بالشعر وبعزف محمد·· كسر شاهد "قبره"

من الأمسية الشعرية
تميزت أيام البحرين الثقافية بنشاط آخر مغاير ومختلف في أجوائه ومضمونه، حيث نظم مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث أمسية شعرية موسيقية (يوم الثلاثاء 23 مارس) أقامها الشاعر قاسم حداد وابنه الموسيقي المبدع محمد حداد وقدمهما في الأمسية الشاعر والإعلامي حسن كمال بكلمات جاءت منسجمة مع الجو الشعري الذي لون مساء المحرّق تلك الليلة وملأ البيت التراثي القديم بطيوف من سحر الكلمات والإضاءات الخافتة·
قاسم × محمد·· تبادل المواقع
بدا الشاعر قاسم حداد تلك الليلة خبيرا بـ"دوزنه" الأوتار مصغيا برهافة حس لحركة الريشة بيد العازف محمد، لم تطغ نبرة حرفه على النغم ولم تخفت أيضا·
قرأ الشاعر مجموعة من النصوص، بدأها بـ "مثلما يفعل الله·· من دون قصد" يذهب الشاعر في هذا النص الى لحظة عابرة غمرته في ضوئها على غفلة حتى لا يكاد يتلمس حقيقتها، محاولا استرجاع صورها في مخيلته التي أضاعت زمانها والمكان·
يظل يحاول الشاعر تصوير لحظته تلك الهاربة والمتسربة بين أصابعه كالماء، بلا يقين سوى أنها جاءت "من دون قصد":
كان ذلك ليل انتبهت بأن الفراديس
ليست سوى خبط عشواء
تفتح أحضانها دون قصد
وتلثم بالورد في وجنتي لكي تترك الجمر مستيقظا
دون قصد
وتنتخب النار في عتمة القلب من دون قصد
وتمنحني النزهة المشتهاة لأغمس في عسل الله
أقلامي النبوية
من دون قصد
وفي ما تبقى من الوقت
تذهب مثل الأساطير من دون قصد
باكتمال النص ومعناه، يبدأ محمد حداد بحديث الوتر، الهادئ والحزين، مترجما أنفاس القصائد القادمة لا النص وحده، أو قارئا لها بلغة أخرى·
في "قُلْ هو الحب" يوصي قاسم ويؤكد وصاياه على الحب فقط، يكرر فعل الأمر كدعوة لحوحة من عاشق جرَّب جنّاته وأراد فتح مآدبه لمحبيه:
قل هو الحب
هواءٌ سيد، وزجاج يفضح الروح وترتيل يمامْ
قل هو الحب
ولا تصغي لغير القلب،
لا تأخذك الغفلة،
لا ينتابك الخوف على ماء الكلام·
قُلْ لهم في برهة
بين كتاب الله والشهوة
تنساب وصاياك
وينهال سديم الخلق في نار الخيام
قُلْ لهم
فيما ينامون على أحلامهم،
·····
بعد الأمر الشعري والنصيحة والوصايا الحكيمة في العشق، يتآمر محمد مع/ بعد كلمات أبيه بتحريك الوتر السابع بقلوب مستمعيه المحلقة في سقف بيت آل خليفة المسكون ذاك المساء بلغة الشعر·
في "انتحارات" يعود قاسم الى لوعة الفقد، بتساؤلات لا تحتمل ولا ينتظر هو لها إجابات، كل ما يريده أن تظل مفتوحة على الجرح، وبقايا أيامه، ووحدته، وفراغ أماكنه الساكنة بعد الغياب المفاجئ لوجوه الأصدقاء الحميمين:
أيها الأصدقاء الوحيدون في صمتهم،
لماذا ذهبتم بمنعطف فادح
ولكم عندنا العاشقات واللواتي يطرن لكم شهوة
ويغسلن بالرغبات الحميمة أجسادكم
لدينا لكم - لو تريثتم - نزهة في الهزيع النزيه من النص، كي تأخذوا آخر الأوسمة، فكل انتصاراتكم عبث عارم وكل احتمالاتنا مظلمة·
لماذا تظنون أنّا قرأنا لكم سأما
وتنتحرون·
يفرغ قاسم لأصدقائه كل ما في يديه من الإغراءات الممكنة علهم يعودون من غياباتهم·· ثم يكمل محمد نداءات من وتره كالبكائيات·
أجاد الشاعر حداد وأبدع الموسيقى حداد، وأثّرا، لكن للغياب صرامته·
الخطاطون وتسع مرايا
"في الأقداح المعبوبة حتى الثمالة" أو الأقداح الفارغة في حضرة المرأة / البلاد، يرتل قاسم مراثيه وعتابه الحارق بقلب الأرض، أرض بالغت في هجرتها إلى الصحراء وهي على "سيف" بحرين من الحب:
بيني وبينك وردة التأويل
فانهالي قليلا قبل أن نبكي
نؤثث ليلنا الثاني بما يبقى من النسيان
نفتح للجحيم فراشة مشبوقة
ونؤجج الرؤيا لكي نهتاج
في الباقي من الخمر القديم
من المرايا وهي تبتكر الكلام
لتنتخب أقداحَنا
وتهزنا في هودج الفرسان
يا بيني وبينك جنة المعنى
وقلب العاشقين
وشهوة النص الجميل
لكي نقول عذابنا الفتان
الموسيقى الداخلية في نص "عن ليلى" قدمها محمد حداد بترانيم هادئة قبل قراءتها، فجاءت القراءة كالعزف، خصوصا وأن النص مسترسل في السرد ووصف لحالة وله·
وفي تجليات روحية في نص "خطاطون" يصف قاسم حالة السلب التي يتعرض لها جسده على يد "التسعة"، بينما روحه تتفرج وتبتهج:
يهب الخطاطون
يلوبون بتسع مرايا موغلةٍ في السرِّ،
يفضون الختمَ عن الأبواب التسعةِ
في أشلاء خائفةٍ،
وكلام الله يُزيِّنُ بالأسماء زجاج المشكاة ويحرُسُها·
يلقي قاسم الفقرة الأولى من "حصتنا في النساء" لتتدخل أصابع العازف مشاركة في الحصة:
تزوجنا لأجلها خطوات النهر
وسمينا أحجاره المصقولة حرير العمل
تزوجنا عشيقاتنا قبل أوانهن
وبذرنا في فاكهتهن الفجة أجمل الأجنة
نص طويل مفتوح على احتمالات العشق في أصعب حالات امتحانه، مختلطا بالعرق والدم والكدح ويأس الأرض أو اليأس منها·
تأويل الـ "صالح"
كان "سديم الفلك" أدفأ النصوص المنتقاة في الأمسية وأكثرها حميمية وهو المهدى الى مبدع جميل وعذب وقريب من روح الشاعر هو أمين صالح:
·· رائيا،
يا قرين المرايا التي تصقل النص
هل قلت حلما لمن يجهلكْ
التزم الشاعر قافية ساكنة، كانت سدا جميلا لعاطفة جياشة تسأل وجه صالح عن سر إضاءاته في ليل الصداقات:
غريبٌ، ووحدكُ،
وحشُ الأقاصي أليفٌ على ضفتيك
وتسعى إليك التأويلُ
سبحان من أوَّلكْ
نص لغَّمه قاسم بالصور الفنية وبالمفردات المستلة من قاموسه وبالفكرة والتخييل لينجو من طوفان العاطفة:
فمن، بالعناصر، أغراك
من خصني بالجواشن،
بالأبجدية كاملة،
بالنهايات تبدأُ،
بالنصِ والشخصِ
ليت الذي صاغني من جهنمَ
يطفئني بالجحيم
لكي يُخطئ الموت عنوانَه
ليت لي/ ليس لكْ
ثم يعرض الشاعر شريطا قصيرا من سيرته في نص "حدادون"، وفي نص "فهدا·· فهدا" وبعد عزف وغناء محمد لعبارة من النص ينصب الشاعر محاكمة يدين بها من امتدت أيديهم الى سور بلده، وبكل وضوح يطالب بالليل المسروق وهدوء المدينة ونداوة مساءاتها·
وختم الشاعر قاسم حداد بمرافقة محمد الأمسية بنصي "صلاة ليست له" و"بقايانا"·
لاقت الأمسية استحسانا كبيرا من الحضور، فلقاسم مكانته في شعرنا العربي المعاصر، وبشعره سر غامض من مجازات لها بصمة واحدة لا يشابهه فيها أحد وقاموس غير مشاع، وتراكيب وانثيالات من صور - وإن باقتصاد - دافئة وغنية كأنما تتدفق من بئر سرية·
لذا فلا غرابة أن تخرج شاعرة إسبانية مثل بيلين خواريس من أمسية الشعر والموسيقى تلك مفتونة أو كالمسحورة·· كما قالت لي·· فكلنا كنا كذلك·