رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 3 صفر 1425هـ - 24 مارس 2004
العدد 1620

المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب كان له دور مهم في إحداث حركة ثقافية جادة في الكويت
ثقافة الشباب ومستقبلها·· التجـربة الكويتية

                                                                                     

 

 ·         الكويت من المجتمعات العربية النادرة التي يحتل فيها الشباب أماكن قيادية متقدمة

·         الكويت لم تشهد في أي فترة من فتراتها حجرا على الأفكار أو تطويعها لأجل خدمة نظام أو غرض رسمي

·         لا بد من الإعداد المبكر للشباب كي يكونوا ذوي مهارات تفيد بلدانهم

·         الشباب الكويتي يمثل %60 من قوة المجتمع

·         الثقافة هي الوسيلة التي تنمي الشباب فهي لا تزودهم بالمهارات فحسب بل تزرع فيهم القيم الإنسانية

·         مجلة العربي كانت اللبنة الأولى في المشروع الثقافي الكويتي وشاركت فيها أقلام وعقول المفكرين والمبدعين العرب

·         مطلوب الاهتمام بثقافة الشباب لأنهم أكثر عناصر المجتمع عرضة للغزو الثقافي ومخاوف العولمة

 

                               

 

أ· د· سليمان ابراهيم العسكري

رئيس تحرير مجلة العربي

علينا أن نعترف أننا نعيش في عالم يصغر يوماً بعد يوم، فعلي الرغم من تراكم عشرات السنوات الجيولوجية، فإننا نلاحظ أن شباب هذا العالم يواصل التقدم ليحتل المواقع القيادية في وقت مبكر نسبياً من أعمارهم· لقد اختلف العالم الذي كان يعيش على حكمة القدماء إلى عالم تتدافع فيه التطورات والثورات العلمية إلى حد مذهل، بحيث أصبحت البشرية أشبه بطفل صغير يقف على حافة محيط ممتد من التطبيقات العلمية التي تعطينا الأمل بأن هناك إمكانية ليس في السيطرة على قوى الطبيعة التي تحيط بنا فحسب، وإنما أىضاً في قدرة أجسادنا على التفاعل مع قوى هذه الطبيعة·

فشباب العالم، الذي وقف طويلاً يراقب الأحداث المتعاقبة، أصبح مشاركاً في تلك الثورات المتوالية التي نشهدها الآن، فمن ثورة الكم التي جعلتنا نفهم المادة التي تحيط بنا وفتحت الباب للتحكم فيها إلى ثورة الكومبيوتر التي حولت الآلة من شريك للإنسان في جهده العضلي إلى مشارك له في جهده العقلي والفكري، إلى ثورة الجينات التي أمدتنا للمرة الأولى بخريطة مفصلة لدليل تشغيل الكائن البشري، كل هذه التطورات المتسارعة دفعت بالشباب، بعقولهم المرنة وقدرتهم على تقبل التغيير، إلي مواقع متقدمة من النقاط الحساسة في هذا العالم، فلم يعد هناك رياضيون في سن أصغر أو علماء ومفكرون في سن الشباب، ولكن برز أيضاً عدد من قادة الدول المهمة وهم مازالوا في طور الشباب·

الحديث عن الشباب إذاً هو حديث عن المستقبل وعن عالم الغد الذي نريد أن يكون لنا مكان فيه، فالثروة الحقيقية للأمم لم تعد تقاس بما تمثله من موارد طبيعية فحسب، وإنما أيضاً بمعارف ومهارات أفرادها، ولن يتأتى هذا إلا بالإعداد المبكر لهؤلاء الشباب·

عندما نتحدث عن الشباب في الكويت، فإننا نتحدث عن نحو 60 في المئة من قوة هذا المجتمع، ولا يقتصر الأمر على من تراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والخامسة والعشرين، أي الذين مازالوا في المراحل التعليمية المختلفة، ولكنه يمتد إلى الكثير من قطاعات المجتمع الكويتي التي يقوم فيها الشباب بدور رئيسي فاعل، ويمكن القول إن الكويت من المجتمعات العربية النادرة التي يحتل فيها الشباب أماكن قيادية متقدمة، إذ إن من يتأمل واقع الإدارة الكويتية سوف يدهشه هذا العدد من الرجال والنساء الصغار في السن، والذين يتولون الكثير من المناصب القيادية والإشرافية، وهي في ذلك قد تأثرت برياح التغيير التي عاشها العالم اليوم·

وقد عرف المجتمع الكويتي على الرغم من صغره بانفتاحه على العالم وتقبّله لكل ما فيه من أفكار إيجابية ولعل البحر الذي كان طريق الأجداد الأوائل كان هو أيضاً وسيلتهم للاتصال بالعالم - الأمر الذي جعلهم أكثر انفتاحاً وقبولاً لكل مافيه من أفكار وتجارب مختلفة، وقد ظلت روح الانفتاح والتسامح سائدة في هذا المجتمع حتى بداية الطفرة النفطية، مع أن الكويت شهدت تغيرات سريعة ومتوالية في كل المجالات·

إن الشباب الكويتي هو رصيد المستقبل الذي لاينفد، وهو الذي سيبقى بعد أن تتبدد كل الثروات الطبيعية، فهو ليس ثروة موقتة، ولكنها متجددة مادامت تزود بالمعارف والمهارات اللازمة، على أن الأمر الذي علينا أن نواجهه هو كيف نحوّل هذه الطاقة من الشباب الى ثروة حقيقية بدلاً من أن يكونوا عبئاً استهلاكياً يستنزف كل إمكانات المستقبل، علماً أن الثقافة هي الوسيلة الوحيدة لإنماء هذه الثروة، فهي لا تزودهم بأدوات المعرفة والمهارات الضرورية فحسب، وإنما تزرع في داخلهم أيضاً القيم الإنسانية والتقاليد التي يسير على هديها المجتمع الذي يعيشون فيه، وثقافة الشباب هي عملية مركبة تتداخل فيها قيم المجتمع وعاداته مع المؤثرات الأخرى التي يكتسبها الشباب من خلال العملية التعليمية وباقي المؤسسات المختلفة ويمكن إلقاء الضوء على أهمية هذه الثقافة  والدور الذي تقوم به من خلال الأسباب التي يمكن إيجازها في المحاور التالية:

- ثقافة الشباب: الأهمية والمأزق·

- ثقافة الشباب: تطور تاريخي·

- ثقافة الشباب: مصاعب وتحديات·

- ثقافة الشباب: خطة مستقبلية·

 

ثقافة الشباب: الأهمية والمأزق

 

تواجه الثقافة العربية مأزقاً كبيراً وهي تقف في وجه تيارات العولمة التي توشك أن تقتلعها من جذورها، وعلى الرغم من أن الثقافة العربية قديمة تستمد جذورها من جزيرة العرب ومن الإسلام الذي حوّل أبجديتها إلى لغة عالمية، وأكسب مفرداتها نوعاً من القدسية، أقول على الرغم من ذلك، فإن هذه الثقافة لم تتطور بالصورة المطلوبة، ولم تستطع التخلص من بعض آفات القبلية التي تحيق بها، ومن المؤكد أن الثقافة العربية - شأنها شأن أي ثقافة إنسانية أخرى - تسعى بدافع فطري إلى الحفاظ على هويتها، وإلى اكتساب خصوصية تميّزها عن غيرها من الثقافات، وهذا ما يجعل الذين ينتمون إليها يتمسكون بها حتى في لحظات الهبوط والانحدار، لأنهاتصبح جزءاً من كيانهم الإنساني، ويصبح الغرض من الحفاظ عليها جزءاً من المحافظة علي الذات والرغبة في البقاء· ومن هنا تأتي المخاوف من رياح العولمة، وخاصة في مجال الثقافة التي تعني لدى البعض "هيمنة" ثقافة عالمية عاتية تملك من وسائل الإبهار ما يؤهلها للتفوق على ثقافة محلية لا تزال تحمل على أكتافها أثقال الماضي، فيما يرى البعض الآخر أن كل إمكانات العولمة الثقافية الحديثة سوف تظل مسطحة أمام مفهوم الثقافة بمعناها المتكامل، وأن التنوع الثقافي سوف يبقى حقيقة ماثلة ما بقي التنوع البشري:

من هنا تأتي ضرورة الاهتمام بثقافة الشباب بوصفهم أكثر عناصر المجتمع عرضة لهذا الصراع الثقافي، فهم الفئة الأكثر تعاملاً مع أجهزة الكمبيوتر والدخول في تلافيف  شبكة "الإنترنت" العنكبوتية، كما أنهم أكثر من يتابع البرامج التي تبثها المحطات الفضائية، وهم في الوقت نفسه الأقل معرفة بالتراث العربي بما يحتوي من قيم ومعارف· لذا فهم الأكثر عرضة لإغراءات الغزو الثقافي، وتتمثل أهمية تثقيف الشباب في مايلي:

- إن العملية الثقافية هي السبيل الوحيد الذي يمكن أن يستقي منه الشباب منظومة القيم التي يؤمن بها ويعيشون على هديها· وتؤدي القيم دوراً محورياً في تشكيل وتوجيه سلوك الإنسان في المجتمع الكويتي· فالفرد ينتمي لمجتمع تسيطر عليه أعراف وتقاليد ومعايير تعمل بمنزلة الشبكة التي تحيط بحركته، ولا يحدث التوافق بين الفرد والمجتمع الا عندما يؤمن بالقيم نفسها التي يؤمن بها هذا المجتمع، وقد تميز المجتمع الكويتي منذ بدايته بروح التكافل والتضامن بين أفراده، وكذلك بالاهتمام بالآخرين وتقبل آرائهم بدرجة كبيرة·

- إن الثقافة هي البوابة الرئيسية للمعرفة المتخصصة، ولا يستطيع أي شاب التقدم في أي مجال من المجالات المعرفية أو المهنية التي تستلزم تخصصاً دقيقاً دون أن يكون لديه نوع من الغطاء الثقافي الذي يزيد من قدراته على تلقي المعرفة ، كما أنها تعطيه نوعاً من الحماية الذاتية وهو يواجه ثقافات وحضارات أخرى أكثر تفوقاً· ومن دون هذا الغطاء أو الحماية الثقافية يجد الشاب نفسه أمام تصورات مختلفة ومتباينة عما ألفه من قبل، وتأتي التصورات الجديدة ببعض من الخلل وعدم التوازن الوجداني والثقافي، مما يجعل الشاب أسير ازدواجية بين أطراف تؤمن بأنها قادرة على مواجهة تطورات العالم الحديث، وأطراف أخرى تؤمن بأنها لا تملك ما يحميها من زاد ثقافي، وأنها على وشك التهميش وسط هذا العالم الجديد·

- تعرض الشباب في الكويت لهزة عنيفة في صبيحة الثاني من آب / أغسطس 1990 عندما واجهت بلادهم غزوا مفاجئاً من الجار والشقيق العربي الذي كانوا يأمنون جانبه ويدافعون عن قضاياه، والذين كانوا أطفالا في هذه الفترة مازالوا يعيشون آثار هذه الصدمة حتى بعد أن أصبحوا شباباً، فقد انهار في هذا اليوم المشؤوم كثير من قيم الأخوة والتضامن و الإحساس بالروح القومية والثقافة هنا بما تحمل في داخلها من جوهر للعلاقات التاريخية والإنسانية المشتركة هي الكفيلة بإنقاذ الشباب الكويتي من هذا التناقض العربي، وهي السبيل لإفهامه بأن ما حدث كان أمراً عارضاً مرتبطاً بنظام قمعي معاد للقيم ومتنكر لكل معاني الأخوّة، كما أن الثقافة كفيلة بربط الشباب الكويتي بتيار الحضارة العربية المتدفق وزيادة الانتماء إليه بوصفه القاعدة الرئيسية، بينما ما حدث في آب/أغسطس 1990 كان هو الاستثناء·

 

ثقافة الشباب في الكويت: تطور تاريخي

 

لقد كان التطور الثقافي في الكويت سريعاً مقارنة بعدد من الدول العربية، وربما العالمية أيضاً، فقد اختُصرت عقود طويلة من التطور في سنوات قليلة، ونضج كثير من المشروعات الثقافية بعد فترة قصيرة نسبياً من نشأتها، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى روح الديموقراطية والحرية التي تمتع بها هذا المجتمع الى حد كبير، فالإبداع الثقافي هو ضد الحرية، ولم تشهد الكويت في أي فترة من فتراتها حجراً على الأفكار أو محاولة لتطويعها من أجل خدمة نظام أو غرض رسمي، وقد ساهمت كثير من العناصر في هذا التطور لثقافة الشباب في الكويت أهمها:

- ربط العملية التعليمية بالثقافة: كانت الكويت تستعد عام 1956 لإرسال أول بعثة خارجية مكوّنة من الفتيات وكانت هذه أول بعثة رسمية تزمع القيام بها دولة خليجية من أجل إرسال فتياتها للخارج، وقد أحدث هذا هزَة كبيرة في المجتمع حتى أن أحد الآباء جاء لمقابلة الاستاذ عبد العزيز حسين الذي كان مديراً لإدارة المعارف في وقتها يستشيره عن مدى تقبل المجتمع لهذه الخطوة، وما قد تتعرض له الطالبات من خطورة ·· ولم يستغرق لقاؤه معه سوى دقائق اقتنع بعدها بالموافقة على إرسال ابنته، وذلك بعد أن وجّه له مدير المعارف السؤال التالي: "ألم تربّوا بناتكم تربية سليمة تحفظهم من الذلل؟"· فقال: بلى· فقال "إذاً لا خوف عليهن"· عندها قال والد الطالبة المفوض من آباء باقي الطالبات "إذاً على بركة الله"·

على الرغم من أن المدرسة الأولى في الكويت أنشئت عام 1912 تحت اسم المدرسة المباركية، وتلتها بعد ذلك بعشر سنوات المدرسة الأحمدية، فإن البنية الأساسية للتعليم لم تبدأ خطواتها المتسارعة إلا في عام 1936 عندما أنشئت إدارة المعارف التي تحوّلت في مابعد إلى وزارة للتربية، وقد نقلت هذه الخطوة التعليم من الجهود الشعبية التطوعية الى مسؤولية الدولة التي فرضت أول ضريبة من أجل التعليم، واستقدمت مجموعات من المدرسين من البلاد العربية، ووضعت الكثير من المناهج الجديدة، ولكن الخمسينات كانت بحق سنوات التفتح، فقد شهدت هذه الحقبة ثورة تعليمية حقيقية جسدت رغبة الكويت في اللحاق بالعصر الذي تعيش فيه، وكان أهم أهداف هذه الثورة، مجانية التعليم، والتوسع في تعليم البنات، والتوسع في إرسال البعثات الى الخارج، وتعميم رياض الأطفال، والاهتمام بالمدرسين والمدرسات، وربط التعليم بالثقافة·

وتحقيقاً لهذا الهدف الأخير حدث نشاط كبير في إنشاء المكتبات العامة والمدرسية، كما شُهد أيضاً قيام الكثير من المؤسسات التي كان لها أبلغ الأثر في تطور الحركة الثقافية داخل الكويت، مثل دائرة المطبوعات (عام 1955) التي أصبحت فيما بعد وزارة الإعلام·

وقد اضطلعت الى جانب دورها الإعلامي بدور آخر هو تحقيق التراث العربي، ونشرت بالفعل عدداً من الدراسات الحضارية واللغوية، وكان لإدارة المعارف التي كان يرأسها آنذاك واحد من رواد التنوير الثقافي الكويتي، هو الاستاذ عبد العزيز حسين الذي كان يعمل تحت قيادة متفتحة تمثلت في أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم الصباح ورئيس دائرة المعارف الشيخ عبدالله الجابر الصباح، دور كبير في تخريج جيل من الشباب على قدر كبير من الثقافة، إذ كان يؤمن بتلك العلاقة الوثيقة التي تربط التعليم بالثقافة باعتبار أن العملية التعليمية لن تستطيع وحدها إحداث التطور اللازم في المجتمع· لذا ركزت إدارته على نشر الثقافة جنباً الى جنب مع حركة التعليم، فأدخلت المسرح المدرسي ودروس الموسيقى والفنون التشكيلية الى كل مدارس الكويت·

ومنذ بداية عام 1955 بدأت إدارة المعارف بتنظيم موسم ثقافي سنوي كانت تُدعى اليه نخبة من مفكري الوطن العربي لإلقاء المحاضرات في موضوعات مختلفة، وكانت هذه أول حركة ثقافة منتظمة خلفت نوعاً من التفاعل الحي بين الكويت ومحيطها، كما أنها عرفت أهل الكويت بالتيارات الفكرية المختلفة التي تموج في العالم العربي، وعرفت هؤلاء الكتاب والمفكرين العرب بالكويت، وساهمت في إقامة صلة مباشرة معهم·

امتدت رعاية الدولة للمتعلمين من أبنائها حتي خارج حدود الوطن، فأنشأت سلسلة من البيوت التي كان يجتمع فيها الطلاب، وكان أول هذه البيوت بيت الكويت في القاهرة الذي أنشئ عام 1945 لرعاية الطلاب وشؤونهم، وتحول في مابعد إلى سفارة لدولة الكويت بعد إعلان الاستقلال· وقد أدى هذا البيت دوراً كبيراً في تجميع الطلاب الكويتيين حول الأنشطة الثقافية، وأصدر البيت أيضاً مجلة "البعثة" لتجمع على صفحاتها كل ما يبدعه هؤلاء الطلاب من مواهب أدبية، وكانت المجلة بحق لسان حال طليعة من الطلبة الكويتيين الذي تولوا مناصب إدارية كبرى في بلادهم في ما بعد، وتعد محتويات مجلة البعثة مزيجاً من التوازن الواضح بين الانتماء الكويتي والاهتمام الخليجي والإطار القومي والعربي، وأعتقد أن صدور هذه المجلة وانتظامها بهذا الشكل هو الذي مهد لصدور مجلة العربي عام 1958 لتكون معبرة عن الرابطة القوية التي تربط الكويت بعالمها العربي الذي كان يسعى في حينه الى استقلاله والبحث عن  هويته·

 

المجلس الوطني وثقافة الشباب:

 

كان ميلاد مجلة العربي هو اللبنة الأولى في المشروع الثقافي الكويتي الذي نشأ على أرضها، وشاركت فيها أقلام وعقول كثير من المفكرين والمبدعين العرب، وقد أدركت الكويت من خلال هذه التجربة أنه يمكنها أن تؤدي دوراً وتحتل حجماً أكبر من الذي تفرضه عليها ضرورات الجغرافيا· فقد ربطت الكويت نفسها بالتيار الذي ينادي بدعم المد القومي والعمل على مناصرة كل قوى التقدم والعروبة في ذلك الوقت، وكانت تؤمن أن الرئة العربية هي خير رئة تستطيع التنفس بها، لذا تطور مشروع المجلة الوحيدة ليصبح مشروعاً ثقافياً متكامل الأركان يحمل اسم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب· وكان من أهم أهدافه العناية بشؤون الثقافة والفنون والآداب· وقد تم التخطيط للمجلة بوضع سياسة ثقافية طويلة المدى، مستندة الى دراسات مستفيضة لاحتياجات البلاد الثقافية، وإلى مسح للواقع الثقافي والفني، وكذلك إصدار المؤلفات والمعاجم والفهارس، وتجميع الوثائق، والإسهام في نشر الإنتاج الفكري الجيد المبتكر والمترجم، والاهتمام بالتبادل الثقافي، والمشاركة في المعارض والمؤتمرات والمهرجانات والندوات الثقافية والفنية· وحدد المرسوم الذي صدر بإنشاء المجلس آلية لرعاية الإنتاج الأدبي والفني عن طريق إنشاء جوائز تمنح لأحسن إنتاج محلي في الثقافة والفنون والآداب، وكذلك إنشاء جوائز خاصة باسم الكويت تمنحه عن إنتاج عربي ممتاز، وأخرى تمنحه عن إنتاج عالمي يسهم في تقدم الحضارة الإنسانية ويكون متصلاً بالكويت والوطن العربي·

لا يمكن الإفاضة هنا في الإنجازات التي حققها هذا المجلس· فالدور الذي قام به في إحداث حركة ثقافية جادة في الكويت، وفي كثير من البلاد العربية، معروف ومحسوس، وسعى المجلس منذ أعوامه الأولى الى سد الفراغات التي ظهرت على الساحة الثقافية العربية، وأهمها غياب السلاسل الثقافية، والمجلات المتخصصة ذات المستوى الفكري الجيد، وسلاسل كتب التراث المحققة· لذا، بدأ المجلس في إصدار سلسلة عالم المعرفة عام 1978· وهي تحتوي على سلسلة من الكتب المؤلفة والمترجمة تحاول أن تسد حاجة القارئ العربي إلى الكتاب الذي يجعله مواكباً للتطورات في مجالات المعرفة، اضافة لمجلة الثقافة العالمية التي تجمع أحدث ما نشر في المجلات العالمية من قضايا·

وعلى الرغم من الدور الكبير الذي اضطلع به المجلس على المستوى العربي، فإن هذا لم ينسه دوره المهم في دعم الإبداع والمبدعين الكويتيين في مختلف مجالات الثقافة والفنون والآداب· وقد أثر ذلك في  إبراز دور المبدعين الشباب في مختلف المجالات· وأخذ هذا الدعم كثيراً من الأشكال، منها شراء كميات من الكتب المؤلفة وتقديم مكافآت للتأليف، وذلك من خلال لجنة تشجيع المؤلفات المحلية· كما منح المجلس كثيراً من الجوائز للكتاب والفنانين الموهوبين عن طريق جائزة الدولة التشجيعية، بل وخصص المجلس جوائز خاصة لرعاية المبدعين من طلاب المدارس الثانوية· كما سن المجلس قانوناً لتفريغ الفنانين والمبدعين الشباب حتى يساعدهم على إتمام إبداعاتهم دون قلق من الأمور المادية· وقد خطا المجلس بهذا خطوة جديدة نحو الاهتمام برعاية ثقافة الشباب وصقل ملكاتهم الأدبية والفنية ومتابعة رعاية إنتاجهم الإبداعي في سنواتهم التالية· ويؤدي المجلس بذلك جزءاً أساسياً من مهماته القائمة على ضرورة التلاحم والتكامل بين المؤسسات الثقافية والتعليمية·

- التفاعل بين الخبرات العربية والكويتية: ساهم في تنمية المشروع الثقافي الكويتي عموماً ذلك التفاعل الخلاق الذي حدث بين الخبرات العربية والخبرات الكويتية، ولم يقتصر هذا التفاعل على مستوى باقي مؤسسات الدولة التي ساهم يها هؤلاء الخبراء بجهودهم على أرض الكويت، وإنما تم أيضاً عبر الحدود، وقد مثلت مجلة "العربي" منذ نشأتها ساحة لتلاقي كل الأفكار العربية دون أي حجب أو منع أو فرض وصاية عليها، وقد وفر مناخ الحرية الفكرية الذي يسود الكويت فرصة كبيرة لنمو هذه الأفكار، وجعل من "العربي" مجلة عابرة لكل الحدود العربية تحمل غرضاً ثقافياً وفكرياً يسمو على الخلافات السياسية الضيقة، وانعكس هذا التفاعل بطبيعة الحال على ثقافة الشباب في الكويت، وقد توجه عدد من البعثات العلمية الى عدد من الدول العربية الشقيقة، وتأثرت بما يدور فيها من تيارات فكرية، وإذا كان الأدب هو خير شاهد على التطور الفكري والاجتماعي الذي يعيشه أي مجتمع، فإن الأدب الكويتي هو الدليل الأمثل على ذلك الانفتاح الكويتي على وطنه العربي وارتباطه العضوي به·

 

ثقافة الشباب : مصاعب وتحديات

 

إن زيادة وعي الشباب بحاجتهم الى الثقافة يواجه الآن المزيد من المصاعب والتحديات، فهناك العديد من العوامل التي كانت سابقاً سبباً في زيادة الاهتمام بالثقافة غير موجودة الآن، كما أن التطورات التكنولوجية المعاصرة فرضت العديد من العوامل التي باعدت بين الشباب وبين الثقافة بمعناها الشامل والعميق· ولعل أهم المصاعب والتحديات هي:

- إهمال العلاقة بين العملية التعليمية والثقافة: ينتقد كثير من الباحثين الكويتيين ما حدث للعملية التعليمية في الكويت بعد التحرير، ويؤكدون أن تردي التعليم انعكس على الثقافة، حتى في أبسط أسسها في القراءة والتثقيف الذاتي وخلق الوعي السياسي المطلوب في هذه المرحلة المهمة من تاريخ الكويت، وربما كان هذا الانتقاد صحيحاً الى حد كبير، فالكويت مثل غيرها من البلاد العربية، تعيش حالة من التراجع الثقافي، ولعل الغزو العراقي للكويت قد كشف الغطاء عن حالة كثير من المثقفين العرب الذين وقعوا أسرى التردد والحيرة، واستيقظت في داخلهم خشيتهم من الديكتاتورية أكثر من شوقهم الى الديمقراطية· وقد ترتب على هذا التراجع أن الثقافة فقدت دورها في العملية التعليمية، واقتصرت مراحل التعليم المختلفة على تخريج "الموظفين" وليس المتعلمين، بمعناهم الحضاري الشامل· وتحول النشاط الثقافي، كالموسيقى والرسم والمسرح والقراءة، إلى أنشطة هامشية تخلو منها معظم المدارس·

- غلبة الثقافة الدينية السلفية: عرفت الكويت منذ نشأتها كثيراً من الأفكار والاتجاهات الثقافية والسياسية· وكان التيار السلفي في الكويت يحتل مساحة داخل المجتمع الكويتي· وهو نشط بشكل بارز في السنوات الأخيرة· ويعود نشاط هذا التيار المتزايد لهزيمة العرب في حزيران/يونيو 1967 وتراجع التجمعات والحركات القومية، ولكنها تدعمت أكثر وازدادت انتشاراً بعد تعرض الكويت للغزو عام 1990 عندما خلت الساحة السياسية من التنظيمات السياسية ذات الاتجاه القومي والليبرالي، وكذلك ضعف مؤسسات المجتمع المدني الحديث، مما أفسح المجال لهذه القوى أن تحتل مكانها البارز في الساحة الكويتية مدعومة ليس من السلطة السياسية فحسب، وإنما تتمتع أيضاً بدعم واسع من الشارع اللكويتي الذي أوصل عدداً كبيراً من قياداتها الى مقاعد مجلس الأمة الكويتي· وقد خطا هذا التيار خطوات واسعة داخل قطاعات الشباب الذين كانوا يفتقدون نوعاً من المثل العليا التي يطمحون إليها· وحققت الجماعات السلفية نجاحات كبيرة، واستولت على العديد من مؤسسات المجتمع المدني في جميع القطاعات العمالية والطلابية وقطاع المعلمين، وأصبحت جمعيات النفع العام وأماكن العبادة في المساجد واللجان الخيرية التي تغطي معظم مناطق الكويت مراكز ينشرون منها أفكارهم ويحشدون فيها المؤيدين والأنصار· وقد طرحت هذه التيارات العديد من القضايا غير  ذات أهمية معاصرة، وتسعى في مجملها الى تكريس وجودها والابتعاد عن الخوض في القضايا الكبرى التي تشغل بال الأجيال، مثل قضايا منع التعليم المختلط، ومنع الحفلات الغنائية، والفصل بين الجنسين في الجامعة، والشكوى من الفساد الذي تبثه المحطات الفضائية·

لا ننتقد هنا الثقافة الدينية، لأن الدين الإسلامي مقوم أساسي من مقومات أمتنا العربية· وهو جزء رئيسي من ثقافتنا، وتعاليمه الحنيفة تهدف إلى خير الإنسان وإرساء قيم التسامح والعدالة، ولكن الضار في الثقافة السلفية السائدة الآن أنها تنفي المصادر الأخرى للمعرفة، وترفض الآخرين، وتعطي نفسها الحق في محاسبتهم، بل وتحرض السلطة على محاكمة المثقفين، وهذا نشاهده على امتداد رقعة العالم العربي·

- ثقافة الشباب والتقنيات الحديثة: مع تطور أدوات الاتصال وانتشار الكمبيوتر أصبحت هذه التقنيات الحديثة تحتل حيزاً كبيراً من وقت الشباب الكويتي· ونظراً للوفرة المالية نسبياً، فقد سارعت معظم البيوت الكويتية لاقتناء العديد من هذه الوسائل، مما جعل البيت مزدحماً بأجهزة التلفزيون والكمبيوتر والفيديو وآلات التسجيل والهواتف المحمولة ومختلف الأجهزة الرقمية الحديثة· وقد احتلت هذه الأجهزة حيزاً كبيراً من وقت الشاب الكويتي، وهو الوقت الذي كان يُخصص جزء كبير منه للقراءة والمعرفة، فالثقافة التي تقدمها هذه الأجهزة بعيدة عن الثقافة بمفهوما العميق، كما أن استهلاك الشباب كل وقته مع شبكة "الإنترنت" لا طائل كبير منه، خاصة أن معظم هؤلاء الشباب لايجيدون اللغة الإنكليزية التي وجد بها معظم المواد التي تحفل بها تلك الشبكة·

 

ثقافة الشباب: خطة مستقبلية:

 

إن الشباب هم ثروة المستقبل، ويمثل افتقادهم للثقافة افتقاداً لكل قيم الولاء والانتماء لروح هذا المجتمع، وهو تهديد مباشر لنشاطه الروحي والأخلاقي· لذلك يجب أن نعد للمستقبل خطة طموحة للاهتمام بثقافة الشباب تكون معالمها الأساسية كما يلي:

- الاقتناع بأهمية تثقيف الشباب والدور المهم الذي يضطلعون به في عملية التنمية·

- أن يكون هناك نوع من التكامل بين وزارة التربية وأجهزة الثقافة، وكذلك مع كل الجهات التي تشرف على الشباب، بما في ذلك الأندية الرياضية، بحيث توضع خطة متكاملة للقيام بعملية التثقيف في كل هذه الأماكن·

- أن يتم رسم استراتيجية واضحة المعالم ومحددة بمهمة دفع العملية التثقيفية في مجالات العمل والفكر، وأن تقوم كل جهة بالدور المناط بها·

- الاستفادة من كل تجارب ثقافة الشباب في الدول الأخرى والانفتاح على كل التجارب العربية والدولية·

- أن توضع رؤية متقدمة لعملية التثقيف، بحيث يتم تعويد الشباب على معاني الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، لأن هذا هو الأساس لبناء مواطنين صالحين لصنع مستقبل مشترك مع شعوب العالم·

- الاهتمام بالثقافة العلمية والإدراك أن العلم هو أساس المستقبل، وتوفير كل المعلومات عن الثورات المتلاحقة التي يعيشها العالم، سواء كانت في مجال الطاقة أو الكمبيوتر أو الجينات·

- الاهتمام بالتراث العربي، واستخراج كل مافيه من معانٍِ إيجابية تدفع الشباب الى الانطلاق والعمل وتحمل المسؤولية وترسيخ انتمائهم الثقافي والوطني·

- الاهتمام بالثقافة الدينية ذات الطابع التنويري وتشجيع حوار أعمق وأشمل للعقيدة الإسلامية· على أن العمل من أجل ثقافة الشباب هو الاستثمار الأمثل والأجدى لبناء المستقبل، وهو التصحيح الوحيد لكل الأخطاء التي وقعت فيها كل الأجيال العربية السابقة·

 

مراجع البحث

 

(1) رؤى مستقبلية - ميتشيو كاكو - ترجمة د· سعد الدين خرفان · (عدد 270) - (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 2001)

(2) الكويت والتنمية الثقافية د· سليمان إبراهيم العسكري وأحمد حسن خضر - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - (الكويت : 1998)

(3) بحث "الثقافة في الكويت منذ الغزو - تقييم واستشراف  - د· عبدالملك التميمي·

(4) مقال "الكويت 2001: الثقافة العربية وتحديدات العولمة" - د·محمد عباس إبراهيم - مجلة شؤون اجتماعية - العدد 1999 - 61 ·

(5) بحث "نحو تفسير تربوي للظاهرة الإبداعية" - د· عبداللطيف حمود محمد - مجلة شؤون اجتماعية - العدد 1999 - 62 ·

(6) بحث "الجماعة السلفية في الكويت" - د· فلاح عبدالله المديرس - مجلة شؤون اجتماعية - العدد 1998. - 58

(7) مقال "ثورة المعلوماتية - موقعها ودلالاتها" - محمد سيد أحمد - مجلة العلوم الاجتماعية - مجلد - 26 العدد 1998 - 3 ·

طباعة