رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 12 محرم 1425هـ - 3 مارس 2004
العدد 1617

وتــد

الفكرة يتيمة·· والقاموس لنا

 

نشمي مهنا 

(1)

 

الفكرة اللامعة المبتكرة لا تقدح إلا في العتمة، ولا تولد إلا في الوحدة ورأس الفردانية، هي لا تحب الضجيج، ولا يمكن لها أن تأتي في حوار، أو ساعة تفكير جماعي، لذا فاللجان ومجموعات العمل فاشلة، وستظل كذلك، لأنها لا تخترع إنما تتقاتل·

العقول حينما تتقابل وجها لوجه لا تتنازل أمام بهاء الفكرة الأخرى، لا تشجع ولا تنتظر اكتمال نموها، العقل الآخر يتفرغ للمواجهة وأشياء أخرى مثل محاولة الوأد أو خنق الأنفاس لأنه منشغل حينها بنفسه، فلم ير ولم يسمع·

الفكرة المبدعة تلك، تفرح بيتمها، طبيعتها أن تظل هكذا، لها ليلها لا تولد ولا تكون إلا فيه، وحينما يجيء نهار الناس تذيع اسمها وتعلن عن نفسها، قبولا واجهت أم رفضا·

الأمم والشعوب والجماهير لا تفكر جماعيا وإلا لما اخترعنا وظيفة القائد والزعيم والقيصر والرئيس، لم تكن تلك الوظيفة شاغرة أصلا فملأناها حبا في الطاعة والخضوع لفكر الفرد الواحد، هي ضرورة خلق وإن انحرفنا بها عن أصل مهامها منذ جنون ما قبل الميلاد·

والعمل الكتابي والفني المبدع لا يكتبه قلمان، كل التجارب المشتركة أيبسها الزمن ليثبت فشلها، إلا الناجي القليل منها والذي يقول (ويثبت الزمن أيضا) إنها كانت ثمرة فكر واحد كان الأصل، وكان الظل الثاني يلم ما تساقط منه·

وهل سيبقى على أرضنا ظلٌ بعد رحيل الضوء؟!

الفكر والشعر والرسم، الفن بألوانه، والكتابة بإبداعاتها تهرب من الضجيج، فالجأ الى عزلتك كي تضيء·

 

(2)

 

برع العرب باختراع أوصاف بالمئات للمرأة، ترصد حالاتها وحركاتها ومحاسن جمالها أو قبحها، وقامتها ولحمها وشحمها، ولم يتركوا ميزة أو لفتة منها إلا رصدوها بـ “مسمى”، كأنما اخترعت هذه الأوصاف الدقيقة المتحركة “كشفرة” بين أجدادنا الفحول ليستدلوا بها بـ “العين المجردة” على الموصوفة التي غابت عن عين واقعهم وحضرت في أحلامهم الصحراوية·

ماذا لو نفضوا غبارهم وشاهدوا معنا الآن “الفضائيات” بعد أن “اتسعت الرؤية” جدا هل سيظلون محتاجين الى كل تلك الأوصاف الراسمة لـ “جسد”؟!

ولكي يقرب الواصف في ذلك الزمان شكل الموصوفة (الأنثى في الأغلب لا المرأة) الى خيال المستمع ضرب له أمثالا من بيئته القريبة فهي كالناقة أو الفرس أو مظاهر الطبيعة كعين الماء أو النبتة الفلانية أو القمر (يعدد خليل عبدالكريم تلك الأوصاف لا يخرج أبعد من هذه المصادر الثلاثة)·

وبالمقابل، أين أوصاف الرجل؟!

كيف تتبادل نساء العرب تلك “الشيفرة” لوصف رجل “مشتهى” بغير الكلمات الباهتة كـ “وسيم” “ممشوق” و”مفتول”···؟!

كانت لهن كلماتهن الدقيقة والمعبرة والواصفة لكن تلك الأوصاف لم تغادر الخدر، وستظل محبوسة في ليلها، لذا فهي تختفي في زمن ما ويؤلف غيرها في زمن آخر، لأنها لا تدرج على ألسن النهار ولا تكرس·

فالقاموس لنا وحدنا، نبدع ونصف ونشتق كما نريد، وليس لهن سوى الهامش وأحاديث السمر وقهقهاته التي لن يحفظ منها التاريخ همسة أو كلمة، لأن فحولتنا سوف تخنق رائحة الفضيحة، التي هي بالأساس وصفا لمحاسننا!

 

(3)

 

التاريخ يشهد بأنا الأشد فتكا بالأنثى، والأكثر وصفا وعشقا وهوسا بمفاتنها، إلا أنه يعرض لنا أثرا يطمئننا بأننا لم نكن الوحيدين·

ففي ترجمة نادرة لعقد زواج بابلي، يقول النص: “باشتم ابنة كاهنة الإله شمش وابنتة أوزيبتم· ريموم بن شامخوم أخذها كزوج وزوجة 10 شيقل من الفضة·

استلمت هدية زواجها، فرح قلبها·

إذا قالت باشتم الى زوجها أنت لست زوجي فتربط وتُرمى في النهر·

إذا قال ريموم الى باشتم زوجته أنت لست زوجتي يدفع لها 10 شيقل كنقود طلاقها”·

عقد زواج بابلي كتب بمداد الفحولة، بعضنا يتمنى لو طبّق الآن ليهدّد زوجته برميها بكل سهولة في ماء الخليج!

 

nashmi@taleea.com

طباعة  

بعد عدد من الإصدارات الخاصة بالتراث والبيئة
خالد سالم يعود الى أصول “المصطلحات والمسميات البحرية”

 
الترجمة رحلة بين شاطئين·· واكتشاف أرض جديدة!
هل يجوز تحويل “بودلير” الى شاعر عباسي·· و”عوليس” الى راكب مطية؟

 
إصدارات
 
شعر
 
المرصد الثقافي
 
غادة السمان في "رسائل الحنين إلى الياسمين"
حين تحترق الروح بين المنفى والذاكرة والحلم