
· جورجيا ثاني أكبر دولة تحصل على المساعدات الأمريكية بعد إسرائيل
بقلم جوناثان ستيل:
باستثناء الانتفاضة السلمية التي أطاحت الرئيس الجورجي إدوارد شيفارنادزة، اتسم عام 2003 بالكثير من الحروب والأحداث الساخنة والعنف الدموي في أماكن متفرقة من العالم، ولكن حتى بعد الانتقال السلمي للسلطة في هذه الدولة الواقعة في منطقة القوقاز، لا تزال احتمالات وقوع أحداث عنف دموي، عالية بسبب محاولات قوى خارجية فرض إرادتها على الرئيس الجديد·
وفي الواقع، ليس من المبالغة القول إن جورجيا هي مسرح حرب باردة جديدة، ففي الحقبة السوفييتية، كان الصراع بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة وعلى نطاق عالمي، فقد كانت أوروبا تضم ترسانات هائلة من الأسلحة، لكن الحروب كانت تقع في أفريقيا وآسيا لأن القوى العظمى وجدت من الأسهل عليها التناحر هناك من خلال التدخل في النزاعات المحلية والإقليمية دون خوف من اندلاع مواجهة نووية بينهما، وقد أطلق على تلك الحروب آنذاك بـ “الحروب بالوكالة”·
تكسير أجنحة روسيا
ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يوقف العداء بين المعسكرين، بل حولته الى ساحة أكثر تعقيدا تعتمد على اللعب على التناقضات بدلا من خوض حروب مباشرة، لقد عملت واشنطن على خطب ود روسيا بعروض الشراكة في الوقت الذي مضت فيه بتوسيع الناتو بضم عدد من الأعضاء السابقين في حلف وارسو ومنهم دول البلطيق الثلاث·
وحتى حين بدا أن المهمة قد أنجزت، كانت إدارة كلينتون تسلط انتباهها على أجنحة روسيا الجنوبية في آسيا الوسطى والقوقاز، ومع تفكيك نظام السيطرة الرسمي لروسيا، كان هدف الولايات المتحدة يتمثل في تقليص نفوذ موسكو السياسي والاقتصادي الى أدنى مستوى ممكن·
وكانت جورجيا مرشحا مثاليا لبدء هذه المهمة لأن إدوارد شيفارنادزة أظهر - باعتباره وزيرا للاتحاد السوفييتي السابق - استعدادا كبيرا للرضوخ للمطالب الغربية، وقد تدفقت المساعدات المالية على جورجيا مما جعلها ثاني أكبر دولة تتلقى المساعدات - مقارنة بعدد السكان - الأمريكية بعد إسرائيل، وقد اتجهت المساعدات أيضا لتطوير عدد من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الجديدة·
وفي حين لا يجادل أحد بالحاجة الى مبادرات “الحكم الجيد” في الدول السلطوية أو الفاشلة، فإن من الأفضل أن تتولى هذه المبادرات هيئات غير ذات ميول حزبية مثل المنظمات غير الحكومية أو الهيئات التابعة للأمم المتحدة، بدلا من دول ذات أجندة استعمارية·
خط الدفاع الأخير
وعلى أي حال، فمع حلول عام 2003 وبعد عشر سنوات من حكم شيفارنادزة كان “الإصلاح” في جورجيا غير مثير للإعجاب، وتحولت البلاد الى أسوأ نمط للدول التي تخلصت من الشيوعية، حيث أثرت طبقة صغيرة من المسؤولين ومافيا رجال الأعمال من خلال التهريب وعمليات الخصخصة المشبوهة وسرقة ما تبقى من مؤسسات الدولة والسيطرة على الجمارك·
لقد تسامحت الدولة مع صحف المعارضة وسمحت بانتخابات ذات تعددية حزبية على افتراض أن سيطرة الدولة على التلفزيون ستتيح للطبقة الحاكمة التلاعب بالانتخابات، وكان خط الدفاع الأخير هو الجيش والشرطة اللذين عول عليهما شيفارنادزة إخماد التظاهرات بالقوة وإنقاذ نظامه، لأنهما كانا جزءا أساسيا من ذلك النظام·
وكانت صربيا التي ضاقت ذرعا بالفساد والحروب التي لا طائل منها قد اندلعت فيها أول ثورة في أوروبا ما بعد الشيوعية في عام 2000، وأدى سقوط ميلوسوفيتش الى انتعاش التوقعات بأن شيفارنادزة سيكون الضحية التالية·
وكان الجمهوريون الأمريكيون قد ساندوا استراتيجية كلينتون القائمة على إضعاف روسيا، وحين أصبحوا في السلطة عززوا هذا الاتجاه في السياسة الأمريكية، واستغلوا المخاوف من الإرهاب في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إضافة الى رغبة بوتين في الحصول على تأييد واشنطن لحربه الفاشلة في الشيشان مقابل موافقته على إنشاء الولايات المتحدة قواعد لها في آسيا الوسطى، وهي القواعد التي توحي الولايات المتحدة أنها موقتة ومرتبطة بحربها في أفغانستان ولكنها دائمة وموجهة ضد روسيا والصين والشرق الأوسط، وقد عمل الأمريكيون على تصعيد ما يمكن تسميته بـ “حرب خطوط الأنابيب” في القوقاز من خلال الضغط على الشركات الغربية باستبعاد الشركات الروسية في عمليات التنقيب عن النفط في المنطقة وعدم السماح بعبور أي من خطوط أنابيب النفط أو الغاز عبر الأراضي الروسية·
3 أسباب
فلماذا قررت واشنطن إذن التخلي عن شيفارنادزة؟ لقد كانت تلك نقطة خلاف داخل إدارة بوش، فقبل شهر نوفمبر كان معظم المسؤولين الأمريكيين يأملون أن يظل شيفارنادزة في السلطة الى نهاية ولايته العام المقبل، شريطة أن يسمح للمعارضة بأن تصبح الأغلبية في البرلمان ويبدأ في استئصال الفساد وعزل المسؤولين الفاسدين وأن يسمح بإجراء نقاش حول صيغة الدستور الجديد الذي قد يقلص من صلاحيات الرئيس·
وفي النهاية، انقلبت الولايات المتحدة ضد الدكتاتور القديم وطلبت منه الرحيل، ولم يكن الغضب من قيامه بتزوير الانتخابات الأخيرة هو السبب الوحيد، بل هناك عاملان آخران، الأول، هو الخوف من عدم الاستقرار بل وحتى الحرب الأهلية إذا لم يحصل المتظاهرون على مطالبهم بسرعة، والثاني، حقيقة أن شيفارنادزة، بالرغم من كل مواقفه الممالئة للغرب، كان سياسيا واقعيا يدرك حاجة بلاده لعلاقات سياسية واقتصادية طيبة مع روسيا·
صحيح أن انتقالا سلميا للسلطة قد تم عبر صناديق الاقتراع، لكن أحدا لا يعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك، ولم تعد روسيا - شأنها شأن تركيا الجارة الأخرى لجورجيا - قوة إمبريالية·
فلديها مصالح إقليمية طبيعة، وجورجيا محكومة بالجغرافيا والاقتصاد، أن تحتفظ بعلاقات طيبة معها، فهل ينتهج النظام الجديد في تبليسي سياسات قومية متطرفة ومناوئة لروسيا أم أنه سيفهم أن مساندة سياسة بوش القائمة على إشعال حرب باردة جديدة لن يعود بأي فائدة على جورجيا؟
“ عن غادريان ويكلي “
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com