· عملاء المخابرات الأمريكية والبريطانية وضعوا اللمسات الأخيرة للمؤامرة في بيروت
· "سي· آي· إيه" أتلفت بعض وثائق الانقلاب ولا تزال تتحفظ على البعض الآخر
· العملية "تي·· بي· أجاكس" خلقت جيلا إيرانيا مناوئا للولايات المتحدة
· أولبرايت أول مسؤولة أمريكية تقترب من الاعتذار عن انقلاب 53
· أنصار مصدق أفشلوا الانقلاب لكن تراخيهم كان خطأ قاتلا
· ضعف شخصية الشاه وتردده·· أكبر العقبات التي واجهت التخطيط للمؤامرة
· دور مشين للصحافة الأمريكية في تشويه سمعة مصّدق تزييف الحقائق خدمة لأهداف الـ "سي· آي· إيه"
بقلم: جيمس رايزن
ظل الدور الأمريكي في الانقلاب العسكري الذي أطاح برئيس الوزراء الإيراني المنتخب وأعاد الشاه الى مقاليد السلطة مغيبا لقرابة خمسة عقود وموضوعا لنقاشات حادة في إيران فيما أحيط بصمت مطبق في الولايات المتحدة الأمريكية· ونتيجة لإحالة بعض المشاركين في الانقلاب الى التقاعد أو وفاتهم واحدا تلو الآخر لم يكشف عن التفاصيل الرئيسية لهذه العملية· وتزعم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن عددا من وثائق تلك العملية - والتي تعتبر أول إسقاط حكم ناجح تقوم به حكومة أجنبية - قد أتلفت·
غير أن نسخة من ملفات "الوكالة" السرية عن الانقلاب قد ظهرت كاشفة التفاصيل الخفية للمؤامرة التي هيأت الفرصة لقيام الثورة الإسلامية في عام 1979 ونشوء كراهية ومعاداة لأمريكا على مدى جيل كامل في إحدى أقوى دول الشرق الأوسط·
وتكشف الوثيقة السرية الدور المحوري الذي قام به المسؤولون في الاستخبارات البريطانية في البدء والتخطيط للانقلاب، كما تظهر المصالح المشتركة لكل من واشنطن ولندن في إبقاء السيطرة الغربية على النفط الإيراني·
وتظهر الوثائق السرية - التي كتبها العقل المدبر للانقلاب من "سي· آي· إيه" وحصلت عليها نيويورك تايمز - أن نجاح العملية اعتمد بشكل كبير على الحظ في حين تبين الوثيقة احتقار وكالة المخابرات المركزية شبه الكامل للرجل الذي منحته السلطة - الشاه محمد رضا بهلوي - وسخريتها منه معتبرة إياه مجرد جبان متذبذب وتسترجع للمرة الأولى الجهود المضنية لإغراء ومداهنة الشاه للمشاركة بدور في الانقلاب الذي دبرته "سي· آي· ايه" لصالحه·
العملية التي أطلق عليها اسم TP-AGAX كانت صورة معادة لسلسلة مؤامرات متتالية قامت بها الـ "سي آي أيه" لإثارة الانقلابات وزعزعة الحكومات خلال الحرب الباردة بما في ذلك الانقلاب الناجح في غواتيمالا عام 1954 والتدخل المأساوي في كوبا والذي عرف بعملية خليج الخنازير عام 1961 وأدت هذه العمليات في أكثر من مرة الى العداء نفسه طويل الأمد تجاه الولايات المتحدة تماما كما حدث في إيران·
وتقول الأحداث إن مسؤولي الوكالة المنسقين للانقلاب قد عملوا مباشرة مع ضباط الجيش الملكي الإيراني، وانتقوا بديلا لرئيس الوزراء وأرسلوا عددا من المبعوثين لدعم الشاه، ووجهوا حملة تفجيرات من قبل إيرانيين معارضين يتظاهرون بأنهم أعضاء في الحزب الشيوعي - ونشروا مقالات ورسوم كاريكاتورية في الصحف·
1000 صفحة من الوثائق
وطبقا للملفات السرية فإن الأحداث لم تجر طبقا للخطط شديدة الدقة المرسومة في تلك الليلة والتي يفترض فيها إطاحة رئيس الوزراء محمد مصدق وفعليا حافظ مسؤولو الـ "سي آي أيه" على اتزانهم في أثناء مغادرتهم البلاد حين سيطر عدد من الضباط الإيرانيين المجندين من قبل الوكالة وبدافع ذاتي على تظاهرة مؤيدة للشاه في طهران واستولوا على الحكومة·
وتكشف الملفات تحويل مسؤولي الوكالة مبلغ خمسة ملايين دولار لصالح إيران بعد يومين من الانقلاب، لمساعدة الحكومة التي قاموا بتنصيبها مقاليد السلطة على توحيد قواها·
وتم الكشف عن أبعاد الدور الأمريكي في الانقلاب بداية في إيران ولاحقا في مذكرات مسؤولين في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وغيرها من التقارير التي نشرت، غير أن الكثير من التفاصيل لاتزال طي الكتمان، وتعتبر الملفات السرية التي حصلت عليها هذه الصحيفة أول تقرير حكومي مفصل يكشف للجمهور عن الانقلاب·
لقد تباطأت الـ "سي آي أيه" في إتاحة الفرصة للاطلاع على الملفات عن إيران وكرس اثنان من المديرين فيها هما روبرت غيتس وجيمس وولسي وقتيهما لكشف النقاب عن الوثائق ذات الصلة بأعمال الوكالة السرية في البداية، بما في ذلك الانقلاب، غير أن الوكالة صرحت منذ ثلاث سنوات أن عددا من الوثائق ذات الصلة أتلفت في بداية الستينات·
وقال المتحدث باسمها إنه تم الاحتفاظ بما يقارب ألف صفحة من الوثائق المتعلقة بالانقلاب الى جانب الملفات السرية وتقارير عالمية نشرت لاحقا، وأضاف أن الوثائق المتلفة في بداية الستينات كانت عبارة عن مجرد نسخ وملفات عمل·
وصرح المؤرخ الرسمي لوزارة الخارجية أن مكتبه تسلم نسخة من الملفات منذ سبع سنوات ولكن قرار نشرها لم يتخذ بعد·
وحصلت هذه الصحيفة على الملفات السرية بالإضافة الى التقييمات العملية من قبل مخططي الانقلاب من قبل مسؤول سابق في الوكالة والذي احتفظ بنسخة منها·
في مارس عام 1954 قام الدكتور دونالد · ن· ويلبر المتخصص في فن العمارة الفارسية بكتابة هذه الوثائق والذي كان أحد المخططين الرئيسيين ومؤمنا بضرورة أخذ العبرة من التاريخ لتنفيذ هذه العمليات السرية·
دعم شعبي
ويؤكد الدكتور ويلبر في مذكراته المختصرة والتي نشرت في عام 1986 اختلاف الانقلاب في إيران عن محاولات الـ "سي آي أيه" اللاحقة، فقد أثار مخططوه الأمريكيون الكثير من الاضطرابات داخل إيران ما وضع الإيرانيين أمام الخيار الحتمي بتفضيل دعم الشاه على حالة عدم الاستقرار السائدة وكتب أيضا "ولذلك فقد حظيت محاولة خلع رئيس الوزراء من منصبه بدعم شعبي حقيقي"·
لكن الوكالة قامت بحذف الكثير من مذكرات الدكتور ويلبر غير أنها أبقت على إشارته للملفات السرية الخاصة به فقد جاء فيها: "لو أن المخططين لعملية خليج الخنازير قاموا بقراءة هذه الملفات لما تمت العملية أصلا"، وأضاف "كنت ألقي محاضرات عن العملية من وقت لآخر لعدد من الجماعات المختلفة في الوكالة ويتساءل المرء لاحقا عن سبب عدم قراءة أحد المسؤولين عن الشؤون الكوبية لهذه الملفات"·
لقد شكل الانقلاب نقطة تحول في التاريخ الإيراني المعاصر ولا يزال مثار قلق في علاقة إيران وواشنطن فقد دعم من سلطة الشاه والذي حكم بيد من حديد لمدة 26 سنة كان فيها على ارتباط وثيق بالولايات المتحدة الأمريكية وتمت إطاحته في عام 1979 وفي وقت لاحق من ذلك العام سار المتظاهرون الى السفارة الأمريكية وأخذوا الدبلوماسيين كرهائن وأعلنوا كشفهم النقاب عن "شبكة تجسس" والتي كانت تتلاعب بإيران لعقود من الزمن في حين دعمت حكومة الخميني الإسلامية الهجمات الإرهابية ضد المصالح الأمريكية بسبب التاريخ الطويل من الدعم الأمريكي للشاه، ولا يزال الكثير من الإيرانيين يشعرون بالاستياء من الدور الأمريكي في الانقلاب ودعمها للشاه، حتى تحت ظل الحكام المعتدلين·
شبه اعتذار
وقد تطرقت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت في أحد خطاباتها الى دور الانقلاب الأساسي في اضطراب العلاقات الأمريكية الإيرانية وصلت فيه الى ما يقارب الاعتذار أكثر من أي مسؤول أمريكي آخر·
وجاء في خطابها "لقد رأت حكومة آيزنهاور تبريرا لممارساتها لأسباب استراتيجية لكن الواضح أن الانقلاب سبب عقبة في تطور السياسة الإيرانية ونستطيع الآن فهم استياء الإيرانيين لهذا التدخل الأمريكي في شؤونهم الداخلية"·
وتترجم الوثائق السرية الحسابات التي أشارت إليها أولبرايت في خطابها، ومما جاء فيها قيام بريطانيا برسم الخطة في عام 1952 ورفض حكومة ترومان لها وموافقة الرئيس آيزنهاور عليها بعد فترة وجيزة من توليه الرئاسة عام 1953 بسبب المخاوف حول النفط والشيوعية·
وتشير الوثائق الى بعض أخطاء الوكالة كالإقدام بكل ثقة على الكذب على حلفائها من البريطانيين، ويتحفظ الدكتور ويلبر على ممارساتها مع بعض حلفائها المحليين مشيرا الى "عجز الإيرانيين عن التخطيط أو التصرف بطريقة شاملة ومنطقية"·
خطة مشتركة
تعود بدايات الانقلاب الى جلاء بريطانيا عن إيران التي رزحت لعقود من الزمن تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية·
كانت الغنيمة حقول النفط الإيرانية فقد احتلت بريطانيا إيران في الحرب العالمية الثانية لتؤمن مد حليفها - الاتحاد السوفييتي - بالنفط وتمنع في ذات الوقت سيطرة النازيين عليه ومجردة بذلك الشاه، الذي اعتبرته متمردا، من الحكم وأبقت النفط الإيراني تحت سيطرتها عقب الحرب العالمية الثانية من خلال الشركة الأنجلو - إيرانية للنفط·
وفي عام 1951 صوت البرلمان الإيراني لصالح تأميم صناعة النفط وانتخب المشرعون الداعمون لهذا القانون الدكتور مصدق الذي كان رائد المطالبة بهذه الخطوة، رئيسا للوزراء·
وردت بريطانيا بالتهديدات والعقوبات الاقتصادية وبغضب بالغ رفض الدكتور مصدق - وكان حينها محام في بداية العقد السابع من العمر درس القانون في أوروبا - التراجع، وطبقا للملفات السرية فاجأ مسؤولو الاستخبارات البريطانية نظراءهم الأمريكيين في اجتماعين في نوفمبر وديسمبر عام 1952 بخطة مشتركة للإطاحة برئيس الوزراء الإيراني·
وجاء في الملفات موافقة الأمريكيين على دراسة هذا الاقتراح "على الرغم من عدم تفكيرهم في هذا العمل مطلقا في السابق "إذ كان مغريا بسبب تزايد حركة معاداة الشيوعية في واشنطن وخشية المسؤولين فيها من وقوع إيران تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي ذي التواجد التاريخي في إيران·
وعجل تطور غير متوقع في مارس 1953 من التقدم بالخطة، فقد أبلغ مركز الـ "سي آي أيه" في طهران عن سؤال جنرال إيراني السفارة الأمريكية عن إمكانية دعمه للقيام بانقلاب من قبل الجيش·
شعرت حكومة آيزنهاور حديثة العهد بالسلطة بمدى إغراء هذه المحاولة فقد كان التحالف بقيادة مصدق ممزقا ونشطت حركة حزب "توده" الشيوعي الإيراني·
ووردت في الملفات موافقة مدير الـ "سي· آي· ايه" آنذاك آلن دلز على منح مبلغ مليون دولار في الرابع من إبريل لتستخدم "بأي شكل يؤدي الى الإطاحة بمصدق"·
"كان الهدف هو تعيين حكومة تقبل بتسوية نفطية جيدة تمكن إيران من تحسين وضعها الاقتصادي والمالي ومن ملاحقة الحزب الشيوعي شديد الخطورة"·
وفي غضون أيام عين مسؤولو الاستخبارات مسؤولا رفيع المستوى هو الجنرال فضل الله زهيدي لقيادة الانقلاب وتطلبت خطتهم لعب الشاه لدور أساسي·
كتب المسؤولون عن هذا "إن اتحاد الشاه والجنرال زهيدي مدعوما من الـ "سي آي أيه" محليا وتمويلها المالي يجعل الفرصة كبيرة للإطاحة بمصدق خصوصا إذا ما استقطب هذا التحالف حشود الجماهير ورفضت الحاميات العسكرية في طهران الخضوع لأوامر مصدق"·
خوف مرضي
لكن الملفات تكشف عن تخوف المخططين من عدم قدرة الشاه على القيام بمثل هذه العملية الجريئة· فقد استولت عائلته على العرش منذ 32 عاما فقط عندما قاد والده انقلابه بنفسه لكن الشاه وكما كتب ضباط الاستخبارات "كان بطبعه شخصا مترددا تكتنفه مخاوف وشكوك لا أساس لها وعادة ما يكون على خلاف مع عائلته خصوصا مع أخته التوأم القوية والماكرة أشرف"·
كما أنه كان يعاني مما أسمته الـ "سي آي أيه" بـ "الخوف المرضي" من الخداع البريطاني ما شكل عقبة في وجه العملية المشتركة·
أرسلت الوكالة الدكتور ويلبر في مايو 1953 الى قبرص ليلتقي بنورمان داربشاير، رئيس فرع الاستخبارات البريطانية في إيران لوضع الخطط المبدئية للانقلاب، وكانت تهدئة مخاوف الشاه على رأس الأولويات في الأجندة إذ جاء في وثيقة من الاجتماع ضرورة إقناع الشاه بأن كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا "تعتبران النفط مسألة ثانوية"·
تحول النقاش في الاجتماع الى نقطة حساسة ألا وهي تحديد هوية العملاء الأساسيين في إيران، قال البريطانيون إنهم جندوا الأخوين رشيديان·
وتكشف الملفات هنا أن الأمريكيين لم يولوا البريطانيين ثقتهم وكذبوا بشأن هوية أفضل "أعوانهم" داخل إيران·
انقسم مسؤولو الـ "سي آي أيه" حول ما إذا كانت الخطة المرسومة في قبرص ستنجح أم لا· وحذر موظفوها في إيران القيادة المركزية من عدم تحرك الشاه بحزم لمواجهة مصدق وأن الجنرال مصدق ينقصه القيادة والعزم والخطط المحكمة"· على الرغم من الشكوك بدأت خلية الاستخبارات الأمريكية في طهران بنشر "دعاية مغرضة" على شكل رسوم كاريكاتورية ناقدة لمصدق في الشوارع ودس مقالات معارضة له في الصحف المحلية·
حملة دعائية
بدأ العمل بالخطة على الرغم من تردد الشاه وعدم الحصول حتى ذلك الوقت على موافقة الرئيس آيزنهاور·
في أوائل يونيو التقى ضباط الاستخبارات الأمريكيون والبريطانيون مجددا لكن هذه المرة في بيروت ووضعوا اللمسات الأخيرة على الخطة ولاحقا بفترة وجيزة وصل كيرمت روفلت رئيس قسم شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في الـ "سي آي أيه" وأحد أحفاد ثيودور روزفلت الى طهران للإشراف عليها·
مثّل الشاه مشكلة منذ البداية فقد تطلبت الخطة تحركه السريع في الوقت الذي تثير فيه الـ "سي آي أيه" الاضطرابات وعندما تقترب البلاد من حالة الفوضى يقوم هو بإصدار مرسوم ملكي يقضي بتنحية مصدق وتعيين الجنرال زهيدي رئيسا للوزراء·
وتبين الوثائق أن الوكالة سعت الى "خلق ضغط كاف على الشاه ما يجعله يشعر أن توقيع ما يتوجب عليه من الأوراق أيسر من الرفض" لكن المسؤولين توجهوا الى أخته طلبا للمساعدة·
في 11 يوليو اعتمد الرئيس آيزنهاور تلك الخطة أخيرا في الوقت نفسه الذي توجه فيه ضباط الاستخبارات الأمريكية والبريطانية الى الأميرة أشرف في الريفييرا الفرنسية حين قاموا بإقناعها بالعودة الى إيران والطلب من أخيها أن يلتزم بالخطة·
أطلقت عودة الأميرة غير المحبوبة العنان لعاصفة من قبل القوات المؤيدة لمصدق واستشاط الشاه غضبا بسبب عودتها دون موافقته ورفض مقابلتها في البداية غير أن أحد موظفي القصر - وهو عميل بريطاني آخر كما جاء في الوثائق - تمكن من إتمام المقابلة بين الأميرة أشرف والشاه في التاسع والعشرين من يوليو·
لم تذكر الوثائق ما قاله الإخوان لبعضهما لكن الأميرة أخبرت أخاها عن تجنيد ضباط الـ "سي آي أيه" للجنرال نورمان شوارتزكوف - والد قائد حرب الخليج عام 1991 الذي ساند الشاه منذ عقد من الزمن خلال حملة الولايات المتحدة العسكرية الى إيران والذي أخبر الوكالة "أنه على يقين من الحصول على التعاون المطلوب"·
حاول البريطانيون أيضا السيطرة على الشاه وطمأنته أنهم يمثلون الحكومة في لندن إذ دعاه أحد العملاء البريطانيين - أسد الله رشيديان - في أواخر يوليو لاختيار عبارة يتم بثها في وقت متفق عليه مسبقا عبر البرنامج الفارسي لمحطة الـ "بي بي سي" حتى يطمئن الشاه الى أن رشيديان يتكلم نيابة عن البريطانيين·
لم تجد المحاولة، فقد أبلغ الشاه في 30 و31 يوليو رشيديان أنه استمع الى البث لكنه "يريد وقتا لتقييم الموقف"·
وفي أوائل أغسطس زادت الـ "سي آي أيه" من ضغطها فقد هدد العملاء الإيرانيون ممن يتظاهرون بأنهم شيوعيون القادة المسلمين" بعقاب وحشي إذا ما عارضوا مصدق "بهدف إثارة الاستياء من الحركة الشيوعية في الأوساط الدينية·
وجاء في الوثائق أيضا أن عملاء الـ "سي آي أيه" قاموا بتفجير بيت أحد الزعماء المسلمين البارزين زاعمين بأنه شيوعي ولم تذكر الوثائق فيما إذا أصيب أحد جراء هذا الهجوم·
وكثفت الوكالة من حملتها الدعائية فقد منحت أحد مالكي صحيفة واسعة الانتشار قرضا شخصيا بقيمة 45 ألف دولار "على أمل أن يطوع أدواته لخدمة أهدافنا"·
محاولات يائسة
لكن الشاه لم يحرك ساكنا وفي الأول من أغسطس رفض في اجتماعه مع الجنرال شوارتزكوف التوقيع على المرسوم الذي أعدت نصه الـ "سي آي أيه" القاضي بتنحية مصدق وتعيين الجنرال زهيدي خلفا له وقال إنه يشك في تأييد الجيش له عند قيامه بمثل هذا العمل·
وتقول الوثائق إن الشاه كان مقتنعا خلال الاجتماع بوجود أجهزة تنصت في القصر لدرجة أنه "اصطحب الجنرال الى قاعة الحفلات الكبرى وسحب منضدة صغيرة الى منتصف القاعة تماما" وجلس إليها للتحدث وطلب من الجنرال القيام بالشيء نفسه·
وتذكر الوثائق أيضا "أنه يفترض أن يعقب هذا الاجتماع سلسلة اجتماعات أخرى بعضها بين روزفلت والشاه والأخرى بين رشيديان والشاه بذل خلالها أقصى ضغط ممكن في محاولات يائسة للتغلب على التذبذب والتردد المترسخ في الشاه"·
أدرك مصدق في هذا الوقت وجود مؤامرة ضده فتحرك بسرعة لتعزيز سلطته بعمل استفتاء شعبي حول حل البرلمان·
في الرابع من أغسطس، كانت نتائج الاستفتاء في صالحه تماما وجاء في تقرير نشرته هذه الصحيفة في ذلك اليوم فوز رئيس الوزراء بنسبة %99,9 من الأصوات لكن هذا ساعد المتآمرين ومنحهم مادة لمهاجمة مصدق بضراوة عن طريق صحف المعارضة المدعومة من الاستخبارات·
ومع هذا كله لم يتحرك الشاه حتى ذلك الوقت لمواجهة مصدق، وتذكر الوثائق الجلسة المطولة وغير الحاسمة التي عقدها روزفلت مع الشاه الذي قال فيها إنه ليس بالمغامر وعليه فلن يجازف في حال وجود احتمال واحد للفشل·
"أشار روزفلت الى عدم وجود طريقة أخرى لتغيير الحكومة وأن الموقف الآن محصور بين مصدق وقواته من جهة والشاه والجيش الذي كان لا يزال يدين له بالولاء من جهة أخرى لكن قد ينفلت زمامه في غضون فترة وجيزة"·
وأخبر روزفلت الشاه "أن الفشل في اتخاذ إجراء قد يؤدي الى نشوء إيران شيوعية أو كوريا ثانية"·
وبقيت مخاوف الشاه تؤرقه فسأل روزفلت إذا كان بالإمكان أن يخبره الرئس آيزنهاور عما يتوجب فعله·
وطبقا للوثائق "فإنه المصادقة المحضة والحظ الجيد خرج الرئيس عن نص الخطاب المعد لإلقائه في مؤتمر حكام الولايات الذي عقد في سياتل في الرابع من أغسطس 1953 ملمحا الى أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي لتشهد سقوط إيران في يد الشيوعية"·
وفي العاشر من أغسطس وافق الشاه أخيرا على مقابلة الجنرال زهيدي بالإضافة الى بعض ضباط الجيش الآخرين المشاركين في المؤامرة لكنه لم يوقع حتى ذلك الوقت على المرسوم، ولاحقا أرسلت الـ"سي آي أيه" رشيديان الى الشاه ليخبره أن "روزفلت سيغادر في حالة من الاشمئزاز الكامل إن لم يتخذ الشاه إجراء ما خلال بضعة أيام"·
فوقع الشاه على المرسوم أخيرا في الثالث عشر من أغسطس وانتشر خبر مساندة الشاه لانقلاب عسكري سريعا بين ضباط الجيش المؤيدين للجنرال زهيدي·
رؤوس المؤامرة
وبدا الانقلاب في ليلة الخامس عشر من أغسطس لكن فضح أمره أحد القادة العسكريين الثرثارين الذي وصل كلامه الى آذان مصدق، وتقول الوثائق إنه "كان بالإمكان أن ينجح الانقلاب على الرغم من علم مصدق المسبق لولا عدم كفاءة المشاركين وافتقارهم الى الحكمة والقدرة على اتخاذ القرار في ذلك الظرف الحرج"·
علم الجنرال تاجي رياحي رئيس أركان الجيش بالمؤامرة قبل ساعات من بدئها وأرسل نائبه الى ثكنات الحرس الملكي على الفور، وتبين الوثائق اعتقال النائب في الثكنات في الوقت الذي كان يجوب فيه الجنود المؤيديون للشاه المدينة لاعتقال غيره من المسؤولين الكبار، وتم قطع خطوط الهاتف ما بين الجيش والمكاتب الحكومية وقاموا باحتلال بدالة الهاتف·
إلا أن الهواتف ظلت تعمل بشكل لا يمكن تفسيره ما منح ميزة رئيسية لقوات مصدق كما راوغ الجنرال رياحي الوحدات المؤيدة للشاه وجمع القادة الى جانب رئيس الوزراء·
وبدلا من اعتقال الجنود المؤيدين للشاه مصدق في منزله تم إلقاء القبض عليهم وفر القائد العسكري الأعلى للجنرال زهيدي حين رأى الدبابات والجنود المؤيدين للحكومة في مقر قيادة الجيش·
وتذكر الوثائق أن راديو طهران أعلن في صباح اليوم التالي عن فشل انقلاب عسكري ضد الحكومة وتمكن مصدق من تعزيز قبضته على الجيش والمنشآت الرئيسية وجن جنون ضباط الـ "سي آي أيه" المتواجدين في السفارة إذ "لم يكن من وسيلة لهم لمعرفة ما يحدث"، غادر روزفلت السفارة باحثا عن الجنرال زهيدي الذي كان مختبئا شمال طهران وتفاجأ بعدم استعداد الجنرال للتخلي عن العملية واتفق الرجلان على وجود إمكانية لنجاح الانقلاب في ذلك الوقت بشرط تمكنهما من إقناع الشعب بأن الجنرال زهيدي هو رئيس الوزراء الشرعي·
ولتحقيق ذلك تقول الوثائق إن المتآمرين اضطروا للإعلان عن نبأ توقيع الشاه للمرسومين·
وأرسل مركز الـ "سي آي أيه" من طهران رسالة الى "الاسوشييتد برس" يؤكد فيها "تداول التقارير غير الرسمية لدرجة تعزيز رؤوس المؤامرة لموقفهم بالمرسومين اللذين يعزل في أحدهما مصدق ويعين في الآخر زهيدي بدلا منه"·
كما رتب عملاء الـ"سي آي أيه" نشر المرسومين في بعض صحف طهران·
لكن سرعان ما خدمت روح المبادرة الدعائية بعد اعتقال وهروب الكثير من عملاء الـ"سي آي أيه" الإيرانيين وفي المساء أعد موظفو الوكالة خطابا للجنرال زهيدي على أمل توزيعه على الشعب لكن تعذر عليهم العثور على مطبعة غير مراقبة من القوات الموالية لرئيس الوزراء·
مرحلة حرجة
تلاشت في السادس عشر من أغسطس فرص إنعاش العملية عندما علم بنبأ فرار الشاه الى بغداد وأبرق مركز قيادة الـ"سي آي أيه" الى طهران حاثا روزفلت على المغادرة فورا·
لكنه رفض مصرا على أنه "ما زالت ثمة فرص للنجاح" في حال أذاع الشاه بيانا من إذاعة بغداد واتخذ الجنرال زهيدي موقفا حاسما، كانت أولى علامات التحول عن المسار في التقارير التي أفادت بتفريق الجنود الإيرانيين وضربهم لجماعات حزب "توده" الشيوعي وإجبارهم على الهتاف بالولاء للشاه ومع هذا فقد ظل العملاء يشعرون بإمكانية النجاح في العملية كما تروي الوثائق·
في هذا الوقت تمكن مصدق من حل البرلمان بعد الانقلاب·
في صباح السابع عشر من أغسطس أعلن الشاه عبر إذاعة بغداد توقيعه على المرسومين - لكنه تأخر في إعلانه هذا لدرجة شعر فيها المتآمرون أن الوقت قد فات·
وفي هذه المرحلة الحرجة سرح مصدق حرسه واستدعت الحكومة معظم القوات المتمركزة حول المدينة معتقدة بزوال الخطر بعد أن هدأت المخاوف بسبب مغادرة الشاه واعتقال بعض المسؤولين المتورطين في الانقلاب·
في تلك الليلة دبرت الـ"سي آي أيه" تهريب كل من الجنرال زهيدي وعدد من ضباط الجيش الى مبنى السفارة مخبئين في سيارات وعربات مقفلة لعقد "مجلس حرب"·
واتفقوا على البدء بهجوم مضاد في التاسع عشر من أغسطس بإرسال رجل دين من طهران الى مدينة قم في محاولة لتنظيم الدعوة الى حرب ضد الشيوعية (القوات الدينية نفسها التي حاولوا التلاعب بها نعتت الولايات المتحدة عقب سنوات قليلة بـ"الشيطان الأكبر")·
وباستخدام وثائق سفر مزورة من قبل الـ"سي آي أيه" سافر كبار قادة الجيش الى الحاميات النائية لإقناع القادة بالانضمام الى الانقلاب·
ومرة أخرى خذل الشاه الـ"سي آي أيه" فقد غادر بغداد الى روما لتكون منفاه على ما يبدو ونشرت الصحف الموالية لمصدق خبر انتهاء حكم سلالة بهلوي الحاكمة، ونسب بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي محاولة الانقلاب الى المؤامرات البريطانية الأمريكية ودمر المتظاهرون تماثيل العائلة المالكة تماما كما فعلوا بعد ستة وعشرين عاما في الثورة الإسلامية·
أبرق مركز الـ"سي آي أيه" الى القيادة المركزية لطلب النصيحة حول "الاستمرار في عملية TP-AJAX أو الانسحاب"·
تذكر الوثائق أن "المقر الرئيسي عانى من يوم مليء باليأس وخيبة الأمل وأفادت الرسالة التي وصلت إلى طهران أنه "قد تمت المحاولة لكنها فشلت ولأن التوصيات غير متوافرة للقيام بعمليات أخرى ضد مصدق فيجب عدم مواصلة المحاولة"·
أسطورة الـ"سي آي أيه"
بدأت الأوضاع تتغير في شوارع طهران عندما أخذ الأمريكيون يستعدون للتخلي عن العملية·
وفي صبيحة التاسع عشر من أغسطس، نشرت صحف إيرانية عدة مرسومي الشاه المنتظران وسرعان ما تجمعت الحشود المؤيدة للشاه في الشوارع، وتذكر الوثائق "كانوا فقط بحاجة للقيادة" ووفرها لهم عملاء الـ"سي آي أيه" ومن دون أوامر محددة قاد صحافي من أبرز عملاء الـ"سي آي أيه" الإيرانيين حشدا الى البرلمان محرضا الجماهير على إضرام النيران في مكاتب صحيفة تعود ملكيتها الى وزير خارجية مصدق فيما قاد عميل إيراني آخر حشدا لسلب مكاتب الصحف المؤيدة لحزب "توده" الشيوعي·
وتذكر الوثائق "انتشار خبر حدوث أمر مروع جدا بسرعة كبيرة في أرجاء المدينة"·
حاولت الـ"سي آي أيه" استغلال الموقف فبعثت برسائل عاجلة الى الأخوين رشيديان وعميلين رئيسين آخرين بضرورة تحريكهم لقوات الأمن الى جانب المتظاهرين·
لكن الأمور لم تحدث بالسرعة المناسبة بالنسبة للوكالة إذ قاد كولونيل في الجيش الإيراني انخرط في المؤامرة قبل بضعة أيام فقط فجأة دبابة الى خارج البرلمان في الوقت الذي سيطر فيه أعضاء من الحرس الملكي المنحل على الدبابات وجابوا الشوارع فيها، وطبقا للوثائق "فإنه بحلول الساعة العاشرة والربع تواجد الجنود على دباباتهم في جميع الميادين الرئيسية"، وبحلول الظهيرة بدأت الحشود تتلقى الأوامر من عدد من الضباط المشاركين في المؤامرة وضباط آخرين انضموا الى جانبهم، وفي غضون ساعة سقط مكتب التلغراف في أيديهم ووصلت البرقيات الى الأقاليم مطالبة بثورة مؤيدة للشاه، وسقط فيما بعد مركز قيادة الشرطة ومبنى وزارة الخارجية في أيدي المتظاهرين بعد تبادل قصير لإطلاق النار·
بقيت الغنيمة الكبرى في السيطرة على مبنى إذاعة طهران والذي كان يبث برنامجا عن أسعار القطن في وقت لم يتحدد فيه مصير الحكومة بعد لكن سرعان ما داهمه حشد من المدنيين وضباط الجيش والشرطة بعد ظهر ذلك اليوم وتحدث مؤيدو الشاه مباشرة لإعلان نبأ نجاح الانقلاب ونص المرسومين الملكيين·
وابتهج ضباط الـ"سي آي أيه" المتواجدون في السفارة وأخرج روزفلت الجنرال زهيدي من مكمنه وقاده ضابط من الجيش في دبابة الى الإذاعة ليلقي خطابا الى الأمة·
وقد تم تطويق مصدق ومسؤولين حكوميين آخرين فيما عين الضباط المؤيدين للجنرال زهيدي "مناصرين معروفين لعملية "تي بي أجاكس" في مواقع القيادة وفي جميع وحدات الحاميات الإيرانية·
حدث كل هذا في غفلة من الاتحاد السوفييتي، حتى عندما سقطت حكومة مصدق كان راديو موسكو يبث برنامجا عن "فشل المغامرة الأمريكية في إيران"·
لكن مفاجأة الـ "سي آي أيه" كانت بقدر مفاجأة موسكو إذ "بدا خبر نجاح الانقلاب دعابة سيئة لدى وصوله في ظل الإحباط السائد من اليوم السابق" كما تقول الوثائق·
ظلت واشنطن تتلقى معظم معلوماتها من وكالات الأخبار ولم تتلق سوى برقيتين من مركز الوكالة في طهران وفسر روزفلت هذا لاحقا بأنه لو قام بإخبار المقر الرئيسي بما يحدث "لاعتقدت كل من لندن وواشنطن بأنهم مجانين ولطالبوهم بالتوقف الفوري"·
ومع ذلك حظيت الـ"سي آي أيه" بمصداقية كاملة لدى الحكومة وأطاحت بحكومة غواتيمالا في السنة اللاحقة وانتشرت أسطورة قدرة الـ"سي آي أيه" على الإطاحة بالحكومات في أي مكان بالعالم·
وأثبتت إيران صعوبة صنع الملوك في العالم الثالث·
وتقول وثائق الـ"سي آي أيه" السرية في وصفها يوم التاسع عشر من أغسطس "ما كان يجب أن ينتهي ذلك اليوم إذ حمل في طياته إحساسا بالتشويق والرضى والابتهاج بالنصر يصعب تكراره أو مضاهاته"·
تقارير مدسوسة
تظهر الوثائق السرية أمل مخططي انقلاب إيران عام 1953 من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية في دس مقالات في الصحافة الأمريكية تفيد بأن عودة الشاه محمد رضا بهلوي كانت نتيجة ثورة داخلية ضد حكومة شيوعية النزعة·
لكن هذه الآمال باءت بالفشل إذ تبين وثائق الـ"سي آي أيه" عن الانقلاب النجاح الضئيل لعملائها في استغلال الصحافيين الأمريكيين وأن ما من أمريكي من الذين غطوا أحداث الانقلاب عمل لصالح الوكالة·
يثبت تحليل التغطية الصحافية مقدار الحقيقة والصدق في تقارير الصحافيين الأمريكيين والتي ذكرت بشكل واضح دور الشيوعيين الإيرانيين في عنف الشوارع والذي أدى الى حدوث الانقلاب في حين لم يتناقل المراسلون الغربيون في إيران وواشنطن تدبير عملاء الـ"سي آي أيه" المتظاهرين بالشيوعية لجزء من الاضطراب وتجاهلوا التقارير المتزامنة في الصحف الإيرانية وإذاعة موسكو والتي تؤكد تدبير الحكومات الغربية السري لعودة الشاه الى السلطة·
وخلال الثمانية أعوام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تكون عند الأمريكيين حس بالمصالح القومية بسبب ست سنوات من المواجهة بين الحلفاء ودول المحور وهيمنت المقالات التي تتحدث عن المواجهة العالمية الجديدة مع الاتحاد السوفييتي وتفوق موسكو في تطوير الأسلحة النووية وادعاءات الكونغرس بوجود نفوذ شيوعي في واشنطن على الصفحات الأولى للصحف الغربية·
وتشير الوثائق الى تمكن الـ"سي آي أيه" في إحدى الحالات وبواسطة بعض العاملين في "الاسوشييتد برس" من بث بيان من طهران حول مرسومين ملكيين قامت الوكالة نفسها بكتابتهما، لكنها غالبا ما اعتمدت على الوسائل غير المباشرة لاستغلال وسائل الإعلام·
وتتحدث الوثائق عن تمكن مكتب وزارة الخارجية في طهران من نشر دراسة قامت بإعدادها الـ"سي آي أيه" في مجلة "النيوزويك" باستخدام القناة الطبيعية من مسؤول المكتب الى الصحافي وكانت واحدة من تقارير مدسوسة عدة أججت الحرب النفسية ضد رئيس وزراء إيران محمد مصدق لدى نشرها في طهران·
وكشفت عملية إيران عن ضعف استغلال الوكالة للصحافة الأمريكية إذ "لم يكن لديها أشخاص قادرون على نشر المواد ما جعل الناشر الأمريكي غير قادر على توجيه الرأي العام بسبب عدم توافر مثل تلك المصادر الموجهة"·
وتظهر الوثائق أن ضابطا سريا من الـ"سي آي أيه" كان يعمل كمسؤول صحافي في السفارة اقتاد اثنين من المراسلين الأمريكيين الى منزل خارج طهران حيث عرض عليهما مرسومي الشاه القاضيين بعزل رئيس الوزراء·
تورط أمريكي
وكتب كنيت لف مراسل "النيويورك تايمز" خلال الانقلاب في طهران عن المرسومين الملكيين في الصحيفة في اليوم التالي دون ذكر كيفية اطلاعه عليهما، وفي مقابلة معه صرح بأنه "التزم بشروط مسؤولي السفارة الأساسية بعدم التطرق الى الدور الأمريكي في ترتيب اطلاعه على المرسومين"·
وقال لف إنه لم يكن على علم حينها بعمل ذلك المسؤول لصالح الـ"سي آي أيه"·
لكنه أشار بإيجاز في إحدى مقالاته بعد نجاح الانقلاب الى التقارير الصحافية الإيرانية حول تورط الأمريكيين فيه ونشرت "النيويورك تايمز" أيضا مقالا من موسكو حول الاتهامات السوفييتية للولايات المتحدة بتدبير الانقلاب لكن هذه الصحيفة أو غيرها من الصحف الأمريكية لم تتابع تلك الاتهامات بشكل جدي·
كتب لف في مقالة عام 1960 خلال دراسته في جامعة برنستون عن "مسؤوليته عن تعجيل النصر النهائي لأتباع الملكية" حين قال لقائد الدبابات الست المتواجدة خارج مبنى إذاعة طهران "بأن كثيرا من الأشخاص يقتلون أثناء محاولتهم اقتحام منزل مصدق وأن بإمكانهم التحرك بشكل مفيد بدلا من البقاء ساكنين حول مبنى الإذاعة"، وأضاف "قاموا بتحريك الدبابات الى جادة "كوخ" حيث منزل مصدق وحاصروه بثلاث دبابات"·
قال لف الذي استقال من "النيويورك تايمز" في عام 1962 في مقابلة إنه حث الدبابات على التحرك "لأنه أراد وقف سفك الدماء"·
وطبقا للف فإن رئيس مكتب القاهرة ورئيسه في العمل روبرت س· دوتي أخبره بتوافر أدلة على تورط الأمريكيين في الانقلاب، لكن دوتي المتوفى عام 1974 لم يكتب شيئا عن الأمر وفي صيف عام 1954 قرر لف أن يبلغ مكتب "النيويورك تايمز" بما يعرف فكتب رسالة بتاريخ 26 يوليو 1954 الى إيمانويل ر· فريدمان محرر الشؤون الخارجية جاء فيها "كانت المرة الوحيدة التي سمحت فيها للسياسة بالتأثير على خبر صحافي بحت منذ أن عملت في الصحيفة عند فشلي في الإعلان عن الدور الذي لعبه عملاؤنا نحن في الإطاحة بمصدق"·
قال لف إنه كان يأمل بطلب محرر الشؤون الخارجية منه متابعة الموضوع لكنه لم يتلق أي إجابة مطلقا·
وقال "أردت إعلام فريدمان بمعرفتي بتورط أمريكي في الانقلاب لكنني لم أكتب عنه وتوقعت أن يرد قائلا "تابع الموضوع" لكنه لم يجب ومات فريدمان عام 1971·
جاسوس محترم
مثّل دونالد ويلبر مخطط انقلاب إيران وكاتب تاريخه السري، النمط التقليدي لوكالة الاستخبارات المركزية وناسبه قالب "الجاسوس المحترم" كونه خبيرا من جامعة برينستون في مجال العمارة في الشرق الأوسط، منحته سنوات التجوال في المواقع المعمارية في الشرق الأوسط الغطاء المثالي لحياته السرية، وبحلول عام 1953 كان جليا أنه الخيار الواضح لوضع استراتيجية العملية·
كان الانقلاب مرحلة الذروة في حياته الجاسوسية لكن عمله في "سي آي أيه" كان بمثابة العقبة على الرغم من تفوقه في المجال الأكاديمي·
وكتب الدكتور ويلبر عن عملية إيران "لم أطالب بترقية أبدا ومنحتها مرة واحدة فقط بعد عملية أجاكس"، ويضيف أنه في يوم عمله الأخير "اصطحبتني سكرتيرة صغيرة السن عبر البهو حيث سلمتها شارتي وغادرت، لقد كنت أستحق معاملة أفضل من تلك التي لقيتها"·
توفي ويلبر عام 1997 عن عمر يناهر التاسعة والثمانين·
" عن صحيفة نيويورك تايمز "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com