تعكف حكومة الكيان الصهيوني على المضي قدماً في بناء ما يسمى (بالجدار الأمني الفاصل)، وتواصل بوتيرة محمومة جهودها لإتمام ما تبقى من مراحل بنائه متذرعة بالمحافظة على أمن هذا الكيان فبدأت آلة الإرهاب والقهر الصهيوني تعيث فساداً وتدميراً في القرى التي يمر فها الجدار لتعود من جديد مخططات المصادرة والتهويد على رأس الأولويات الصهيونية لتحويل ما تبقى من الضفة الغربية الى معازل وكنتونات تحشر خلالها الشعب الفلسطيني بين جدار إسمنتي وحدود الخط الأخضر وينجم عن ذلك ألف مأساة ومأساة في سياق الحرب العدوانية الصهيونية على الأرض والإنسان الفلسطيني لإخلائه من أرضه وجذوره وتشريده من جديد ·
منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 أخذت وتيرة المطالبة بإقامة الجدار الفاصل تزداد باضطراد الى أن قدم (آفي رختر- رئيس الشاباك ) خطة الجدار الفاصل في شباط - فبراير 2002 والتي أخذت طريقها للتنفيذ بعد نقاشات وتعديلات كثيرة وتولى تنفيذ المراحل الأولى للخطة وزير الحزب العمالي ( بن اليعازر) في ظل حكومة الائتلاف الصهيوني وقد بدأ العمل فيه منذ يوم 23 حزيران - يونيو 2002، بعد أن أقرته حكومة الاحتلال إثر اجتياح الضفة في حملة ما يسمى (السور الواقي) يشكل الجدار مرحلة جديدة من حلقات العدوان على الشعب الفلسطيني، يفاقم معاناته ويزيد من ظروف الحصار قسوة، وينعكس بصورة سلبية على الحياة اليومية لمئات الآلاف من أبناء شعبنا ويحولهم الى أسرى في معازل وكنتونات يحتاج سكانها الى تصاريح أمنية وإدارية صهيونية للخروج منها أو الدخول إليها وذلك تمهيداً لمصادرة الأراضي وتهجير سكانها هجرة داخلية أو خارجية وذلك بعد تدمير الممتلكات وتجريف المزروعات وقطع الأشجار··· إلخ، والحيلولة دون وصول أهلها إليها تمهيداً لمصادرتها نهائياً·
اقتلع الجدار حتى حزيران - يونيو الماضي (83000) شجرة مثمرة وخرب (25000) متر من أنابيب الري وأتى على (11400) دونم زراعية ويترتب على هذا الجدار تقييد حرية التجمعات السكانية المحشورة بين الجدار والخط الأخضر أو تلك القرى والتجمعات المحاصرة في التواءات الجدار فهؤلاء المواطنون لا يحملون هوية إسرائيلية لكي يتمكنوا من الحركة داخل الخط الأخضر ولا يمكنهم الحركة باتجاه الضفة الغربية ذاتها وإذا ما وصلوا إليها يصعب عليهم العودة الى قراهم وبيوتهم غربي الجدار ويترتب على ذلك معاناة يومية قاسية قد تحول بين المعلم والتلميذ ومدارسهم وكذلك الأمر بين الموظف وعمله والمريض والمستشفى وقد يحول بين تواصل العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الأهل والأقارب·
وتتضمن الرؤية الصهيونية للجدار مجموعة من الأبعاد ذات أثر كبير على الشعب الفلسطيني:
1 - البعد الأمني: الذريعة الأصلية هي السبب المعلن لبناء الجدار، وبلا شك فإن ضربات المقاومة وفشل كل الوسائل التي استخدمها الاحتلال الإسرائيلي لوقف المقاومة التي جعلته يبدل أولوياته ويتجه نحو بناء الجدار لتحقيق الهدف الأمني وأهداف أخرى، وهذا الهدف يسعى العدو لتحقيقه من خلال وضع حواجز مادية وإلكترونية وبشرية جديدة في مواجهة المقاومة وتعريض الشعب الفلسطيني لمزيد من الضغوط والعدوان بهدف إضعاف معنوياته ودفعه الى الاستسلام لإرادة الاحتلال ووقف المقاومة·
2 - مصادرة الأراضي: تقوم عقيدة الليكود السياسية بقيادة شارون على الاستمرار في احتلال وابتلاع الأرض الفلسطينية، فالأرض لديه هي جوهر الصراع ومن ثم فإن مصادرة أكبر قدر من الأرض وضمها فعلياً الى الكيان الصهيوني تمهيداً لفرض أمر واقع مستقبلاً، يعد الهدف الرئيسي لمسار الجدار بصورته الحالية حيث صودرت أو ستصادر عشرات آلاف الدونمات، وحوصرت عشرات الآلاف الأخرى بين الجدار والخط الأخضر كمرحلة أولى نحو المصادرة والضم بعد تفريغها من سكانها عبر إجراءات القهر والعنف التي تمارس على أهلها كأحد أساليب الترانسفير·
3 - البعد الاستيطاني: مسار الجدار الفاصل لم تفرضه ضرورات أمنية، بقدر ما تشجع عليه الاعتبارت الاستيطانية لذا حرصت حكومة الاحتلال على ضم أكبر قدر ممكن من المستوطنات في إطار الجدار، لهذا صار مساره متعرجا بطريقه تحوي العدد الكبير من المستوطنات، وبما يتيح المجال لمزيد من الاستيطان في المناطق المحصورة بين ثناياه ولعل المشروع الاستيطاني الأكبر، الذي يتضمنه مخطط الجدار يتمثل في المرحلة الثالثة في غور الأردن·
4 - البعد السياسي: كانت خشية اليمين الصهيوني دائما أن يشكل الجدار حدودا سياسية تؤدي الى عودة حدود الكيان الى حدود الرابع من حزيران 1967، وكذلك خشية المستوطنين من تفكيك المستوطنات أو بنائها خارج السور، ومن ثم تبقى دون ضم الى الكيان الصهيوني، ولكن المخطط الجاري حاليا يتجاوز هذه المخاوف، ويعمل على تنفيذ خطة شارون للمعازل والتي طرحها في لقائه مع رئيس وزراء إيطاليا عام 1997م، والتي تمثل رؤيته للحل السياسي القائم على دولة فلسطينية على %12 من مساحة الضفة الغربية، ومن ثم فإن مخطط الجدار يفرض واقعا سياسيا حسب رؤية شارون للحل النهائي، ويضمن احتفاظ إسرائيل بالسيادة على غور الأردن حسب خطة (آيلون) التي عرضت قبل ثلاثين سنه تقريبا·
هذه الرؤية تعني في جوهرها فرض الأمر الواقع وإنهاء ما تبقى من احتمالات التسوية في المستقبل، وإنهاء الأمر الذي يحول دون قيام دولة فلسطينية إلا إذا كانت بمواصفات رؤية شارون·
5 - البعد الأيديولوجي والنفسي: والذي عبر عنه بارك في شعاره الانتخابي “نحن هنا وهم هناك” وكأن ما يجري لا يعدو كونه عملية خداع للذات الصهيونية، فعملية نفي الشعب الفلسطيني من مدى الرؤية - عبر الجدار- سيؤدي الى نفيه عملياً وانتهاء الصراع بين الطرفين·
إن عقلية الجيش الصهيوني، والتي جسدها شعار “سور وبرج” في مراحل الاستيطان الأولى لا تزال تتحكم بعقلية السياسي الصهيوني ففي الوقت الذي انهار فيه سور برلين وفي الوقت الذي يتجه العالم فيه نحو الانفتاح والتواصل الحر المفتوح، يسعى الصهاينة الى الانغلاق وخنق الآخرين، ويلاحظ في هذا الإطار أن الكيان الصهيوني قد حاصر نفسه فعليا عن محيطه داخل فلسطين وخارجها بدلا من حالة التمدد الجغرافي الذي حلم به الصهيوني (من الفرات الى النيل)، وهذا يشكل تراجعا على الصعيد الأيديولوجي الصهيوني سواء على صعيد ما يسمى بأرض الميعاد أم على صعيد فكرة إسرائيل الكبرى إذ إن الأرض التي نجحوا في اغتصابها تتقلص وتعج بالجدران الإسمنتية يحاصرون فيها أنفسهم كما الشعب الفلسطيني·
كما يعبر الجدار بجلاء عن النزعة الاستعلائية العنصرية السادية التي تتلذذ بمعاناة الشعب الفلسطيني على أيدي غرباء زرعوا على أرضه قسراً في سياق نظام أشد وأقسى وأخطر من نظام الآبارتهيد العنصري في جنوب إفريقيا سابقاً ·
وقد أخبرنا الله عز وجل عن جبن اليهود وحرصهم على الحياة، وعن عقلية الجدار والأسوار المتأصلة في أعماقهم بقوله “لايقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر”·
البعد الديمغرافي (السكاني) اعتمدت رؤية اليسار خاصة حزب العمل على المعطيات الديمغرافية والسعي الى تكريس وجود استمرار الدولة اليهودية بطبيعتها اليهودية العنصرية تلك لتوفير مظلة ودعم صهيوني داخلي لمشروع الجدار، ويجدر التذكير هنا أن كلاً من شاحال وباراك وحاييم رامون وبن اليعازر هم من قادة حزب العمل، والذين كانوا خلف فكرة بناء الجدار الفاصل، وبالتالي فإن حزب العمل يعتبر أن “الليكود” عاد لتنفيذ رؤيتهم للفصل وأنه عملياً يقوم بتنفيذها·
ولعل من أشد مخاطر الجدار الفاصل، ما سيحدثه من عمليات طرد وهجرة قسرية داخلية في نطاق الضفة الغربية، تمهيداً ربما لترانسفير في سياق الوطن البديل وتوفير فرصة لمزيد من مصادرة الأراضي والاستيطان وتزايد عدد المستوطنين في الضفة الغربية، وربما كان هذا هو الغرض الحقيقي من بناء الجدار فلو كان الهدف منه أمنياً لاكتفوا ببنائه على طول الخط الأخضر·
يؤكد الواقع الذي يفرضه جدار الفصل الصهيوني العنصري ضرورة تصعيد الحملة ضد بناء الجدار العنصري شعبياً وسياسياً وإعلامياً وعالمياً وبكل الوسائل المناسبة وذلك بتضافر الجهود الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية وتبني استراتيجية الصمود والتصدي لمخططات العدو والثبات في الأرض مهما اشتدت الضغوط وظروف الحصار مع الثقة بالنفس والتحرك بقوة لإيجاد وسائل المقاومة المناسبة لتخطي العوائق التي يفرضها الجدار·
فالعدو واهمٌ إذا تصور أن فرض الأمر الواقع يمكن أن يحل الصراع الوجودي بين شعبنا وأمتنا من جهة والعدو الصهيوني من الجهة الأخرى، وكان يجدر بالعدو أن يأخذ العبرة من سقوط خط بارليف وهدم جدار برلين وفقدان خط ماجلان في فرنسا لدوره وفاعليته رغم عظمة تحصيناته ليصل لنتيجة حتمية مفادها أن الجدار والحواجز والاستحكامات لن توفر لكيانهم الأمن أمام إرادة شعبنا في التحرر والخلاص من الإرهاب والاحتلال الصهيوني ·
* نشرة أصدرها اتحاد الجمعيات الخيرية - القدس·