يوسف شاهين·· لا يريد أن يسرق الغد!!
د· نادر القنة
بشفافيته، وفلسفته، وموضوعيته المعهودة رفض الفنان (يوسف شاهين) عرض فيلمه الجديد "الإسكندرية نيويورك" داخل المسابقة الرسمية لمهرجان "كان" السينمائي الدولي، مكتفياً بالمشاركة عن قناعة راسخة خارج المسابقة الرسمية لذات المهرجان·
و"شاهين" الذي عُرف عنه سياسة "الأفعال" لا "الأقوال" أبلغ رئيس المهرجان "جيلي جاكوب" بوجهة نظره، وقناعته الخاصة فيما ذهب إليه من قرار، قائلا: "هذه هي الدورة السابعة والخمسون لمهرجان "كان" الدولي، وأنا اشتركت في أكثر من اثنتي عشرة دورة بأفلامي، وفي عام 1997 حصلت على تكريم عام عن مجمل أعمالي السينمائية· لهذا، ومنذ ذلك التاريخ، لم أشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، حتى أتيح الفرصة للمخرجين الشباب في مصر والعالم العربي"·
هذا هو المخرج السينمائي العربي يوسف شاهين بموضوعيته وشفافيته، ونزاهته أدرك بحدسه وعمق خبرته أنه لابد من خلق صفوف أخرى من المخرجين السينمائيين العرب، فتجرد من كل أشكال الأنانية والذاتية، ورفض أن يظل اسمه مهيمناً في كل المناسبات والمشاركات على حساب الأجيال الصاعدة فترك لهم الفرصة، وأفسح لهم المجال للمشاركة، حتى لا يقولوا فيما بعد: "إن شاهين كان يحاربنا، وكان يمنع عنا المشاركات الخارجية، وكان يتصدى لنا، وكان لا يؤمن بالأجيال الصاعدة·· وكان·· وكان" كما ادعى من قبل أنصاف الفنانين - وأرباع المثقفين وأسداس المتعلمين - على قمم الفن العربي الأصيل أمثال: (محمد عبدالوهاب) و (أم كلثوم)، و (اسمهان) و (فريد الأطرش) و (عبدالحليم حافظ) و (شادية) و (فؤاد المهندس) و (عبدالمنعم مدبولي) و (يوسف وهبي) و (فايزة أحمد) و (زكي طليمات)، و (أنور وجدي) و (نيللي) و (إسماعيل ياسين) وغيرهم كثير·· كثير، بأنهم كانوا حجر عثرة في طريق ظهور الكثير من النجوم الشباب الصاعدين، وبأنهم كانوا يحاربون الأجيال الصاعدة، بهدف الهيمنة على عصر غيرهم، كما هيمنوا على عصرهم·
في يقيني الشخصي أنّ يوسف شاهين وهو يعلن مصداقيته مع نفسه قبل أن يعلنها مع غيره، وهو كذلك ينظر إلى المستقبل بنقاء ووعي شديدين، فإنه يرفض تماماً أن يلوث أحد "ما" تاريخه الفني المشرق، وعظم إنجازاته السينمائية وتوهج مشواره الفني الطويل بعبارات انتقادية، تحمل في دلالاتها صورا اتهامية، تنال منه، ومن تجربته الفنية ومشاريعه السينمائية المتميزة، فهو يريد أن يظل خالداً، حاضرا، قائماً في الذاكرة الثقافية العربية·
وهو بهذا السلوك الثقافي والفني والإنساني النبيل إنما يقدم درسا قاسيا لأولئك النفر من العجزة الذين هيمنوا على "الأمس"، وأخذوا "اليوم" عنوة وقسراً من جيل الشباب، وخططوا لسرقة الغد من أيدي المفكرين الطليعيين من الشبيبة كونهم يريدون أن يظلوا بمفردهم - وحدهم من دون منازع - في موقع السلطة، وصناعة القرار·
تحية صادقة ليوسف شاهين الذي يؤمن إيماناً مطلقاً بدور الأجيال، ودور الشبيبة في صناعة حاضر اليوم·
تحية إكبار لرجل فتح الباب على مصراعيه لطابور طويل من المبدعين السينمائيين ليأخذوا حقهم في المنافسة، وتحقيق الذات، وقبل هذا وذاك في أن يجربوا، ويخطئوا، ويتعلموا·· حتى يصلوا في نهاية المشوار إلى طريق النجاح·· تُرى هل يتعلم من فعله أولئك العجزة؟!
fonon@taleea.com