

· خطة مجلس المستعمرات: إلغاء تاريخ دولة فلسطين والاندماج في دولة يهودية
· خطة شارون: دولة فلسطينية على %55 من أراضي الضفة الغربية بشروط
· خطة حزب العمل: القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل باعتراف دولي
إعداد: عبدالله عيسى الموسوي
منذ أن سلك الجانب الفلسطيني مسار التسوية بعد قبوله المشاركة الرمزية في مؤتمر “مدريد” للسلام منذ ثلاثة عشر عاما وهو يقدم جملة ضخمة من التنازلات المذلة في سبيل الحصول على فتات الأرض وأشباح دولة حتى لو استلزم الأمر التخلي عن الثوابت الوطنية والشرعية، وحتى تلك التي كفلها القانون الدولي والتي لم يكن يدور في ذهن أي من قادة الكيان الصهيوني أنه سيأتي اليوم الذي يقدم فيه الجانب الفلسطيني تنازلات بهذه الصورة الفجة·
واعتبارا من “اتفاق أسلو” عام 1993م إلى ما يسمى “مبادرة شارون” عام 2003م، يبدو أن “بازار التسوية” مازال مفتوحا أمام كل من يرغب في الإدلاء بدلوه وتدبيج بيان يسميه خطة أو مبادرة، طالما أن الشرعية الدولية متوقفة عن العمل عندما يتعلق الأمر بالصراع الأشد تعقيدا في الشرق الأوسط·
وجميع المبادرات التي طرحت في هذا المجال جعلت الكيان الصهيوني - الطرف المعتدي والمحتل - هو المتحكم بمصيرها بحيث يحولها في البداية إلى جسر لكسب الوقت ثم يمتص منها ما يفيده ليشرع بعد ذلك تنكيلا بها، إلى أن يدفنها، مع تحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية كل ذلك·
وفي دراستنا الموجزة هذه، سنستعرض خطط التسوية الرئيسية من “أوسلو” إلى “صوت الشعب” ثم نعرج من دون الدخول في تحليل مستفيض ومعمق أهم مبادرات التسوية التي طرحت في الفترة الأخيرة وهي أربع: “وثيقة جنيف”، “خطة مجلس المستعمرات”، “خطة حزب العمل”، “خطة شارون للسلام”·
تاريخ خطط التسوية
من “أسلو” إلى “صوت الشعب”:
بعد ستة أشهر من المفاوضات السرية في “أسلو” وفي احتفال مهيب أقيم في واشنطن في 1993/9/13م حصل اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية و “إسرائيل” حيث تم التوقيع على إعلان مبادىء حول الحــكم الذاتي الفلسطيني في مدينتي “غزة” و “أريحـــا” وتمت المصـــادقة علـــــيه في 1994/5/4م·
وفي 1995/9/28م وقع اتفاق انتقالي جديد حول توسيع الحكم الذاتي إلى بعض مناطق الضفة الغربية ونص على انسحابات “إسرائيلية” على مراحل·
وفي ديسمبر 2000م، طرحت خطة الرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون” التي دعت إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على كامل أراضي قطاع غزة و %95 من الضفة الغربية تبسط سيادتها أيضا على الأحياء العربية في القدس الشرقية، في مقابل تخلي الفلسطينيين عن “حق العودة”·
كما طرحت مبادرة لولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز في فبراير 2002م وتم إقرارها خلال القمة العربية التي عقدت في بيروت في 2002/3/28م وقد نصت على انسحاب “إسرائيل” من جميع الأراضي المحتلة في 1967م بما فيها هضبة الجولان السورية في مقابل تطبيع علاقات الدول العربية مع “إسرائيل”·
وفي يوليو 2002م تم توقيع إعلان مبادىء بين كل من “عامي أيالون” الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي و”سري نسيبة” وهــو شخصية اجتماعية فلـسطينية مستقلة ويعمل كأستاذ جامعي، وتضمنت الوثيقة قيام دولة فلسسطينية مستقلة على أساس خط 1967/6/4م وتقاسم مدينة القدس وتخلي الجانب الفلسطيني بوضوح عن “حق العودة” للاجئين·
وفي 2003/4/30م وضعت اللجنة الرباعية “الولايات المتحدة، الأمم المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي” خطة عرفت بـ “خريطة الطريق” ونصت على وقف الانتفاضة وتجميد الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية لتفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على مراحل بحلول عام 2005م إلى جانب “إسرائيل”·
بازار التسوية الجديد
* وثيقة جنيف:
- تعتبر “وثيقة جنيف” التي تم التوقيع عليها في احتفال إعلامي ضخم قبل أشهر عدة من أبرز مبادرات التسوية لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي حيث يعتبره الفلسطينيون - الانهزاميون - أفضل ما يمكن الحصول عليه من الجانب الصهيوني المتعنت·
ومن أهم النقاط الرئيسية التي طرحت في المبادرة:
- اعتراف “إسرائيل” بدولة فلسطينية تقوم على مساحة %97,5 من الأراضي التي احتلتها “إسرائيل” في عام 1967م·
- إخلاء المستوطنات الإسرائيلية في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة·
- ضرورة إيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين لكن دون الإتيان صراحة على مسألة “حق العودة”·
- عدم منح الجانب الفلسطيني حق السيادة على “حائط البراق” المقدس و “الحي اليهودي” في مدينة القدس، وستكون جميع الأحياء الاستيطانية اليهودية التي شيدت في مدينة القدس مشمولة بالسيادة “الإسرائيلية”·
- تكون الدولة الفلسطينيين “منزوعة السلاح” وتقوم “إسرائيل” بالإبقاء على قوة عسكرية صغيرة في وادي الأردن لمدة ثلاث سنوات·
- الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال إلا في حالات استثنائية يحددها الجانب الإسرائيلي ولم يرد لها ذكر في الاتفاقية·
وقد لاقت هذه الوثيقة معارضة شديدة في الجانب “الإسرائيلي” الذي وجد فيها تنازلا لا يمكن القبول فيه خصوصا وأن العرب في حالة من الضعف يمكن خلاله أخد المزيد من التنازلات منهم·
والسؤال المهم الذي يطرح نفسه حيال “وثيقة جنيف” هو من الذي يملك فعلا حق التصرف في أي شأن يخص الشعب الفلسطيني وحقوقه، وعلى أي أساس؟
وهل هؤلاء الذين فاوضوا في “جنيف” يملكون تفويضا من الشعب الذي يعملون من أجل مصلحته؟
وهؤلاء الذين يبيعون “حق العودة”، عودة الفلسطيني إلى وطنه، هل سألوا من يريدون منهم عودته عن رأيه؟ وهل تنازل الفلسطيني خارج وطنه عن هذا الحق لمن يدعون تمثيله أو التحدث باسمه؟·
ثم إن هناك نقطة في غاية الأهمية وهي القرار الدولي “194” الذي يكفل بكل صراحة مسألة “حق العودة”، هل تم شطبه كما شطب المتاجرون في سوق المبادرات والاتفاقات والخرائط غيره من القرارات التي تعوض تسوياتهم عن القليل مما تتضمنه وتضمنه في آن واحد؟
وكلنا يعلم أن المشاركين في صياغة وتوقيع هذه الوثيقة يمثلون شريحة بسيطة من الشعبين، وقاموا بالمهمة من دون تفويض رسمي أو شعبي، وبالتالي فإن الوثيقة ومضمونها تعتبر “حبرا على ورق” ليس أكثر·
وعليه، ونجد أن هذه الوثيقة قد ولدت ميتة وستبقى “جيفة” في مزبلة التاريخ لا أكثر ولا أقل·
* خطة شارون للسلام:
منذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية قبل 54 عاما سجل اسم السفاح “أرييل شارون” كواحد من أبشع من أنجبتهم “الأيدولوجية الصهيونية” التي تدعو لقتل وسفك دماء العرب·
والسفاح “شارون” يحمل سجلا دمويا حافلا بالإرهاب منذ أن شارك وهو شاب في العمليات الإرهابية لعصابة “الهاغاناه” عام 1946م مرورا بمجازر “قبيةَ” و “صبرا وشاتيلا” و “جنين” وغيرها العشرات·
واليوم، خرج علينا هذا الإرهابي ليلعن عن مبادرة “سلام” لحل النزاع في المنطقة فما بنودها؟”·
تنص “مبادرة شارون للسلام” على إنشاء دولة فلسطينية “صغيرة ومعزولة” فوق %55 فقط من أراضي الضفة الغربية وإدخال النسبة الباقية ضمن حدود “دولة إسرائيل”·
وحدد “شارون” مهلة زمنية لتنفيذ الاتفاقية التي لا تتضمن بالطبع أي سيادة فلسطينية على مدينة القدس أو حتى ذكر لمسألة “حق العودة” حيث اعترف “شارون” بنفسه في لقاء مع وسائل الإعلام أن الخطة لا تهتم بمصالح الفلسطينيين بل في الأساس هي موجهة لخدمة الشعب الإسرائيلي على حد قوله·
وإذا نظرنا إلى هذه الخطة من زاوية أخرى نجد أنها تمنح الفلسطينيين 9/1 من مساحة أرضهم التاريخية التي اغتصبت في أعقاب الجلاء البريطاني منها عام 1948م·
وقد قوبلت هذه الخطة برفض فلسطيني واسع، ولكن الخوف من أن تصبح خطة “قذرة” مثل هذه هي الحل الوحيد للقضية الفلسطينية في المستقبل خصوصا في ظل “بازار التسوية” الكبير·
* خطة حزب العمل:
مادام “بازار التسوية” مفتوحا على مصراعيه أمام كل من يريد عرض بضاعته، طرح حزب “العمل” الصهيوني المعارض اقتراحا جديدا في ساحة المبادرات السياسية نصت أهم بنودها على التالي:
- ترسيم حدود آمنة ومعترف بها بين الطرفين على أساس حدود عام 1967م مع إجراء - لاحظ النص - التغييرات التي تحتمها الاحتياجات الأمنية وضم التكتلات الاستيطانية اليهودية إلى “السيادة الإسرائيلية”·
- تكون “القدس الكبرى” التي تضم المستعمرات المحاذية عاصمة “إسرائيل” باعتراف العالم، أما في القدس الشرقية فيتم التوصل إلى اتفاق بناء على مبدأ ما لليهود لليهود، وما للعرب للعرب·
- عدم السماح للاجئين الفلسطينيين بحق العودة·
- القيام بخطوات أحادية الجانب تخدم المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية لـ “إسرائيل”، ويعاد نشر القوات الإسرائيلية على طول الحدود الجديدة حسب الاحتياجات الأمنية·
- تحتفظ “إسرائىل” بالسيطرة الجوية والبحرية في المنطقة·
وهذه الخطة، كما هي عادة “حزب العمل” تحمل الكثير من الغموض والعبارات المبهمة وهي مبادرة تهدف في الأساس إلى إيجاد دور لهذا الحزب الذي فقد من قوته ومكانته على الساحة الصهيونية·
وبالطبع، لا حاجة للتذكير بأن هذا الحزب قد أنجب الكثير من قادة الإرهاب الصهيوني وكانت له ممارسات إجرامية بشعة بحق الأبرياء العزل خصوصا في عهد قادته “رابين” و “بيريز” و “باراك”·
* خطة مجلس المستعمرات:
في خضم عرض البضائع في “بازار التسوية”، قام “مجلس المستعمرات بتقديم مشروعهم الذي نسف أي كلام عن الدولة الفلسطينية من أساسه، وروج لعشر ولايات ثلاث منها فلسطينية، وهي في واقع الحال معازل عنصرية، وتقام “دولة يهودية” على كامل تراب فلسطين من الماء إلى الماء، ويلغى نهائيا أي نقاش أو مراجعة عن أراضي عام 1948م وحدود عام 1967م، وكذلك أي حديث عن قرارات الشرعية الدولية وما كان من وثائق واتفاقات وخرائط ومبادرات منذ مؤتمر مدريد 1991م حتى الآن·
وأخطر ما طرحته هذه المبادرة “المسمومة” ما أسمته حق “الرحيل الاختياري”، للشعب الفلسطيني، وأما من يعيش في الدولة اليهودية الجديدة فسيعتبر “وافدا” أو يحمل جنسية الدولة اليهودية الجديدة، ما يعني شطب كل ما له علاقة بالوطن والهوية، وكل ما يمت إلى التاريخ الفلسطيني العربي العريق بأي صلة·
ولعل الصراحة التي أبداها مقدمو المبادرة هي أفضل ما فيها من دون أي مواربة أو تسويف حيث اعتبرها المستعمرون “أنها الخطة الوحيدة التي تطمئن اليهود في إسرائيل والعالم·· ودون ذلك كذب في كذب”، وقال عنها “بين شفي ليبرمان” وهو أحد أعضاء المجلس: “إن هذه الخطة تشكل ردا على مبادرة جنيف وخريطة الطريق اللتين تشكلان حلين سيئين جدا”·
كما أعلن المدير العام لمجلس المستعمرات “عادي مينتس” إن “من يوافق على دولة فلسطينية في الضفة الغربية فهو يقصد إبادة إسرائيل على مراحل”·
وحسب رأيي، فإن هذه المبادرة تمثل من دون أدنى خلاصة المشروع الصهيوني القائم على كيان غاصب عنصري يستجلب كل يهود العالم إلى فلسطين بموازاة ترحيل كل الفلسطينيين قسرا أو “اختياريا” من وطنهم·
* الخلاصة:
يبدو أن قدر ومصير الشعب الفلسطيني أن يعيش في أجواء هذا البازار “النتنة” والتي تفوح منها روائح الخيانة والتنازل عن الأرض والمدينة المقدسة، وكذلك عن حق العودة لنحو أربعة ملايين فلسطيني شردوا من أراضيهم قسرا عشية النكبة المشؤومة عام 1948م·
وفي ظل هذه الأجواء، نجد أن السلطة الفلسطينية ما انفكت عن دعوة فصائل المقاومة الفلسطينية لنبذ العنف وإيقاف الانتفاضة حتى لو تطلب الأمر أن يكون من جانب واحد بينما الصهاينة يعربدون في الأرض الفلسطينية من دون أي رقيب أو حسيب خصوصا من المنظمات الدولية التي ارتضت أن تكون أداة بيد الأحادية القطبية الممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية ليس أكثر·
ختاما، لا أجد غير أن أذكر بأنه كان من شروط قبول “دولة إسرائيل” عضوا في الجمعية العامة للأمم المتحدة وبالتالي الاعتراف بها دوليا هو قبولها تنفيذ القرار رقم 194م والذي نص على ضرورة قبول “إسرائيل” قرار التقسيم والسماح للاجئين بالعودة إلى أراضيهم وقراهم وتعويضهم ماديا نتيجة الأضرار التي لحقت بهم·
فأي هوان هذا الذي لحق بقضية الشعب الفلسطيني اليوم؟!!·