رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 26 محرم 1425هـ - 17 مارس 2004
العدد 1619

أمسية

العزف على العود وفن الديكور كانا شعرا إضافيا

المغربي يحرس ماء النبع والجلاوي يكتب "محاولته الأخيرة"

 

  

 

 

كتب المحرر الثقافي:

بلمسات جميلة من أنامل ناعمة وشت ببصمات مي الشراد وميس العثمان أضيء ديكور مسرح "الخريجين" بالشعر والكلمة والنغم·

أمسية شعرية تضافرت معها أوتار العازف الموهوب فيصل المغربي، ملأت المسرح بالنغمات وهيأت للإنصات لقصائد محمد هشام المغربي والشاعر البحريني علي الجلاوي، قدمت الأمسية إيمان حسين بكلمات لم تبعد كثيرا عن الشعر وأجوائه·

 

"لهاث" ابن هشام

 

أنشد المغربي قصيدته "الأنشودة" بقدر من الإيقاع الموسيقي المرتفع، موجها حديث التفاعيل العالية لحبيبته، أو للفت انتباهها:

آه يا ضحكة عمري

عانقيني وارقصي حدّ الشطط،

ويختتم قصيدته بمقطع جميل:

فيك أستصرخ ماضيّ وما يأتي،

وأطوي شظف العمر،

وأستلّ اشتعالي·

كوّري حزني أساوير خزامى،

وانتشي مني وفيّ·

ويفاجأ محمد المغربي متابعيه دائما بالجديد، ففي نص آخر بعنوان "خطوط الشمس" كان يبحث عن بلقيس جديدة ليست "ملكة على عرش ولا سلطانة أحلام"، يروي قصتها بعد أن يختصرها في "وردة ما·· في فناء المنزل الخلفي"·

وبتتابع للأفعال معبر عن "الحركة" يقول المغربي:

قادتني إليها صدفة: إذ كنت أمشي فاصطدمتُ بعلبةٍ· فسقطتُ· كانت قرب عيني، فابتسمتُ أحثها، فبكت عليّ·

يتابع المغربي بعبارات شعرية رائعة رحلته الى بلقيس أو فيها، ويترك النهايات والظلال للشمس فهي "تكتب ما تريد"، وفي طريقه يقابل الشبحين "وجهي والمطر"، وتتعثر خطواته بين تمزقه وتناثره والباب الموصود، ويخبره الصوت الخفي: "خطيئتك المجيء"، ويردد حكمة:

النوم موتٌ

قد يرادُ ولا يريدْ

ويختتم النص بالعودة الى من كان يخاطبها في البدء، لكن صحبة "موسيقى تبخّرك البطيئة تملأ الجو الحزين"·

وفي نص خاطف يختصر الشاعر مأساة الزمن وعبثيته وما يتركه من أنصاف أحلام، تدور تساؤلات داخل نص "بكائية الوقت الأثير" لا تبحث عن أجوبة، إنما أغلبها حرقات على مقايضة الزمان لنا بلحظات حب وفرح مقابل أعمار، وينجح المغربي الغائب في نصه في إدارة الحوار وتلك التساؤلات:

كم سيعطيني النهار التعب اليوم؟ وكم يمنحني الليل من الوقت لأنهي خط أنشودة حب أشتكي فيها لميَّ شقوتي في العشق؟ أو كم سوف يعطيني النهار···

وفي أجمل نصوصه الشعرية المشاركة يبوح المغربي بـ "الرؤى الثلاث وتعويذة الشك" عن هؤلاء الذين يعيشون كالأشباح داخل أسطورة، ويحلمون بانتصار دمهم المراق· فيظلون "يطبخون السلوى ويلتحفون المنى" غائرين في قلب الليل·

ويرسم لهم المغربي "تعويذة":

هذا دم الديك المرقّط، ذا البخور، وموقد، هاتان رجلا قطة، ولسان بوم·

كلها ليلا جمعْتُ على التماسك،

صُبغتي خوفي:

إلهَ النجم أدرك قافلات البدو - قالتها العجوزْ·

ها أدرك السهم الطريدْ·

ينتهي محمد هشام المغربي بـ "اللهاث" في حوار مع الجد/النبع:

يا جدي سُميتُ على اسمك

لكنك متَّ

ولم نعقد أيَّ حكاياتٍ ما بين فؤادينا

وما بين الحوار والمساءلة واستنطاق صورة الجد، يُدخل الشاعر مقاطع غنائية، وأخرى عمودية أجاد توظيفها·

 

الشاعر الدلموني

 

الشاعر البحريني علي الجلاوي قرأ أكثر من نص بيّن فيه تمكنه وعبّر عن لونه الكتابي، وإن عابه انفعاله وسرعته في القراءة·

وفي "محاولة أخيرة" توجه الى الأنثى بنداءات حائرة بعد أن استغلق عليه اللفظ والتعبير:

ماذا أسميك

- يا امرأة تستفيق على دمها -

حين لا تُنصِفُ الكلمات المغني

وماذا علي أقول

وقد غادرتني النوارس عابرة

كان لتكرار مطالع الفقرات الشعرية وقع جميل في تقريب المعنى، خصوصا وأنها جاءت على شكل تساؤلات تحمل قدرا من الإجابة وحرقة الشوق وارتباك الوصف:

أسمّيك / لا··/ لن أسمي

فقالوا له اضرب··

فإن المدينة تخرج يا سحرُ صلبانها

أجمعوا ما تيسر من قهرهم

ثم قالوا له: ألق أني··

فألق فؤادا تفرج بالنخل والبحر

حينا رأيتك

سيدة خرجت من مآذن مؤمنة

ترفل

أردانها ببياض النذور بما··

عقدوا من خيوط بشباكها·

ويحاول الجلاوي تعداد أوصافها ومسمياتها: محاريب، حناء، مواويل، الى أن يعود ويعترف آخر النص أن يبقيها بلا وصف ولا كلمات كي يبقي فيها ألقها·

في قصيدة أخرى طويلة بعنوان "صلاة الروح" يتضح أسلوب الشاعر وطريقته أكثر في توظيف الجمل الشعرية المختارة بدقة وبتكرار أيضا (وإن لم يوظف هذا التكرار جيدا كما في النص الأول):

قليل من الحزن يكفي

إذا اشتعلت قدماي بماء المسافة

أو عمّدتني المنافي

خشوع المصلين

من قامة في المدى

ويلزم الجلاوي نصه بقافية لنهايات المقاطع، يحتفظ بها رغم طول القصيدة وقداسة التسابيح الروحية التي قد لا يحتاج "المصلي" معها الى قيد:

إذا انتفض الحلم فيّ

أغصُّ عليَّ وأخرِجُ رأسي

فكيف أقولُ انتبهتُ؟

وبعضي بماء اضطجاعي تخدّر

ترتسم ملامح المحبوبة بين ضباب المنافي، تارة بلدا يعيش في قلبه الشاعر غربة، وتارة روحا قلقة لم تستقر أو:

تمشي على النار من غير أن تفقد الصلوات

ومن غير أن تفقد الروح منها حضورا

إذا ذهبت

أبقت النصل في جسدي

ودعتني الى ملتقى لا يعود

يتنقل الجلاوي في نصه هذا الطويل الى أكثر من موقع روحي ونفسي معلنا حاجته الى حضن: بلاد، امرأة، صوت، دفء، أو حتى موت، لكنه في كل حالاته لم يطلب إلا "القليل"·

طباعة  

إصدارات
 
دراسة
 
المرصد الثقافي
 
خبر ثقافي
 
وتــد