
· تشيني ورامسفيلد يسيطران على السياسة الأمريكية تجاه فلسطين وكوريا الشمالية
· وزارة الخارجية و”سي· آي· إيه” تتحملان مسؤولية تدهور الأوضاع في العراق
· الولايات المتحدة أمام خيارين إما النصر أو الهولوكوست
بقلم: جيم لوبي:
إذا كانت هناك أي شكوك حول التوجهات السياسية للمحافظين الجدد في واشنطن تجاه الشرق الأوسط، فقد أثبت ريتشارد بيرل وديفيد فورام هذه الشكوك بصورة قاطعة·
إذ يصف هذان الزميلان في معهد أمريكان إنتربرايز American Enterprise Institute المعروف بكونه معقلا للمحافظين الجدد في واشنطن، كتابهما بعنوان “نهاية الشر” بأنه “دليل النصر في الحرب على الإرهاب”·
ويدعو الكاتبان في “نهاية الشر” واشنطن الى وقف تدفق النفط من العراق وإمدادات الأسلحة الى سورية وملاحقة الإرهابيين داخل الأراضي السورية، إلا إذا طبقت دمشق سياسات “ذات توجهات غربية” شاملة تبدأ بالانسحاب من لبنان، ويوصي الكاتبان بالعمل - بالقوة إذا لزم الأمر - على فصل المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في المملكة العربية السعودية، ما لم تبد الرياض “أقصى درجات التعاون” في الحرب على الإرهاب·
ويحض الكاتبان واشنطن على وقف محاولاتها لإقامة دولة فلسطينية قائلين “إننا لن نشفي غليل الحضارة الإسلامية الذي اتضح في الحادي عشر من سبتمبر 2001 بإقامة الدولة العربية الثالثة والعشرين على مرتفعات يهودا” (!)، ويطالبان بمساعدة المنشقين الإيرانيين في مساعيهم لإسقاط النظام في طهران “ويجب على هذا النظام أن يذهب، وهذه ليست وجهة نظر مؤلفي هذا الكتاب فحسب، بل وجهة نظر الغالبية العظمى من الشعب الإيراني”·
ولا يغفل الكاتبان عن المخاطر التي ينطوي عليها خوض ما وصفه زميلهما الصقر البارز في المحافظين الجدد والمدير السابق لوكالة المخابرات المركزية جيمس وولسي بـ “الحرب العالمية الرابعة”، (وذلك على اعتبار أن الحرب الباردة كانت الحرب العالمية الثالثة)·
النصر أو الهولوكوست
ويذهب الكاتبان الى أنه “لا حل وسطاً بالنسبة للأمريكيين، فإما النصر أو الهولوكوست، فالإسلام المتشدد يسعى الى إسقاط حضارتنا وإعادة صوغ الغرب وتحويله الى مجتمعات إسلامية وفرض دينه وشريعته على العالم أجمع، وكل الدلائل تشير الى أن الإسلام المتشدد يحظى بدعم واسع بل وحتى تعاطف أوسع في أوساط المسلمين في كل مكان بمن فيهم الأقليات المسلمة في الغرب”·
وفي الوقت الذي تبدو فيه قوة أمريكا في أوجها - من الناحية العسكرية على الأقل - يؤكد الكاتبان على أن “الإسلام المتشدد يهدد حتى بقاءنا كأمة”·
وفي الوقت الذي عبرا فيه عن إيمان متزعزع بوجود “إسلام معتدل”، إلا أنهما يميلان في كتابهما الى رؤى اليمين المسيحي المتوجسة تجاه الإسلام، وأشارا - على سبيل المثال - الى أن جذور الغضب الإسلامي تنبع من “الإسلام ذاته” وفي موقع آخر من الكتاب، يقولان “نحن بحاجة لتذكير النساء المسلمات باستمرار أن أعداءنا هم أعداؤهن وأن انتصارنا سيكون نصراً لهن أيضا”·
غضب قابل للاشتعال
ويرى الكاتبان أن النصر على الإرهاب في نهاية المطاف، يتحدد “في أذهان الرجال والنساء في العالم الإسلامي”، ويزعمان أن الغضب الإسلامي من موروثات الثقافة العربية، وأن “المتطرفين سواء كانوا متدينين أم علمانيين، سنة أم شيعة، شيوعيين أم فاشيين، فإنهم في الشرق الأوسط، يمتزجون بعضهم ببعض، وكلهم ينبثقون من مخزون الغضب القابل للاشتعال”·
والحل في نظر الكاتبين يكمن فيما يطلقان عليه “الدمقرطة” وليس الديمقراطية، والدمقرطة في الشرق الأوسط لا تعني الدعوة الى انتخابات فورية ومن ثم التعايش مع ما يحدث بعد ذلك، لقد جرب ذلك في الجزائر عام 1995، وكانت الانتخابات ستأتي بالمتطرفين الإسلاميين الى السلطة باعتبارهم البديل الوحيد المتاح للوضع القائم الفاسد (في الجزائر آنذاك)·
وهذا بالطبع “أمر غير مقبول، وما نحتاجه هو عملية إصلاح تدريجية وموجهة تقوم على أساس فتح آفاق سياسية يمكن من خلالها لشعوب الشرق الأوسط التعبير عن مظالمها بطرق تحض على الفعل لتحسين حياتهم”·
وفي حين لا يوصي بقراءة هذا الكتاب من قبل ذوي المشاعر المرهفة إلا أنه يقدم طريقة مفيدة في تقييم درجة التأثير التي يحظى بها أكثر المحافظين الجدد تشددا ممن قادوا الحملة لشن الحرب على العراق، على السياسة الخارجية لإدارة بوش·
وكان فورام يشغل منصب كاتب خطابات الرئيس جورج دبليو بوش الذي عزله من منصبه قبل أكثر من عام لأن زوجته زعمت أن زوجها “وليس جورج بوش” هو صاحب نظرية “محور الشر” التي أطلقها الرئيس في خطاب حالة الاتحاد في عام 2002، وقد استعان بيرل بفورام الكندي الأصل الذي لا خبرة له في مجال السياسة الخارجية، في تأليف كتاب حول الحرب على العراق·
أمير الظلام
وبالمقابل يمتلك بيرل خبرة واسعة في مجال السياسة الخارجية، فقد عمل مساعدا للسيناتور هنري جاكسون في السبعينات ولقب بـ “أمير الظلام” حين كان مسؤولا بارزا في البنتاغون في عهد الرئيس رونالد ريغان لمعارضته لأي مفاوضات للحد من التسلح مع الاتحاد السوفييتي السابق، ويحتل بيرل الصديق المقرب من نائب وزير الدفاع بول وولفويتز ومعلم وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية دوغلاس فيث، مركز شبكة المحافظين الجدد التي تضم منظمات مثل “المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي” و”مركز السياسة الأمنية” و”اللجنة الأمريكية للبنان الحر” و”معهد هدسون” و”مشروع القرن الأمريكي الجديد”، فضلا عن “معهد أمريكان إنتربرايز”، ولديه خبرة طويلة في مجال الأمن كرئيس سابق وعضو حالي لـ “مجلس السياسة الدفاعية” الذي تعامل بشكل وثيق مع مسؤولين لديهم توجهات بيرل ذاتها في البنتاغون وفي مكتب نائب الرئيس ديك تشيني·
وكما أشارت صحيفة واشنطن بوست ذات يوم، فإن “بيرل يمثل الجانب الثقافي لحركة المحافظين الجدد المتطرفين في السياسة الخارجية، وله تأثير على سياسات بوش ومسؤولي الإدارة الآخرين في معرض المنافسة على كسب قلب الرئيس ومستشارته لشؤون الأمن القومي كونداليزا رايس”·
رؤية من الداخل
وهكذا، فإن كتاب “نهاية الشر” يقدم رؤية من الداخل ليس فقط الى الجهة التي يريد بيرل للإدارة أن تتجه في حربها على الإرهاب، بل أيضا الى الطريقة التي ينظر فيها الى الشرق الأوسط·
ويدافع الكاتبان عن الفشل في التنبؤ بما سيؤول إليه وضع العراق بعد الحرب، والخطأ في نظريهما، يكمن في السياسات “المتساهلة” لوزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية “سي· آي· إيه” وهما الجهتان اللتان رفضتا الاستماع لرئيس المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي·
وينتقد بيرل وفورام “فقدان الكثير من أفراد النخبة السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة للجلد على القتال· ونحن نكاد نلمس ضعف الإرادة واللجوء الى عادات سيئة من الماضي كالشعور بالرضى الذاتي ورفض الاعتراف بالحقائق”·
وربما كان المؤلفان على حق في الافتراض أن الزخم وراء أجندتهما أخذ في الوهن، ويرى الرجلان في المستشار السياسي للرئيس بوش كارل روف الذي ربط بين تصاعد عدد الضحايا في العراق وتراجع شعبية الرئيس في استطلاعات الرأي وأوصى في أوائل شهر أكتوبر الماضي بضرورة عدم خوض الولايات المتحدة أي حروب في عام 2004 أو على الأقل لحين إجراء الانتخابات في نوفمبر المقبل، يريا فيه المجرم الرئيسي·
واقعيون
فمنذ ذلك الحين، يبدو أن تأثير المحافظين الجدد وكذلك تأثير البنتاغون ومكتب نائب الرئيس، قد اضمحل بشكل مضطرد، وفي المقابل، تصاعد دور “الواقعيين” في الإدارة من أمثال وزير الخارجية كولين باول·
وعليه، فقد انخفضت حدة اللهجة العدوانية والمتباهية بالنصر في خطاب الإدارة، بصورة ملحوظة منذ نهاية الحرب، وقد بدا عامل الاعتدال واضحا في التعامل مع قضيتي تايوان وإيران، وفي الواقع، فإن عرض إدارة بوش إرسال وفد رسمي رفيع المستوى الى طهران في أعقاب الزلزال الذي ضرب مدينة “بم”، لا بد أنه أصاب بيرل وأصدقاءه، بحالة من التشنج·
ورسائل واشنطن الدافئة التي وصلت الى ليبيا أخيرا، لا بد وأنها تمثل ضربة قوية لبيرل وأمثاله الذين يعتقدون أن فكرة تحول القذافي الى زعيم معتدل إنما هي مجرد “تفكير حالم من مؤسسة السياسة الخارجية”·
ويرى الكاتبان في الكتاب أن “ليبيا تسعى بشكل حثيث لامتلاك أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها·· ويجب أن تعامل على هذا الأساس وباعتبار أن فيها نظاما معاديا”·
والأمر المميز في الكتاب أن التلميح بأن بيرل، على الرغم من علاقاته واتصالاته، لم يطلع على المفاوضات السرية مع ليبيا التي كانت تجري أثناء إعداد الكتاب·
وفي الوقت ذاته، ليس من السهل تجاهل المحافظين الجدد، طالما ظل الراعي والحامي الأكبر لهم وهو نائب الرئيس ديك تشيني، لاعبا سياسيا في أعلى درجات الهرم السياسي، وبالقدر الذي حقق فيه “الواقعيون” مكاسب في إيران والصين، ما زال تشيني والبنتاغون يمتلكان حق الفيتو على السياسات الأمريكية تجاه كوريا الشمالية والنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني·
ولهذا السبب، يستحق كتاب “نهاية الشر” القراءة، خاصة إذا فاز الرئيس بوش بولاية ثانية وأبقى على تشيني كأكبر مستشاريه السياسيين، وإذا كان العام الانتخابي في الولايات المتحدة سيجعل من غير الممكن سياسيا المضي قدما في هذه الأجندة الآن، فإن المحافظين الجدد الذين انتظروا اثني عشر عاما لتحقيق مآربهم في العراق، لديهم ما يكفي من الجلد - بالتأكيد - للانتظار لسنة أخرى·
“ عن صحيفة ديلي ستار “
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com