
· مقتدى قتل الخوئي ووضع قائمة اغتيال تضم 192 شخصا
· مذكرة الاعتقال صادرة منذ ستة أشهر لكن إدارة بوش منعت أي تحرك ضد الصدر
بقلم: مايكل روبينü
مع تصاعد حدة أعمال العنف التي أثارتها ميليشيات "جيش المهدي" التابعة للزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، تسود واشنطن حالة من الهلع غير المبرر· فقد وصف السيناتور الديمقراطي أدوارد كنيدي في تصريحات أعادت نقلها بشكل متكرر قناة "الجزيرة" وصف العراق بأنه "فيتنام جورج بوش وأن الولايات المتحدة بحاجة الى رئيس جديد"· السيناتور الجمهوري ريتشارد لوغار والسيناتور الديمقراطي جوزيف بايدين أثارا، في مقابلتين منفصلتين، شبح اندلاع حرب أهلية في العراق، بل إن السيناتور الديمقراطي روبرت بيرد طالب إدارة بوش بسحب القوات الأمريكية من العراق·
ولا شك في أن حلفاءنا وخصومنا على السواء، يفسرون مثل هذه التصريحات على أنها إشارات ضعف، ومن ناحيتهم، يثير الليبراليون العرب شبح تخلي الولايات المتحدة عنهم ويستشهدون بفشلها في تأييد انتفاضة العراقيين ضد صدام حسين عام 1991· وبالنسبة للإسلاميين المتشددين والجهاديين المحتملين، فإن تصريحات أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي تعزز الفكرة القائلة بأن الولايات المتحدة ستكافئ من يقومون بأعمال العنف تماما كما فعل جمهور الناخبين الإسبان غداة التفجيرات في محطات القطارات في مدريد يوم الحادي عشر من مارس الماضي، وبالرغم مما قد تحمله عناوين الصحف سلبا أو إيجابا، إلا أن الأكثر تعبيرا عما يحدث هو ردة فعل الشارع العراقي، وقد نجح العراقيون في ذلك بامتياز·
فخذ على سبيل المثال، الأنباء الواردة من مدينة النجف حيث صرح الزعيم الشيعي وعضو مجلس الحكم العراقي محمد بحر العلوم بأن مقتدى الصدر يرفض الحديث مع ممثلي آية الله علي السيستاني وأن "سلوكه الفظ يتناقض مع احتمال أن تشكل المؤسسة الدينية في العراق جبهة مشتركة" وأصدر مكتب السيستاني بيانا في السابع من أبريل دعا الى الهدوء ورفض - في موقف لافت - إعلان تأييده للصدر، وهناك أنباء إيجابية من مدن أخرى أيضا، ففي الناصرية، قال زعيم شيعي بارز هو وائل الرقادي إن "الذي أثار حوادث العنف كانوا أناسا من الخارج وبالأحرى هم من الفلوجة والمناطق الغربية من البلاد·· إن انسحاب القوات الدولية من العراق في هذا الوقت سيؤدي الى اندلاع حرب أهلية"·
رجل يائس
أما مقتدى الصدر، الابن الأصغر لآية الله العظمى محمد الصدر، فهو رجل يائس، إذ لم يتمكن من الحصول على الشرعية الدينية من والده أو أشقائه الذين قتلهم صدام عام 1999، ومع ذلك، ظل مقتدى متوقد الطموح وسعى لاستغلال اسم العائلة، وفي العاشر من أكتوبر 2003، أعلن نفسه رئيسا لحكومة موازية لمجلس الحكم، ليكتشف أن العراقيين لا يعبؤون به، ويحظى مقتدى بالتأييد بصورة أساسية في مدينة الصدر التي تعتبر واحدة من أكبر أحياء العاصمة وتحمل اسم والده، ولكن تراجع التأييد له على مدى الأشهر القليلة الماضية بعد عودة عدد من السياسيين الشيعة من أمثال إبراهيم الجعفري من حزب الدعوة وعبدالعزيز الحكيم من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق· لقد زرت مدينة الصدر كثيرا خلال الفترة من يوليو 2003 ومارس 2004 وتجولت في الأسواق والمناطق السكنية·
ولاحظت أن الصور التي كانت معلقة في كل مكان، بدأت تختفي لتحل محلها صور آية الله محمد باقر الحكيم الذي قتل قبل أشهر عدة في النجف وغيره من الزعماء الشيعة· ويبدو أن أحداث العنف الأخيرة لها علاقة بتطلعات الصدر نحو السلطة، أكثر مما هي مشاعر المواطنين العراقيين، فقد صرح أبو محمد صادق الذي عرف نفسه بأنه من زعماء ميليشيا "جيش المهدي" لصحيفة الشرق الأوسط التي تصدر في لندن باللغة العربية في السادس من أبريل الجاري بأن هدف الحركة هو إعطاء مقتدى الصدر "فرصة لقيادة العراق"·
ويعود السبب في كراهية الطائفة الشيعية لمقتدى الصدر، إضافة الى ضعف تأهيله الديني، الى طبيعة شخصيته· فالعراقيون ينظرون إليه كقاتل، حيث أصدر أوامره في العاشر من أبريل الماضي، باغتيال الزعيم الشيعي المعتدل عبدالمجيد الخوئي في مرقد الإمام علي، ثم نشر الصدر فيما بعد قائمة بأسماء 192 شخصية مطلوب قتلها، وقد قتل الكثير منهم بالفعل، بعد ذلك·
ولا ينظر إليه معظم العراقيين كزعيم شعبي، بل تابعا للحكومة الإيرانية، فهو يتلقى التمويل من آية الله كاظم الحائري المقرب من القائد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي· وعلى العكس من الكثير من رجال الدين العراقيين التقليديين الذين يعتقدون أن الحكم الديني في عالم علماني من شأنه أن يفسد الدين (كما في إيران)، يؤمن الصدر برؤية آية الله الخميني للدكتاتورية الدينية ويسعى الى تطبيقها في العراق·
ولكن لا يخفي العراقيون تذمرهم من تصرف الأمريكيين في هذه القضية· فقد صدرت مذكرة باعتقال مقتدى الصدر منذ أكثر من ستة أشهر على خلفية اغتيال الخوئي، من قبل قاض عراقي من غير المعينين من قبل سلطات التحالف أو العاملين في الشأن السياسي، بل هو قاض عراقي عادي يتمتع بخبرة قانونية طويلة، ولكن إدارة بوش منعت إدارة التحالف من اتخاذ أي إجراء بحق الصدر·
وفي السابع من أبريل 2004 وقعت 19 شخصية من المثقفين العراقيين من السنة والشيعة على رسالة موجهة الى الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، أثنت فيها "على قرار قوات التحالف بضبط وإزالة الخلايا الهدامة والمعادية للقانون والنظام، ولكن كان من الأفضل لو تم إلقاء القبض على هذه القوى قبل الأحداث الأخيرة فهذا هو السبيل الوحيد للتعامل مع الاحتجاجات العنيفة التي تجلب الأذى لبلادنا ولإقامة الديمقراطية"·
إن سبيل الديمقراطية ليس سهلا، ونجاح العراق يخلق أزمة لفلول نظام صدام وللدول غير الديمقراطية المجاورة للعراق كسورية والمملكة العربية السعودية وإيران والمجموعات العراقية التابعة لها وتتلقى التمويل والتسليح والتدريب منها، ولكن إذا كان من درس يستفاد من صعود الصدر وأفوله العنيف، فهو عدم الاستهانة بأي تحد أو تجاهله، بل يجب التصدي للتحديات التي نواجهها دفاعا عن الحرية والديمقراطية·
ü باحث في "مؤسسة أميركان إنتربرايز انستيتيوت" وعمل مستشارا سابقا للحاكم المدني في العراق بول بريمر·
" عن National Revew Online "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com