رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 10 صفر 1425هـ - 31 مارس 2004
العدد 1621

وتــد

من يوقف قاسم؟!

 

نشمي مهنا

فعلا، هو يقود الوعول من قرونها الى صدره، هذا الجبل الأسمر الناعم· لا ارتطامات فوق أضلاعه، ولا صخب مفتعلا، سوى وجع عميق، أو هو حزن واع، مرتّب، عمودي، قدريّ وملائكي يفضحه بريق عينيه اللامعتين بالحسرة·

لقاسم نكهة الغموض وألق الدهشة·

هذا المفتون بنداء الغابات المنسية مترادفة المساءات، موهوب مجبول بالشعر وبالمرأة القرينة؛ توأم روحه؛ ملح سهره ونهاراته، أو هي نصفه وتتمة القصيدة الغائبة في ذهنه·

لكن·· لحظة

لن يهدأ قاسم لأن القلق رفيقه وسمته الأصيلة·

إذن·· سأنقلب على ما كتبت·

لأقول إن بيت القصيد لن يرضيه، ودفء العائلة رائع·· وناقص·

- في البيت الأول: بعد أن تهدأ أنفاسه وتبرد شراراته، يتأمل الجدران الباردة، و·· يفرّ منها·

- وبيت العائلة: رائع لاكتمال لوحة الحلم بلثغة الحفيدة، وناقص لانشداه قاسم وراء الجديد المتعب والعصي·

ألم يقل ذات إصدار، وبمرارة: "ليس بهذا الشكل ولا بشكل آخر"؟ إذن ماذا يريد من الشعر والكتابة ومن نفسه ومنا هذا الأسمر فارع الشراهة؟!

أحلى ما في قاسم حداد أنه كائن حالم ناقص أيضا ودوما، ويظل كذلك· يعرف أنه لم يصل بعد الى نقطة النهاية لأنه لا يطمئن لظل الخاتمة، فرِح بلهاثه وتقطّعِ أنفاسه·· وراء نص بعيد، أو باستعارة عنوان صديقنا يوسف رزوقة "الذئب في العبارة" نقول قاسم هو الذئب نفسه يراوغ عباراته الشعرية وقاموسه ومجازاته وتراكيبه وصوره، يفترسها في حاضر غابة ورقية، ويفر منها الى غد غابة ليلية أخرى·· هناك·

ألم تذكّرنا هذه الرغبة الكتابية المحمومة، بذاك المغامر متسلق الجبال، حينما أحيط بأسئلة أصدقائه الاستنكارية بعد وصوله الى قمة أعلى جبال الهيمالايا "وماذا تريد بعد·· ماذا هناك؟!" فيرد بكل طلاقة روح: بقي·· الـ "هناك"·

كلاهما فضاء: الكتابة وتسلق الجبال، وكلاهما مغامرة شاهقة، وإن أودت بصاحبها·

يقول قاسم حداد في نص "شك الشمس" عندما كان يحاول "علاج المسافة":

"عندما تكون على مشارف الخمسين

بعد خمسة عشر كتابا وأسرتين وأحفاد وشيكين وجسد معطوب وزنازن كثيرة ونصوص ملطخة بحبر القلب ومخطوطات خمس في خزانة الروح وأصدقاء يهددونك بالفقد وليال محتدمة بالكوابيس ومشاريع قيد الخرافة وأنت لا تكاد تطمئن لما بعد الغد

كيف يتسنى لك أن تكون محسوبا على البشر دون أن تصاب باليأس"·

شخصيا، لا أصدق صفحة الماء البسيطة هذه، واليائسة التي يعرضها النص، وما تحمله من ظلال لرجل متعب· حجتي، أن مجرد اقتحام قاسم لكهف الزمن هنا، ورميه لتساؤلات عدمية، وعبثه بأشباح العمر، هو دليل كاف على تكسيره - في الوقت نفسه - لهيبة "الخمسين" أو مجهول ما بعدها·

مثل هذا النص الخائف هو حقن في أوردة الروح والجسد ضد الخوف·

مثل هذا النص الخائف هو حيلة ذهنية لنزع فتائل الخوف·

لماذا نطيل؟

فقاسم يعني بياض البدايات، وكل معاني الاستنفار الجميلة والمحرّضة· هو فزَعٌ متواصل، حذَرٌ، تلفتٌ، ترقبٌ، واستشعار لخطر داهم وقريب، ويعني أولا··· أنه قاسم·

 

nashmi@taleea.com  

طباعة  

بعد افتتاح www.jehat.com بشكله الجديد
قاسم حداد يفتح الشعر العربي المعاصر على "جهات" خمس

 
أمسية
 
قضية
 
تشكيل
 
كتابة