رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 12 محرم 1425هـ - 3 مارس 2004
العدد 1617

الترجمة رحلة بين شاطئين·· واكتشاف أرض جديدة!
هل يجوز تحويل “بودلير” الى شاعر عباسي·· و”عوليس” الى راكب مطية؟

                                                                

 

أفكار كثيرة تحتشد في الذهن حول الترجمة من لغة الى أخرى، أو كما يقال بلغة علم الترجمة الانتقال من لغة المصدر الى لغة الهدف، إلا أن هناك نقطا تصلح منطلقا رغم هذا الاحتشاد والاختلاط، وأفضل أن أبدأ مما لا يمكن ترجمته، ليس بسبب صعوبة الرحلة بين نصين، بل بسبب لا جدوى لهذه الرحلة أساسا، والإحساس بأن أوانها لم يحن بعد·

لدى هذه البداية صادفني كتاب الإيطالي “إيتالوكالفينو” المسمى “ست وصايا للألفية المقبلة” 1993، وهو كتاب يتضمن شبه وصايا أعدها الكاتب ليلقيها كمحاضرات في جامعة هارفارد الأمريكية في العام 1985، ولكن وفاته المفاجئة قبل السفر تركت على مكتبه خمسا منها، أما السادسة فلم تكن سوى خطاطة أولية لم تكتمل·

وفكرت، نظرا لأهمية هذه “الوصايا”، بترجمتها فور قراءتي لها، إلا أنني تساءلت: ما جدوى ترجمة هذه النصوص الى المناخ الثقافي العربي؟ نحن نترجم لننشر بالطبع، ولكن هذه المحاضرات التي اعتنت بشرح عدد من القيم الأدبية الغربية التي ولدت وتطورت مع ولادة وتطور اللغات الغربية المعاصرة خلال الألف عام الماضية، تبدو منقطعة الصلة بهذا المناخ، إنها تتضمن إشارات وتلميحات الى أعمال وشخصيات أدبية بل نصوص تنتمي الى حقل الثقافة الغربية، أي حقلها الدلالي، ورأيت أن الأمر يطرح مشكلة بالنسبة للقارئ العربي، فهو لن يفهم إشارة أو تلميحا الى مرجعية أخرى لاحظ له فيها، ومما يزيد الأمر تعقيدا أن مرجعية هذه المذكورات تقع في حقل واسع متعدد اللغات من إنجليزية الى فرنسية، الى إسبانية، الى إيطالية الى لاتينية·

واكتشفت أن ترجمة هذا الكتاب تقتضي أن ترافقه ترجمة لثقافة الحضارة الغربية بمجملها، أو نصوصها الأساسية على الأقل، لأن ترجمة هذا الكتاب الى العربية من دون هذا، تحمل في طياتها افتراضا غير صحيح، وهو أن القارئ العربي يمــتلك مـعرفة شاملة بهذه الثقافة·

هذه مشكلة أولى في الترجمة يتجاوزها البعض فيفترض ويترجم، وهو ما حدث بالنسبة للكثير من كتب الثقافة الغربية التي يجدها القارئ العربي شبيهة بالطلاسم، فإن كان نزيها وضعها جانبا، وإن كان من الذين وقعوا تحت سطوة الخوف من الاتهام بالجهل، زعم استيعابه لها، بل وبدأ يشير إليها ويكتب حولها إن كان كاتبا·

(ربما لهذا السبب “شرح” العرب القدماء ولم يكتفوا بالترجمة، فكان الشارح الكبير “ابن رشد” مثلا)·

 

***

 

المشكلة الثانية أقل جدية، وأكثر طرافة، وصادفتني حين قرأت في الماضي ترجمة لمجموعة شعرية للشاعر الفرنسي “بودلير”، أتذكر آنذاك أن ما أثار انتباهي هو التشابه بين “بودلير” في نسخته العربية وشاعر الغزل العربي الشهير “ابن الأحنف”، كان “بودلير” الفرنسي الذي عاش في ضجيج القرن التاسع عشر بثوراته العلمية والصناعية والفنية نوعا من “العباس بن الأحنف” العباسي، كيف حدث هذا؟ وهل من المعقول أن ينطق بودلير الباريسي بعبارات مثل “القد الأهيف” و”الألحاظ التي تشبه السيف”·· وما الى ذلك في باريس سبعينات القرن التاسع عشر؟

لم أصدق بالطبع أن الأمور يمكن أن تتم بالتناسخ هكذا، ورجحت أن المترجم العربي أخضع بودلير لمستواه هو ولغته وآفاقه، فأجرى عملية تحويل “ثقافي” تشبه عملية تحويل جنس كائن ما من جنس الى آخر، هذه ترجمة غير مجدية بالطبع لا أستفيد منها كقارئ، لأن ما أريده من الكتاب المترجم أن ينقل لي قبل كل شيء إيقاع ثقافة، لا أن يحول نغمات “البيانو” الى نقرات على طبل أفريقي أو دف عربي مثلا، وصادفت سطرا شهيرا لبودلير ترجمه العرب قبل سنوات “وأقول “سطرا” لأن من الخطأ ترجمة لفظة “سطر” الأجنبية الى “بيت” العربية” وكان السطر يقول: “مدينة أسراب النمل مدينة محتشدة بالأحلام حيث يشد الشبح ردن ثوبك في وضح النهار”·· الطريف أن المترجم العربي حول أسراب النمل الى حشد البشر، وحول سطر الشاعر كله الى حديث عن “المدينة التي ينقض فيها الشيطان على السابلة نهارا”!

 

***

 

آخر طرف الترجمة العربية، بل وأخطرها ربما، جاءني بعد أن قرأت ترجمة للقصيدة الشهيرة للشاعر اليوناني “كافافيس” المسماة “أتيكا”، فرغم انتشار حكاية “عوليس” الذي ظل يجوب البحار طيلة عشرين عاما على سفينته في طريق عودته الى “أتيكا”، وهو موضوع القصيدة، في الثقافة العربية، ورغم صدور ترجمات عدة للقصيدة نفسها بالعربي، إلا أن المترجم كما يبدو لم يأخذ علما بكل هذا، فحول “عوليس” الى بدوي صحراوي، ورحلته رحلة في الصحراء، ونسي أن يكمل الصورة فيجعل “أتيكا” واحة من الواحات·

يبدأ مترجمنا القصيدة (ويمكن الرجوع إليها في كتاب “ديوان كافافيس شاعر الاسكندرية” - دار سعاد الصباح 1993 ترجمة نعيم عطية) هكذا: “إذا ما شددت الرحال الى إيثاكا” معروف بالطبع ما يعنيه “الشد” و”الرحال” في اللغة العربية، والذي لا يعادل على الإطلاق الرحيل على سفينة بحرا!·

ويكرر المترجم في سطور أخرى هذه المعادلة المضحكة بين الرحلة بحرا وبين المسير وركوب المطايا، فيقول الشاعر ما لم يقله: “لا تتعجل في سيرك”، ويستبدل لفظة جهابذة بعبارة “ذوي المعرفة”، ولعل الأمر الأكثر طرافة هو ترجمة أسماء العلم في اللغة اليونانية ترجمة معنوية، فالليستروجينيون يصبحون غيلانا، والسايكلوبات يصبحون مردة، وبوسايدون يصبح “إله البحر”، وكنا نتمنى أن تمتد فضيلة الترجمة المعنوية الى عنوان القصيدة الأصلي، فيكتبها المترجم “العتيقة” بدلا من “إيثاكا” على أساس أنها في الأصل “أتيكا” وهو الاسم الكنعاني باللفظ اليوناني، أما باللفظ العربي فهي “العتيقة”!

 

***

 

الترجمة بحاجة الى شيء أكثر أهمية من معرفة ألفاظ لغة من اللغات، إنها بحاجة الى المعرفة اللغوية الدقيقة بلغة المصدر والهدف، وبحاجة أيضا الى معرفة بثقافة النص المترجم، أي الثقافة التي ولد فيها، والعصر الذي نمت في أجوائه هذه الثقافة، وقد تصح هنا مقولة “جريم” الألماني الذي يرى في الترجمة رحيلا بين شاطئين، إلا أنه قد يقود الى اكتشاف أرض جديدة، ونرجح أن ما يعنيه “جريم” هو أن المترجم بنقله لإيقاع لغوي ودلالي الى لغة أخرى، يبتكر في لغته نصا جديدا غير مسبوق، أي أنه لن يعود من الشاطئ الآخر بآلة تقنية معاصرة مثلا، ولتكن حاسوبا، فيحولها الى صندوق لتفريخ الدجاج بحجة أن هذه الأمة وهذه اللغة ليست بحاجة إلا الى صندوق من هذا النوع، لا الى حاسوب يغير مخيلتها أو يضيف الى حساباتها شيئا مما لم تعرف على الأقل·

طباعة  

بعد عدد من الإصدارات الخاصة بالتراث والبيئة
خالد سالم يعود الى أصول “المصطلحات والمسميات البحرية”

 
وتــد
 
إصدارات
 
شعر
 
المرصد الثقافي
 
غادة السمان في "رسائل الحنين إلى الياسمين"
حين تحترق الروح بين المنفى والذاكرة والحلم