريخ ومكان تم اقتلاع الأشجار العزيزة ؟
أعرف أن من العبث توجيه هذه الأسئلة إلى "بعثي"، أعني إلى رجل لا يعترف بالملموس أو يخرج من تهويمات "الحقائق" المطلقة أو يتخارج على فكرة أن البشر كائنات مشوهة ما لم تتقولب وفق هلوسات زعيم فرد حتى لو كان نفاية رفعه القتل والمزيد من القتل إلى سدة الحكم، ولكنني أوجه هذه الأسئلة إليه بعد أن ارتدى ثوب الروائي الفنان وسئم من السياسة·
في رواية "زوربا اليوناني" التي افتتح بها مشروعه الروائي، أي حاول تعلم دور الفنان، لم يكن الأمر هكذا، "كريت" اليونانية وتاريخها تنعكس مثل الأضواء على أخاديد وأثلام الأمكنة الملموسة، وعلى ملامح رجل الحس (زوربا-الياس) ورجل الفكر (منصور-الراوية )، بل تتغلغل في ثنايا حوارهما، حتى ليكاد القارئ يدخل المشهد المرسوم على الورق كما لو أنه واثق من دخول مقهى أو بيت مألوف وملموس، وإني لأعجب كيف لم يستطع منيف بعد أكثر من ربع قرن على قراءة "زوربا اليوناني" بعناية كما يبدو، بل وتؤثر فيه كل هذا التأثير، فهم تقنية الحوار بوصفه رسما ً بارعاً لسمات الشخصيات لا خطاباً يوزعه الكاتب كيفما شاء على لسان هذا أو ذاك كما فعل وظل يفعل في كل رواية يكتبها؟ أليس عجيباً أن لا يتوصل إلى هذه الحقيقة البسيطة المبذولة، فيظل "اختيار الحوار" و"اللغة" حسب قوله التحدي الذي يفشل في مواجهته؟
***
هل كان الأمرُ مصادفة ً؟
أعتقد أن منيف في دخوله إلى عالم الرواية كرّر كيفية دخول الروائي العربي منذ قرن ودلالة هذا الدخول بالضبط، أي أنه دخله من بوابة رواية أخرى لا من بوابة ميدان أو شارع أو بيت أو مدينة عربية، ولأنه ليس فنانا من حيث الجوهر، أي من ناحية التجريب المتواصل ومراكمة الخبرة، بل جاء إلى الرواية من موقع السياسي صاحب فكر تشغله المثل ُ عن الحياة الأرضية التي يراها صورة مشوهة يدينها باسم واقع أعلى، فقد أضاف سمة ً معوقة ً أخرى: لقد تقمص دور الفنان وبذل جهداً ليعزف كما يعزف الفنان أو ليتلقط شعرية الرواية كما يتنفسها الفنان، وحاذر في الوقت نفسه أن يبتعد عن حافة الممرات الشاهقة في الأعالي خشية أن يحدّق في الهاوية: هاوية الالتباس الذي يقوم به كل فن، وهل يكون فن بلا التباس، ذلك الذي يعاديه رجل الدين والسلطة والأخلاق العامة وكل المتحمسين للحقيقة الواحدة؟·
هذا هو نوع التحدي الذي تحدث عنه منيف في أواخر أيامه، فعدّد ما أطلق عليها "التحديات" التي تواجه الرواية العربية اليوم (هي تحديات تواجه روايته لا كل الروايات) فكانت: أي لغة نختار؟ أي الشخصيات نختار؟ وكيف نجعلها تعيش وتموت؟ وكيف ندير حواراً معبراً عن سمات الشخصيات الفكرية؟ كيف نستخدم مادة التاريخ؟·
وحين نلتقي بمن يطرح أسئلة ً من هذا النوع بعد أن كتب 11 رواية تقريبا ً وخلفه وخلفنا تراث للرواية هائل في كل لغات الأرض، نضطر إلى التساؤل: "ألا تلخص هذه الأسئلة حيرة صاحب دور الفنان لا الفنان ذاته؟"·
أي فنان حقيقي لا يسأل أسئلةٍ من هذا النوع بعد قرن من الكتابة الروائية العربية المعاصرة ، أسئلة قد تشغل النظامين من الشعراء مثلا أو الأكاديميين أو المقدمين على أدوار مسرحية، ولكنها بالتأكيد ليست أسئلة أناسٍ مشغولين بالإبداع والحياة· أسئلة من هذا النوع تحمل السذاجة ذاتها التي يكرّرها منيف مع آخرين يتساءلون عن "خصوصية" عربية في الرواية، غافلين عن أن مدار الحديث ليس تشكيل كيان سياسي أو حفر خنادق جنرالات، بل فن بشري ينتجه البشر لكل البشر، ذو هوية خاصة به تساقطت دائما ً أمامها "هويات" البلدان والأعراق والعقائد · وهذه السذاجة هي نفسها التي يحملها وصف عجيب للرواية التاريخية يطلقه منيف في أحد اللقاءات الصحافية ، فيقول: "الرواية التاريخية وسيلة للبحث التاريخي والتحقق والتأكد من صحة الوقائع"! فهل يدور الحديث هنا حول فن روائي أم عن وظيفة مخبر سري؟
***
يلخص عبد الرحمن منيف إذن مدخل الروائي العربي بدلالات إضافية: بهذه المحاورات غير الدالة على السمات الشخصية التي برزت في "شرق المتوسط"، وبهذا النأي عن تسمية الأمكنة بل والشخصيات، وبحيرته، وهذا من الغرائب، أمام أفقٍ لا يبدو مغلقا ً أمام الفنان الروائي الحق، وباستيهاماته المأخوذة من مشاغل لا تعلق لها بأخص خصائص الفن (الالتباس الكامن في أساس الوجود ومحرك تطوره وشتى تمظهراته) مثل "التأكد من صحة الوقائع" ورؤية التحول والتغير "خرابا ً" وتشويها ً للأصل والجوهر، وما إلى ذلك من أفكار تتنزل من لوحه المحفوظ·
ويتعزز هذا التلخيص بالواقعية الفجائعية التي استعارها بعض الكتاب من إنجليز وروس القرن التاسع عشر، ومضوا بها قدماً حتى آخر القرن العشرين بلا تردّد· ونعني بها الرؤيا الفاجعة، سواء كانت عالم ديكنز الصناعي أو أخروية ديستويفسكي، الطاغية على الفن الروائي العربي حتى هذه اللحظة؛ إنها نتاج الموقف الفاجع أمام عالم قسّمه الفكر الغربي طيلة ألف عام إلى ثنائيات متصلبة: شرق وغرب وأنا وآخر وروح وجسد ، وفرد ومجتمع·· إلخ·
إنني أستعيد الآن هذا العالم جملة ً مع استعادتي لعالم عبدالرحمن منيف الذي نما في أحضانه بلا طفولة، فأراه شبه أفق غادرتُه منذ زمن طويل ولكنه يواصل الحضور في كل مناسبة· مرّة مع ظهور رواية يتهافت الصحافيون على إطلاق مدائحهم بمناسبة صدورها، ومرّة بصدور كتاب نقدي ينظّر لفتوحات جديدة، ومرّة بإطلاق إشاعة تجيد صناعتها شركات العلاقات العامة عن عظمة هذا أو ذاك·
قرأت ُ أشهرَ روايات العصر العربي الراهن بتعبير كل هذه الأجهزة· الروايات التي خرجت من صفحات روايات القرن التاسع عشر، تارة بحجة تصوير المجتمع وتارة بحجة تصوير انقلاباته وتارة بحجة تثويره أو فحص تاريخه، بدءاً من ثلاثية محفوظ وانتهاء بمدن ملح منيف، ومرورا ً بالطبع بنخلة فرمان ودار محمد ديب الكبيرة ويوم حنا مينة الغائم وأعشاب حيدر، وما تناثر ولم تحفظه الذاكرة من روايات وأقاويل حولها·
وظل يلازمني في كل هذه الحالات إحساس بأن المرتكز الفكري أو الرؤيوي الذي يقف وراء حركة هذا العالم واحد: إنه وصف العالم مثلما وضع منهجه علم القرن السابع عشر الآلي في عالم الغرب، أعني الوصف المبسط الذي قدمه ميكانيك "نيوتن" وما نتج عنه من نماذج بنيت على غراره في الآداب والفنون والفلسفات وعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد·
لا أتحدث هنا عن "نيات" الكتّاب التي تُرفع دائما ً في أي نقاش منذ قرن وحتى الآن، بل عن الرؤيا الارتكازية، تلك التي تسمح للفنان أن يتأمل ويفكر ويحرّك العالم من موقعه ذاك· عن رؤيا الوجود التي تتجاوز هذه الجزئية أو تلك، ولكنها الشمس التي تمنح الجزئيات ملامحها وثقلها وكيانها الأرضي·
تبسيط العالم إلى ثنائيات هو سمة ذهنية لعلم عفا عليه الزمن· صحيح أن بعض النقاد يعترض على تبسيطية الفنان بتعقيدات الوضعية الإنسانية، وبتعقيد الدوافع والعواطف بل وحتى بدعوى الالتباس أحياناً، ولكن هذه الاعتراضات تظل غائمة وجوفاء، لأنها لاتتوافر على الرؤيا المغايرة التي تلمست أطرافها في الكتابات النقدية الغربية المعاصرة· إنها تعلن الاعتراض ولكنها لا تمتلك الحيثيات أو هي لا تفهمها·
ما يفتقر إليه عالمنا العربي هو استيعاب المستجدات في الفكر الإنساني بعد عصر نيوتن، ودخول الأراضي الجديدة التي عرفها العالم شرقاً وغربا في ضوء فيزياء الكوانتم ومتضمناتها الفلسفية والاجتماعية والفنية (علائقية الموجودات، وعالم الممكن والمحتمل، واللايقين الكامن··) وفي ضوء النسبية التي يردّدها المتعالمون من أن يدركوا أن التعالم أحد القلاع التي دمرتها· هل ندرك أن ما يتحكم في فننا وفكرنا واتجاهاتنا ليس سوى سقط متاع عفا عليه الزمن؟ وأن معاييرنا التي ترفع هذا وتهبط بذاك ليست سوى معايير أقزام؟
***
بالطبع، الرواية ليست هي المدخل الملائم إلى الفن الروائي، فقد تعدّدت المداخل، وتعدّدت الألوان على "لوحة ألوان" الكاتب، وهذا درس بدأ يتعلمه جيل جديد من الروائيين العرب· المدخل هو التجربة ذاتها، وما دمنا نقول بالتجربة فعلينا أن نمضي بهذا الوعي إلى حدوده القصوى؛ إلى رؤية الوجود في التباساته لا في يقينياته المصطنعة، إلى التعامل مع الإنسان والطبيعة وجميع الكائنات كشبكة علاقات، إلى التوقف عن مراقبة العالم في تغيره كأننا لسنا جزءاً من هذا التغير، إلى رؤية الهوية قي سياق ·
نحن بحاجة إلى التعرف على أنفسنا خارج هذا الموروث الأيديولوجي الذي مضغه قرن من العطالة العربية بمختلف تمظهراته وسلطاته، نحن بحاجة إلى أن نتعرف على المجرّبين الذين هم مثلنا لا يملكون يقينا ً، أولئك الذين تمثلوا واقعية الفجيعة وأضرابها، وقبلها عالم الرموز والتهاويل، والغنائية التراثية الباكية، وفارقوا كل هذا إلى أراض جديدة، متمثلين عوالم زمن بروست الفرنسي وجبل مان الألماني وريف كاواباتا الياباني وأرض خوان رولفو السفلية، وقبل كل شيء عوالم ألف ليلة وليلة العربية·
يخيل لي في هذه اللحظة أن الروائيين العرب، سلالة قرون نيوتن الثلاثة، يواصلون تعزيز أفق أصبح نافذة ً في جدار وراء هؤلاء المجرّبين، مطمئنين في طرقات مناجمهم العزيزة، في وقت تضج فيه الحياة من حولنا وتطالبنا بالنظر إلى الأفق دائما بكل ما يحمله من احتمالات، وبشق عروق مناجم جديدة· وأعتقد أن هذا الجيل الروائي العربي الذي اختتمه عبدالرحمن منيف بأفضل ما لديه، هذا الجيل الذي تناسل طيلة قرن جعل الفن نديماً لكل سلطة، سواء كانت في الحكم أو خارجه، وسحب ظله على ما يقارب القرن من حياتنا، هذا الجيل كان خلفنا دائما ً، وخلف اشتياقاتنا الإنسانية رغم التظاهرات الإعلامية· لقد كان البارزون فيه روائيين بلا طفولة، لأنهم وُلدوا مكتملين إما من رحم رواية ( روسية أو إنجليزية أو فرنسية أو أمريكية لاتينية·· ) أو من رحم فكر منزّل محفوظ في لوح زعيم ملهم لا يغير ولا يتغير · ولكننا ندرك بالطبع أن الأطفال هم أبناء الأرض دائما ً·
ü شاعر وناقد وروائي فلسطيني مقيم في الكويت