رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 12 محرم 1425هـ - 3 مارس 2004
العدد 1617

تشومسكي عن الجدار
أسوأ من بانتونات “الفصل العنصري”

·   صحافية إسرائيلية: المشروع بداية للترانسفير دون لفت أنظار العالم

·   تل أبيب تنفذ سياسات واشنطن والتسوية تعتمد على الموقف الأمريكي

 

نعوم تشومسكيü

لقد أصبح أمرا مألوفا أن تتخذ الكثير من الحكومات المخاوف الأمنية ذريعة حين تقدم على القيام بأي خطوة مثيرة للجدل، والجدار الذي تطلق عليه إسرائيل اسم “السياج الأمني” هو خير مثال على ذلك·

إن أحدا لا يعترض على حق إسرائيل في حماية مواطنيها من الهجمات الإرهابية كالعمليات الانتحارية بما في ذلك بناء جدار أمني إذا كان وسيلة ناجعة في هذا الشأن، ولكن إذا كان الجدار يهدف الى ضمان الأمن، فيجب أن يبنى داخل الأراضي الإسرائيلية وعلى طول حدود معترف بها دوليا، أي الخط الأخضر الذي أقيم بعد حرب 48-1949·

وحينئذ يمكن للجدار أن يحقق الهدف المعلن عنه من خلال قيام دوريات للجيش الإسرائيلي بمراقبته من كلا الجانبين (الإسرائيلي والفلسطيني) ويمكن زرع الألغام حوله بحيث يتعذر اختراقه· فمثل هذا الجدار سيعزز الأمن الإسرائيلي الى أقصى درجة ولن يثير أي احتجاجات دولية ولن ينطوي على أية انتهاكات للقانون الدولي·

 

جرائم سياسية

 

وهذه ملاحظة يفهمها المجتمع الدولي جيدا، ففي حين تؤيد بريطانيا معارضة الولايات المتحدة لقيام محكمة العدل الدولية في لاهاي بالنظر في قضية الجدار، إلا أن وزير الخارجية جاك سترو، كتب يقول إن الجدار “غير قانوني”· وقال مسؤول آخر في الوزارة قام بمعاينة الجدار أنه كان ينبغي أن يبنى على طول الخط الأخضر أو “في الواقع على الجانب الإسرائيلي من الخط”، ودعت لجنة تحقيق في البرلمان البريطاني أيضا، أن يبنى الجدار على الأراضي الإسرائيلية ونددت به باعتباره جزءاً من “استراتيجية إسرائيلية مقصودة لقهر وإذلال المواطنين الفلسطينيين”·

وما يفعله هذا الجدار في الواقع هو ابتلاع الأراضي الفلسطينية، كما أنه يساعد - على حد وصف عالم النفس الاجتماعي الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ لحرب “الجرائم السياسية” التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين - على تحويل التجمعات الفلسطينية الى زنزانات تصبح معها بانتونات جنوب أفريقيا (إبان الفصل العنصري) رموزا للحرية والسيادة وحق تقرير المصير·

وحتى قبل أن تبدأ أعمال البناء في الجدار العازل، قدرت الأمم المتحدة أن الحواجز الإسرائيلية ومشروعات البنية التحتية والمستوطنات خلقت أكثر من 50 جيبا فلسطينيا معزولة في الضفة الغربية· وحين ظهر تصميم الجدار الى العيان، قدر البنك الدولي أن عدد السكان الذين سيعزلهم الجدار يتراوح ما بين 250-300 ألف مواطن فلسطيني أي أكثر من 10 في المئة من السكان، وأنه قد يؤدي الى ضم 10 في المئة من أراضي الضفة الغربية، وحين نشرت حكومة أرييل شارون في النهاية الخريطة المقترحة للجدار، اتضح أن الجدار سيقسم الضفة الغربية الى 16 جيبا معزولة عن بعضها وتمتد على 42 في المئة فقط من مساحة الضفة الغربية وهي المساحة ذاتها التي سبق لشارون أن اقترح قيام الدولة الفلسطينية عليها·

 

قفص كبير

 

وقد قضم الجدار حتى الآن بالفعل، أكثر أراضي الضفة الغربية خصوبة، ووسع نطاق سيطرة إسرائيل على مصادر المياه، بحيث تقوم السلطات الإسرائيلية والمستوطنون بتوزيعها وفق مشيئتهم في الوقت الذي لا يحصل فيه سكان البلاد الأصليين على المياه من أجل الشرب·

وسوف يسمح للمواطنين الفلسطينيين الذين سيجدون أنفسهم محشورين في الشريط الواقع بين الجدار العازل والخط الأخضر بتقديم طلب من أجل الحصول على حق البقاء في منازلهم، وسوف يصبح من حق إسرائيل استخدام هذه الأراضي بصورة تلقائية، وقد كتبت الصحافية الإسرائيلية أميرة هاس في صحيفة “هآرتس” أخيرا تقول إن “الاختباء وراء الذرائع الأمنية والصياغات البيروقراطية للأوامر العسكرية التي تبدو للمراقب أنها محايدة، ما هي إلا مقدمة لطرد السكان العرب ويبدو أن إسرائيل تنوي تنفيذ عمليات طرد بأرقام قليلة ولا تلفت أنظار العالم وتسبب الصدمة للرأي العام العالمي”، وينطبق الشيء ذاته على عمليات القتل والإرهاب وعمليات القمع والإذلال على مدى 35 عاما من الاحتلال الوحشي تمت خلالها السيطرة على الأرض والموارد وإعطائها للمستوطنين، إضافة الى حوافز وإعانات أخرى·

ويبدو أيضا أن إسرائيل سوف تنقل سبعة آلاف وخمسمئة مستوطن يهودي قالت إنها ستخليهم من قطاع غزة أخيرا، ستنقلهم الى الضفة الغربية، ويتمتع هؤلاء المستوطنون بمساحات واسعة من الأرض وكميات وافرة من المياه العذبة، في الوقت الذي لا يجد أكثر من مليون فلسطيني في غزة، كفايتهم من مياه الشرب وغالبا ما يستخدمون مياهاً غير صالحة للاستخدام فالناس في غزة يعيشون في قفص كبير وتتعرض مساكنهم وممتلكاتهم، كما هي الحال في رفح وأماكن أخرى من الأراضي المحتلة، الى عمليات هدم بشكل منظم، وكذلك كثيراً ما يجري عزل الناس عن الاتصال بمصر عبر الحدود أو بمياه البحر·

 

تسوية سياسية

 

وإنه لأمر مضلل أن نطلق على هذه الممارسات أنها سياسات إسرائيلية، بل إنها سياسات أمريكية - إسرائيلية، لأنها أصبحت ممكنة بفضل الدعم الأمريكي العسكري والاقتصادي غير المحدود لإسرائيل، وقد بدأ ذلك منذ عام 1971 حين رفضت إسرائيل - نتيجة لما تحظى به من دعم أمريكي - عرضا مصريا لإقامة سلام كامل مع إسرائيل التي فضلت التوسع علي الأمن، وفي عام 1976، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لإحباط مشروع قرار من مجلس الأمن يدعو الى حل يقوم على دولتين وفقا للإجماع الدولي، ويحظى الحل القائم على دولتين اليوم بتأييد غالبية الأمريكيين، ويمكن أن يصدر قرار عن مجلس الأمن بصورة فورية لو أرادت واشنطن ذلك·

وعلى الأرجح يمكن أن تفضي جلسات الاستماع في محكمة العدل الدولية الى توصية استشارية بعدم قانونية الجدار، ولكنها لن تغير من الواقع شيئا· أن أية فرصة حقيقية لتحقيق تسوية سياسية - وحياة كريمة لشعوب المنطقة - يعتمد على الولايات المتحدة·

 

Ü بروفيسور علم اللغويات في معهد ماساتيوشتس للتكنولوجيا ومؤلف كتاب “الهيمنة أو البقاء: سعي الولايات المتحدة للسيطرة على العالم”·

 

“ عن صحيفة نيويورك تايمز “

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

فضيحة عقود جديدة في العراق بطلها أحمد الچلبي
9 شركات لأصدقاء ومقربين منه هيمنت على المقاولات النفطية والأمنية

 
تغيير سياسات أمريكا·· شرط أساسي لتحسين صورتها في العالم العربي