
كتب محرر الشؤون الخارجية:
لم يمر على المنطقة بل وعلى السياسية الأمريكية على مر تاريخها أن يقف الرئيس الأمريكي في مؤتمر صحافي يؤيد فيه علناً مطالب رئيس وزراء دولة أخرى كما فعل مع الإرهابي شارون، فقد نسف الأخير كل مرتكزات السياسة الأمريكية الخارجية المتعلقة بالمنطقة والتي وإن كانت منحازة لصالح إسرائيل منذ تأسيسها إلا أنها كانت تنتقل من مرحلة لأخرى في تزايد دعمها المعلن للكيان الصهيوني، ولكن بخطوات حذرة وعلى جرعات مخطط لها سلفاً، أما ما حدث في المؤتمر الصحافي الأخير فلم يكن سوى قراءة بوش لبيان أعده شارون شخصياً·
حتى الصحافيون المتابعون للرئيس الأمريكي وأولئك المرافقون لشارون لم يصدقوا ما سمعوه على لسان الرئيس الأمريكي، فقد ضرب الرئيس عرض الحائط بكل المصالح الأمريكية في المنطقة والظروف الحرجة التي تواجهها القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان مقابل أن يرضي شارون، وبالتالي يضمن تأييد اليهود الأمريكيين في الانتخابات المقبلة، فما كان نصب عين بوش سوى تلك النتيجة، فيهود أمريكا والعالم لم يحلم أي منهم بأن يحصل على أكثر مما أراد وبالتالي لن يفرطوا في هكذا رئيس قلبه على إسرائيل أكثر من أمريكا (دولته)·
وبسبب ذلك عاد الإرهابي شارون ولديه الحرية المطلقة في أن ينفذ مخططه بكل التفاصيل التي يريد، فلم يمر يوم واحد على عودته من واشنطن إلا وأمر بقتل زعيم حماس الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي في عملية إرهاب دولة واضحة جاءت بعد اغتياله للشيخ أحمد ياسين الشهر الماضي·
شارون بعد أن حصل على ما يريد من دعم وغطاء أمريكي سيسحب قواته من بعض المواقع بينما ستبقى مطوقة قطاع غزة والضفة، وهو سيقوم بإخراج بعض المستوطنين مما يسميه "مستوطنات غير شرعية" وهي قليلة جداً كي يخلق من إزالتها كسباً سياسياً يظهره على أنه رجل سلام يتخذ حتى القرارات المؤلمة من أجل السلام!! لكنه في الوقت ذاته أبقى على كل المسـتوطنات "الشرعية" في الضفة والقطاع لأن الرئيس الأمريكي يقول إن إزالة تلك المستوطنات أمر غير ممكن وغير واقعي!!! وهو في الوقت نفسه قال إن عودة الفلسطينيين المهجرين من بيوتهم في العام 1948 أمر غير واقعي وغير ممكن هو الآخر، قال هذين الأمرين من دون أن يرى فيهما تناقضاً، ففي الحالتين كان يقرر ما يخدم الصهيونية وليس ما يمليه عليه القانون الدولي وربما مصلحة أمريكا·
إن ما وصل إليه الأمر بعد هذا السقوط الأمريكي الفج ليس سوى قتل كل أحلام من صدّق مسرحية السلام التي بدأت في مدريد والتي نسفتها أوسلو ثم كامب ديفيد 2 التي نسفت أوسلو على يد رئيس الوزراء "الطيب" باراك، ثم مؤتمرات شرم الشيخ التي يجتمع الفلسطينيون في كل مرة مع الصهاينة وينتهي الأمر بهم الى تنازلات جديدة وصولاً إلى نسف التنازل العربي الأكبر بموافقة قمة بيروت على تبني المبادرة العربية للاعتراف بإسرائيل والدخول في مرحلة السلام معها، ثم بعد ذلك أتت خارطة الطريق لتسجل تراجعاً آخر على الفلسطينيين القبول به لأنه "الممكن" ورغم موافقتهم عليها إلا أنها نسفت هي الأخرى بمبادرة قادتها "المعارضة" لدى الطرفين وسميت مبادرة جنيف، إلا أن الإرهابي شارون وتابعه بوش أبيا إلا أن يجهزا على خارطة الطريق وكل ما سبقها وبالتأكيد طبعاً كل القرارات الدولية المتعلقة بالأمر كي يسجلا واقعاً جديداً على الأرض يتمثل في اقتطاع نحو نصف مساحة الضفة والسيطرة عليها وتطويقها هي والقطاع وحرمان "الدولة" الفلسطينية من استخدام الجو والبحر وحتى المنافذ البرية مع الأردن ومصر وبالتأكيد الاستمرار في بناء الجدار، أي بعبارة أخرى خنق الفلسطينيين وانتظار موتهم البطيء·
لذا فإن هذه السلوكيات الأمريكية الفجة ودعمها غير المحدود وغير المسبوق لإرهاب الدولة لن يخلف سوى مزيد من العنف ولن يترك للفلسطينيين أمام هذا الوضع سوى خيار المقاومة بكل أشكالها وسيضعف صفوف الساعين باتجاه الحلول السلمية، وسيقوي كذلك مواقف المسلمين المتشددين في أرجاء العالم من أمريكا ومصالحها وسيعقّد الأمر في العراق بل سينتهي معه حتى المسعى المعلن لدعم إشاعة "الديمقراطية" في المنطقة·