رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 5 محرم 1425هـ - 25 فبراير 2004
العدد 1616

في محاضرة “النزعة السردية في قصيدة التفاصيل اليومية”
آدم يوسف: العبثية وضبابية الأفكار المطلقة والاحتكاك بأشيائنا اليومية أهم صفات قصيدة التفاصيل الخليجية

                                       

                                                  آدم يوسف والزميل نشمي مهنا

 

كتب المحرر الثقافي:

ضمن أنشطة رابطة الأدباء في الكويت في موسمها الثقافي قدم الباحث والشاعر آدم يوسف محاضرة بعنوان “النزعة السردية في قصيدة التفاصيل اليومية أشار فيها الى مجموعة من التعريفات لقصيدة التفاصيل والى عناصر السرد واختيار نصوص شعرية تطبيقية عدة أغلبها من قصائد النثر، قدمه في المحاضرة الزميل نشمي مهنا·

بدأ المحاضر حديثه بتمهيد قال فيه: “يتنامى العنصر القصصي في قصيدة التفاصيل اليومية مع اتساع وازدياد أفق الرؤية المشهدية والسرد المفصل لتفاصيل المكان، مما ينتج عنه وبشكل تلقائي تضييق وانحسار لمساحة الغنائية في القصيدة لصالح الموجودات الحسية، والتي تتفاعل مع الحدث في إطار زماني ومكاني مشترك، ومع انحسار النزعة الغنائية لم تعد “أنا” الشاعر تطغى على القصيدة، كما تراجعت تلك المفردات التجريدية لصالح ألفاظ أخرى “تجسيدية” تمنحنا وصفا مشهديا للمكان، ولم تعد القصيدة الجديدة تحفل بألفاظ مثل “الحب، الشوق الوجدان، الولع، السهر، دموع الحب·· إلخ” كما أنها لم تعد تحفل بمحتويات الكون وأشيائه الكلية مثل: السماء، القمر، النجوم، أو التفاني في أشياء الطبيعة الخلابة وهي النظرة التي سادت في وقت ما في القصيدة الرومانسية، ومن هنا ندرك سبب تغلب أو طغيان العنصر القصصي في القصيدة، مما يوجب دراستها من زاوية سردية”·

ثم أشار الى تعريف السرد بقوله: “يقدم سعد البازعي وميجان الرويلي تعريفا لعلم السرد Narratolgy وهو “دراسة القص واستنباط الأسس التي يقوم عليها، وما يتعلق بذلك من نظم تحكم إنتاجه وتلقيه، ويعد علم السرد أحد تعريفات البنيوية الشكلانية، كما تبلور في دراسات كلود ليفي شتراوس، ثم تنامى هذا الحقل في أعمال دارسين بنيويين آخرين منهم البلغاري تزيفيتان تودوروف الذي يعده البعض أول من استخدم مصطلح Narratolgy، والفرنسي جوليان كريماس والأمريكي جيرالد دبرانس، وفي فترة تالية تعرض لتغيرات فرضها دخول تيارات فكرية ونقدية أخرى، إما تحت مظلة ما بعد البنيوية كما في أعمال الفرنسي رولان بارت أو من خلال الماركسية التي تعرف أحيانا بما بعد الماركسية، كما في أعمال الأمريكي فريدريك جميسون·

في قصيدة التفاصيل اليومية يبرز بشكل واضح العنصر القصصي من خلال بروز الفضاء المكاني (البيت، الغرف، الفندق، الشارع، المقهى، إلخ) مع تأطير الحدث في حدود زمانية وبروز الفعل بصيغه الكثيرة، مما يتيح مساحة أكبر لدينامية القصيدة وحركة الحدث فيها، وقد برزت أخيرا بعض الدراسات التي تعنى بهذا الجانب وتتناول تعدد الأصوات داخل القصيدة الواحدة، بعد أن كانت معظم الدراسات تتناول الجانب الغنائي في القصيدة، ويرجع دكتور حاتم الصكر في كتابه (مرايا نرسيس) الإهمال للقص في الشعر العربي الحديث الى بعض التصورات والاعتقادات الخاطئة في مقدمتها:

- الاعتقاد بغنائية الشعر العربي وحضور (أنا) الشاعر حضورا طاغيا، مما يلغي الجوانب الحوارية ومظاهر القص، بسبب ما يفرضه الوجدان الشعري الطاغي من تجريد وتهويم صوري ولغوي وعاطفي·

- الاعتقاد بقوة الحدود الفاصلة بين الأجناس والأنواع الأدبية واستقلال بعضها عن البعض·

- الاعتقاد بنثرية القص الخالصة وما يستلزم من جماليات خاصة تقربه من الوقائع التي يتأسس عليها القص، فيما تتكون القصيدة “لغويا” من هيئات وتشكيلات صورية ولغوية وإيقاعية، لا مجال فيها لاستيعاب الواقعة وتحديد جوانبها السردية”·

ثم ينتقل المحاضر الى تعريف الفضاء المكاني: “يمكن أن يطلق مفهوم الفضاء على الحيز المكاني في الرواية أو الحكاية عامة·

الفضاء الجغرافي: وهو مقابل لمفهوم المكان، ويتولد عن طريق الحكي ذاته، إنه الفضاء الذي يتحرك فيه الأبطال، أو يفترض أنهم يتحركون فيه·

فضاء النص: وهو فضاء مكاني أيضا غير أنه متعلق بالمكان الذي تشغله الكتابة الروائية باعتبارها أحرف طباعة على مساحة من الورق”·

 

عناصر السرد

 

ويضيف آدم يوسف: “في القصيدة الخليجية المعاصرة يظهر مفهوم الفضاء بشكل واضح في البنية الشعرية، مما يخلق حالة من التناص بين القصيدة والنص الروائي، فالمكان هنا عنصر مشترك إضافة الى وجود تسلسل زماني في بعض القصائد ولننظر في النص التالي بعنوان (انتباه) للشاعر السعودي إبراهيم الحسين:

سأخرج الآن··

هابطا درج الدار

سأحدق طويلا هناك

لأرى أيها أكثر أثلاما

أنظر الى الإسفلت

في أي البقع أكثر سوادا

وقد ألمسه بيدي

عند أول منعطف

سألج رافعا رأسي

أتحقق من علو البنايات

أستند الى الجدار

أحصي·· النوافذ

الأبواب·· الألوان

أخطو - بعد ذلك - الى

 

أحد الأرصفة

 

يبدو التحديد الزمني واضحا في الوحدة الأولى من القصيدة، في مقابل عبثية الخاتمة وضبابية الرؤية فيها فالتحية هنا “ليست لأحد” فعل النفي (ليس) في ختام القصيدة يقابله تأطير زماني واضح “سأخرج الآن” وهذه العبثية مع ما يصاحبها من شك في الأمور وعدم تحديد صفات مطلقة للأشياء هي من أبرز سمات قصيدة  التفاصيل اليومية، إضافة الى أن الشاعر يفصل لنا هذه الأشياء التي نحتك بها وتتداخل معنا كل يوم (تفاصيل الأبواب، النوافذ في البنايات العالية، البلاطات في الرصيف واحد واحدة) ولا ننسى أن الشاعر هنا يصوغ لنا أحداثا مرافقة أو فرعية تأتي في ثنايا الحدث الرئيسي، فهو يخلع نعليه قبل أن يصعد الى العشب، ويصغي جيدا الى هدير السيارات، ويبسط راحتيه تحت ضوء الشمس ليتأمل أصابعه”·

ويختار المحاضر نموذجا آخر: “في قصيدة سيف الرحبي “سهرة” نجد شرحا مفصلا لمنجز مكاني يستعد لسهرة مألوفة:

كل شيء بانتظارهم

الكؤوس والأدمغة وعناكب الرفوف

والصالة وهي ترسم بلعابها المدعوين

وهكذا تبدأ القصيدة بإضاءة سريعة لمكان الحدث: “الأبواب، وصالة تتسع لتحركات راقصين سكارى”، وأما محتويات المكان فهي: “الكؤوس، والأدمغة الفارغة، وعناكب الرفوف”، وبعد أن تبدأ القصيدة بعرض ضيق لمحتوى الفضاء الأصغر (صالة للسهر) تنتقل بعد عشر وحدات شعرية للحديث عن فضاء أرحب، إنه الفضاء الذي يستوعب جولات سائق التاكسي والفضاء الذي يستقبل مطرا وسحبا كثيرة، إذن المكان في القصيدة يبدأ مع الأضيق وينتقل الى الأرحب· وبعد أن تصل الرحابة الي مداها لا بد من الغياب والتلاشي حيث تختتم القصيدة على النحو التالي:

ومن هذا المكان رحل الجميع الى بيوتهم تاركين ذئابا صغيرة تحدث في ديكور الصالة

حيث الأغاني ما تزال سكرانة تدخن سيجارة الغياب

إن حالة التوازي العكسي التي نستشعرها ما بين افتتاح القصيدة التي تشعرنا بالكثرة (كل شيء في انتظارهم) وختاما التي تنتهي بالغياب تجعل هذا النص شبيها الى حد كبير بنص الشاعر إبراهيم الحسين في قصيدة (انتباه) التي تبدأ بتحديد زمني واضح وتنتهي الى العبثية واللاشيء إشارات دالة على قسوة إنسان المدينة وطريقة عيشه·

 

فضاء الغرفة وأشياء صغيرة

 

وتحت هذا العنوان يقول: “يشهد عالم الغرفة بأشيائه الحميمة حضورا كبيرا لدى شاعر قصيدة التفاصيل، فقد أصبح وصف الموجودات الحسية برؤية مشهدية أسلوبا مفضلا لدى كثير من شعراء الجيل الحالي، وقصيدة اليوم هي قصيدة مشهدية تتفاعل فيها جميع الأشياء، فالخزانة تبتسم للشاعر، والنافذة تدخل في حوار حاد مع السرير، والستائر تتلصص على أسرارنا وأشيائنا المخبوءة، إنه عالم الغرفة الذي جعل له الشاعر الحديث حضورا جماليا في القصيدة·

الشاعر إبراهيم الملا يشاكس الغرفة ويخاطب أشياءها الصغيرة يقول:

ماذا لو تركت المشاعل

على الرف

وفتحت الدواليب

لشغب الظلال

ماذا لو كنست البياض من الغرفة

أو أجلت المحبة ليوم

ماذا لو تركت يديك في الطيف

والشراشف في السماء

وأزحت عن الورد وحشتها

ماذا لو مت قليلا

على غفلة من الحجرات

وتريثت في سهوي

مثل جرح نسيناه

وأسماء صبغناها بالغياب

ولم نزل

ويأتي السهو أيضا مقرونا بالغياب في نص آخر بعنوان “ليل” لنفس الشاعر يقول:

كم من الظلال

نامت في هذه الخزانة

الأرق وحده

قصرنا العائم في السهو

ويبدو أن قاموس الغياب والسهو هو الذي يطغى على مفردات الشاعر الملا، حتى ولو كان حديثه عن أشياء بالغة الحسية والتجسيد مثل محتويات الغرفة”·

 

الأجناس الأدبية وأفق التناص

 

وعن التناص يختار آدم يوسف بعض النماذج: “لقد كان التناص أحد مقترحات نقاد ما بعد البنيوية الذين أحسوا بأن تأمل بنية النص نسقيا على النحو الذي أرادته البنيوية يغلق أفق القراءة ويجرد بنية النص دون الإحاطة بشعريته التي تؤدي فيها الدلالة والعوامل السياقية الأخرى دورا مهما، إن ثمة نسبا وقرابة لازمة بين النص وسواه من أفراد النوع ومن أبرز محاور “التناص” تلك القرابة البنائية بين فنون متباعدة، ونصوص من أجناس وأنواع متباينة، وفي ضوء ذلك جرى فحص السردي داخل الشعري كما جرى تأمل علاقة الشعري بالتاريخي والمحكي والمروي·

وأما لدى الشاعرين صلاح دبشة وإبراهيم الملا فالعنوانان هما: أمل/ فجر والعلاقة بين الكملتين عامل/ نسوة باعتبار كل منهما إشارة دالة، هي علاقة تأنيث وتذكير، فالإنسان العامل موضوع القصائد قد يكون مؤنثا وقد يكون مذكرا·

وأما العلاقة بين أمل/ فجر فهي علاقة زمانية تجمع بين معنى مجرد (الأمل)، ووقت حدوثه، أي وقت انطلاق هذا الأمل الذي غالبا ما يكون مع بزوغ الفجر حيث تنطلق الكائنات طلبا للرزق المتاح، وبدمج هذه المفردات نستطيع أن نسوغ الجملة الآتية:

ينطلق العمل (نسوة/ ذكور) في ساعات (الفجر) (أملا) في الرزق المتاح، أو أملا في أن يجدوا شارعا نظيفا يخلو من (أخلاقنا) القذرة، كي يستريحوا قليلا، وهذا المعنى نجده بوضوح لدى الشاعر صلاح دبشة في قصيدة أمل والتي تبدأ على النحو التالي:

عمال النظافة

يمسحون المدينة بأجسادهم

يلملمون أخلاقنا من الشوارع

أخلاقنا التي أتعبتهم

وعلقت أفكارهم على الحائط

فكلمة (أخلاقنا) الواردة في القصيدة يمكن قراءتها قراءة مزدوجة حيث ترد في المعاجم “خلق” يخلق، خلوقا، الثوب، أي بلي وترد بمعنى “الخلق”، وهو معنى مجرد، أي أن الشاعر - وبتلاعب لفظي - ترك لنا الخيار لتفسير هذه الكلمة التي قد تأتي بمعنى مجرد أو معنى محسوس لثياب “بالية” وفي كلتا الحالتين يتعرض عامل النظافة للإرهاق والتعب، فالخرق البالية التي نحذفها في الشارع ناتجة عن أخلاقنا السيئة وسلوكنا غير السوي، ونجد في القصيدة أسلوبا سرديا يتكئ على وجود الفعل بصيغته المضارعة والفاعل (عامل النظافة) الذي يكاد يأخذ دور البطل في هذه القصيدة/ القصة·

ووجود العنصر السردي يكاد يكون سمة تجمع القصائد الأربع، ففي قصيدة دخيل الخليفة يطالعنا المقطع التالي:

كل صبح

(يمكيج) وجه الطريق

ويغسل أوساخ ليلتنا

ويهيم

على سلم الحلم·

فعامل النظافة ينطلق كل صباح ليغسل أوساخ ليلتنا و(يمكيج) وجه الطريق·

ويبدو تحديد زمن وقوع الفعل في متن القصيدة لدى دخيل الخليفة يتوافق والعنوان الذي وضعه إبراهيم الملا مجردا لقصيدة فجر، وفي الحقيقة فإن هذه المفردة (فجر) تكاد تكون محورا تتمركز حوله كامل القصيدة وإشاراتها الدالة، حيث تتكرر ثلاث مرات في بداية القصيدة ومنتصفها والختام يقول:

رأيناهم ربما لوقت قليل

عمال الفجر

الذين أزاحوا الشمس من الغرف·

وإذ تستفتح القصيدة بفعل الرؤية لهؤلاء العمال يتوغل المعنى ويصبح أكثر انسجاما في وسط القصيدة، حيث يتحول هؤلاء العمال الذين رأيناهم للتو الى أصدقاء لنا:

عمال الفجر

أصدقاؤنا حينما نتذكر

إن الكسل حلو هو الآخر

وله طعم النساء

وأما في آخر النهار وبعد عناء طويل وتعب فإن عمال الفجر يبحثون عن قبر يدفنون فيه نهارهم طلبا للراحة يقول:

عمال الفجر هناك

يحفرون قبرا لنهارهم

وختام القصيدة الذي يوحي بفعل الموت يتناص مع قصيدة الشاعر دخيل الخليفة الذي تنتهي قصيدته بفعل (الغياب) الذي هو وجه آخر للموت يقول:

عندما تتلهف نحو التلاميذ نظرته

تودع أجفانه جمرتين

···

غاب هذا الصباح”

ثم أعقب المحاضرة مجموعة من الأسئلة والمداخلات·

طباعة  

وتــد
 
إصدارات
 
خبر ثقافي