أ· د· علي الدين السيد محمد
عميد المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة
تعقيب:
مع تسليمنا بالأطر العلمية والمنطلقات النظرية التي أفرزت هذه الثوابت العلمية والتي انطلقت جميعها من الجهود الغربية إلا أننا في الوقت نفسه نتوخى الحذر من تطبيقها في عالمنا العربي ما لم تخضع للقياس والتجريب أو التعريب والتوطين للعوامل التالية:
1 - النظريات والنماذج والحقائق العلمية هي في النهاية مجرد فرضيات تتطلع للتعميم طالما هي نتاج لخاطرة عقلية أعقبتها محاولات مقننة ثم بحوث تجريبية أو مقارنة على أفراد أو أجهزة أو منظمات لإثبات مدى صدق الخاطرة ثم السعي الى تعميمها في مجتمعات معينة·
2 - فإذا كانت محاور هذه النظريات وبحوثها استمدت حقائقها البحثية من أفراد وجماعات ومنظمات لها في نهاية المطاف سلوكيات وأنماط خاصة بها، فهي في النهاية لا تصلح كليا لتعميمها على كل المجتمعات الإنسانية·
3 - تأسيسا على ذلك فالحاجة ماسة الى اختبار وقياس هذه المعطيات والخروج بتنظير عربي يتناسب مع مجتمعاتنا العربية بل يتناسب مع كل مجتمع عربي على حدة·
رابعا: خدمات الرعاية المتكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة في واقعنا العربي
“رؤية نقدية”
مع مراعاة بعض الفروق بين جهود الدول العربية، إلا أنها وفقا لتقارير أجهزة الجامعة العربية المختلفة وبحوثها في المؤتمرات المختلفة وخاصة في القاهرة 1972 وطرابلس ليبيا 2002 وغيرها والبحوث العلمية المتاحة في مصر والكويت والسعودية والمغرب وغيرها، تنحصر في نهاية المطاف في الخدمات التالية:
1 - خدمات صحية تقدمها وزارات الصحة تتركز في محاولات الكشف المبكر للإعاقة والعلاجات الممكنة، والخدمات الوقائية بين الإعاقة بالتطعيمات والفحوص الدورية الى جانب خدمات الرعاية العلاجية والتأهيلية للمعوقين·
2 - خدمات تعليمية: تقدما وزارات التربية والتعليم لتشمل التربية البصرية والتربية السمعية والتربية الفكرية فيما يعرف بالتعليم الخاص للمعوقين·
3 - خدمات تأهيلية: تقدمها وزارات الشؤون الاجتماعية أو التربية والتعليم أو الأنشطة الأهلية، وتشمل البحث الاجتماعي والعلاج الطبيعي والفحوص النفسية والتدريبات العلاجية والتدريب المهني والعلاج الطبيعي·
4 - خدمات إيوائية، تتبع في غالبها وزارة الشؤون الاجتماعية وبعض الجمعيات الأهلية، لإيواء ضعاف العقول القابلين للتعليم والتدريب ومن كان يطلق عليهم في الماضي المورون - البلة·
5 - خدمات الأجهزة التعويضية، لتقدم للمعوقين بأسعار مدعمة·
6 - حضانات الأطفال المعوقين، وفق برامج خاصة بكل إعاقة·
7 - مراكز العلاج الطبيعي تشرف عليها هيئات حكومية أو أهلية·
8 - خدمات اقتصادية ومعيشية تتمثل في المعاشات للمعوقين والعجزة والإسكان المدعم، وما قد يمارسه القطاع المدني من خدمات إعاشية كالزكاة والصدقات والوقف وما أشبه·
والنظرة الأولى لهذه الخدمات توضح أننا نقلناها متناثرة كأهداف عامة من توصيات التقارير الدولية وبحوث المؤتمرات التابعة لهيئة رعاية المعوقين والتي قدمت مجرد أنماط لخدمات معينة لرعاية المعوقين، دون التطرق الى آليات لتحقيق هذه الخدمات والتي تتحملها كل دولة على حدة تبعا لإمكاناتها، بمعنى أنها قدمت ماذا تفعل وليس كيف نفعل؟
إن التقييم العلمي لمعطياتنا العربية يكشف أن قرابة 350 بحث علمي بالجامعات المصرية، وتقارير هيئات رعاية الفئات الخاصة والمعوقين بجمهورية مصر العربية مارس 1994 والمجلس القومي للطفولة والأمومة أبريل 1996 لمشكلات الإعاقة في مصر، ومعيات بحوث علمية في بعض الأقطار العربية كالسعودية والأردن والكويت الى جانب الثوابت العلمية السابق عرضها في هذه الدراسة كلها تشير الى جوانب قصور أهمها:
1 - افتقاد خدماتنا لاستراتيجيات متكاملة تحدد الأهداف العامة والمرحلية وقاية وعلاجا·
2 - خدماتنا ما زالت نمطية لا تخضع للتقييم أو حساب الجدوى·
3 - افتقادها للتنسيق والتكامل لتناثرها بين الأجهزة المختلفة·
4 - غياب خدمات المتابعة الكاملة لملتقى الخدمات·
5 - بيروقراطية الأداء·
6 - تحول %35 من فئات المتدربين في التأهيل المهندي الى متسولين “في مصر”·
7 - افتقاد خدماتنا للإبداع والابتكار بما يناسب واقع الإعاقة عندنا·
8 - غياب الخدمات الوقائية للتوعية المبكرة للرأي العام ثقافيا وإعلاميا لتدعيم الخدمات الصحية الوقائية·
9 - نقص المهارة والرغبة والصلاحية في %50 من الكادرات المهنية العاملية “في راكز التأهيل في مصر”·
10 - افتقاد الاهتمام بفئات الإعاقة الاجتماعية كليا رغم انتشارها في عالمنا العربي·
11 - خدمات المعوقين هي لمن يطلبها اختياريا وهم %85 من أهل المدن الكبرى مع قلة نادرة لسكان القرى والبدو·
12 - الاعتماد الكلي على الإحصاءات السكانية لحصر المعوقين، مع غياب نظام البطاقة الصحية·
خامسا: نحو استراتيجية عربية لخدمات ذوي الاحتياجات الخاصة والتوصيات·
بداية نؤكد حقيقة أن هذه الدراسة وتوصياتها لا تزعم الدراية الكاملة بكل ما يمارس في أقطارنا العربية من خدمات للمعوقين، وإنما هي محاولة قابلة للجدل والمناقشة، فتأسيسا على كل ما تقدم نتقدم بمجموعة من التوصيات نجملها على النحو التالي:
1 - صياغة استراتيجية متكاملة لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة تراعي ما يلي:
(أ) تنطلق أهدافها وآلياتها من الواقع القيمي والمادي والسياسي لكل قطر عربي ومن توطين السياسات الدولية والغربية·
(ب) تحدد الممكن وليس التشدق بالمستحيل·
(ج) التركيز على الخدمات الوقائية·
(د) الاستثمار الأمثل للنشاط الأهلي·
2 - تشكيل مجلس أعلى لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وتكون مهامه:
(أ) الإشراف العام على تنفيذ الاستراتيجيات·
(ب) توزيع الأدوار والمسؤوليات·
(ج) إدارة عمليات التنسيق والتكامل·
(د) توفير المؤسسات والكادرات الفنية القادرة والراغبة·
(هـ) قيادة البحوث العلمية والمؤتمرات المختلفة·
3 - توصيات الخدمات الوقائية وتشمل:
(أ) تطبيق فوري لنظام البطاقة الصحية·
(ب) مواجهة السلوكيات والعادات المؤدية للإعاقة·
(ج) استخدام كل الأجهزة التربوية والإعلامية للتوعية الصحية والاجتماعية وخاصة في القرى والبادية·
4 - توصيات الخدمات العلاجية وتشمل:
(أ) إعداد قاعدة علمية محلية لتنظير كل الخدمات·
(ب) استحداث آليات للكشف المبكر·
(ج) تصميم بحوث قياس الجدوى لخدمات الرعاية المختلفة·
(د) المتابعة المتكاملة والمتواصلة لخدمات المعوق حتى يستقر اجتماعيا ومهنيا·
(هـ) الكشف عن الموهوبين من ذوي الاحتياجات الخاصة ورعايتهم رعاية خاصة·
(و) استحداث نماذج للتأهيل والتعليم والتأهيل الاجتماعي والترويح انطلاقا من الأنشطة والمراسم المحلية لتناسب معوقينا وثقافاتنا ومتواضعاتنا الاجتماعية والترويح والحفلات وما أشبه·
(ز) ضم الإعاقات الاجتماعية السائدة في كل قطر عربي لتلقي خدمات الرعاية لذوي الاحتياجات الخاصة - جنبا الى جنب مع الإعاقات الأخرى·
(ح) الاعتماد على النشاط الأهلي لممارسة التأهيل الاجتماعي والاستثماري للمعوق ومشكلاته الأسرية ومشكلاته الخاصة·
(ط) إنشاء أسواق للمعوقين غير القادرين لبيع السلع المدعمة تحقيقا لذواتهم كفئات قادرة لها هويتها ومكانتها في المجتمع·
(ي) تشجيع نظام الحوافز للمبدعين من المعوقين·
(ك) إعداد برامج إعلامية خاصة لفئات المعوقين·
انتهى