* الاستخبارات في حرب أمريكا الراهنة توازي الجيوش الجرارة في القرن الماضي
* بعد تدمير قواعده في أفغانستان "القاعدة" تحول الى حركات مقاومة محلية بلا قيادة
بقلم: فيليب جيرالديü
تختلف حرب أمريكا ضد الإرهاب عن أي صراع آخر عبر التاريخ، فهي غير منظمة ومتعددة الأصعدة، وتمتد عبر العالم وتستنفذ موارد الولايات المتحدة في ساحات المعارك حيث لا يمكن تحقيق النصر فيها، وهي حرب استخبارات فوق كل شيء حيث تعتبر المعلومات الدقيقة المتعلقة بالخصوم وتحركاتهم وخططهم مساوية من حيث الأهمية لتحركات الجيوش العظيمة في القرن الماضي، وعلاوة على ذلك فالنصر في هذه الحرب ضروري لبقاء أمريكا كأمة وكقوة اقتصادية مهيمنة، لكن حتى بعد عامين من بذل الجهد، يمكن إثبات أن الأمريكيين أقل أمنا الآن من ذي قبل وأن العدو الذي غير نفسه واستعاد قوته قد ينتصر في النهاية، ولا تزال مصادر مطلعة في المجتمع الاستخباراتي على يقين من قرب وقوع هجوم إرهابي كبير آخر·
لقد حدث عدد من التغييرات في الولايات المتحدة كردة فعل على التهديد الأمني فمن الصعب الآن على أي مسلم الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة الأمريكية وبمجرد دخوله لها فسيكون من الصعب حصوله على رخصة قيادة أو التسجيل للدراسة أو استئجار سيارة كما أنه من الأصعب حتى المرور عبر المطار أو قيادة طائرة تجارية، وبعيدا عن ذلك فليس هناك الكثير من النتائج حتى بعد إنفاق بلايين الدولارات، إذ إن عمليات اعتقال الأعضاء المزعومين في تنظيم القاعدة تثير السخرية كونها لم تؤد إلا الى اصطياد "السمك الصغير" ممن يقبلون بتسوية تقوم على أساس الاعتراف بالتهم الموجهة إليهم تجنبا لعقوبات قضائية أكثر قسوة بينما فر مسؤولو تنظيم القاعدة تماما كما تفعل أي خلية إرهابية حقيقية قادرة على الإضرار بالولايات المتحدة ويبدو أن مكتب التحقيقات الفيدرالي لا يدري هل قام هؤلاء بالاختباء داخل الولايات المتحدة أم أنهم فروا للخارج·
صورة قاتمة
وتبدو الصورة أكثر قتامة في الخارج، فعلى الرغم من القيام بعدد من عمليات الاعتقال المهمة لقادة الجماعات الإرهابية كان من أبرزهم الأندونيسي رضوان عصام الدين المعروف بالحنبلي، وقائد عمليات القاعدة خالد شيخ محمد، إلا أن عمليات البحث الشاقة عن القادة الإرهابيين قد لا تمثل أفضل الطرق للتعامل مع مشكلة الإرهاب، فمن البديهي أن يتم تجهيز الجيوش وتدريبها في أوقات السلم لخوض آخر الحروب وليس الحروب المقبلة، والأمر ذاته ينطبق على شؤون الاستخبارات حيث تصبح أخطاء الماضي "دروسا مستفادة" تصوغ العقائد العسكرية الحالية، لقد حبست وكالة الاستخبارات المركزية أنفاسها في صراع مع "القاعدة" التي تأسست قبل الحركة الجهادية المتطورة الممتدة والسائدة الآن عبر العالم والتي لا يشكل تنظيم القاعدة سوى واحد من عناصرها، وقبل ديسمبر 2001 كان تنظيم القاعدة يشكل منظمة دولية ذات قيادة وبنية اقتصادية ولوجستية ومعسكرات تدريب وتخطيط عملياتي مركزي، لقد كان بوسعه استعراض قوته على نطاق واسع وإقامة علاقات مع جماعات ذات فكر مشابه في أماكن مثل أندونيسيا والفلبين، ولقد دمرت الولايات المتحدة تنظيم القاعدة هذا عندما دحرت حركة طالبان من أفغانستان لكن هذا التنظيم تعلم من المحنة وتمكن من تحويل ذاته ليصبح غير مركزي وداعما لذاته محليا، ويدير تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات الجهادية الآن حركة إرهابية من دون قيادة أو سيطرة يشار إليها بأنها "مقاومة بلا قيادة"·
حرب غير متكافئة
وتستمر الولايات المتحدة بشن حملة ذات نمط عسكري متعارف عليه في حربها ضد الإرهاب وتستمر وكالة الاستخبارات المركزية في البحث عن قادة "القاعدة" وعن مصادرهم المالية وإمدادات الأسلحة على الرغم من عدم مركزية الحركة الجهادية، ويعتقد أن الهجمات الإرهابية الأخيرة في المغرب وعمليات اختطاف السياح الأوروبيين في الجزائر قد تمت على نطاق محلي على الرغم من ارتباط كلتا الجماعتين بتنظيم القاعدة، فقد تم التخطيط لتفجير ناقلة النفط الفرنسية "ليمبورج" في اليمن وقام أندونيسيون بالتخطيط وتنفيذ تفجير النادي الليلي في بالي ونسق أعضاء تنظيم القاعدة اللاجئون في إيران لا أسامة بن لادن التفجيرات الإرهابية في السعودية وتنطلق الهجمات على القوات الأمريكية في أفغانستان من باكستان المجاورة بدعم من رجال القبائل المحليين، ويبدو أن الهجمات في العراق ما هي إلا خليط من مصالح محلية مع الجهادية العالمية، ويتم جمع المال في المساجد والمدارس الدينية والهيئات الخيرية لدعم النشاط الإرهابي ويتم نقل هذا الدعم عن طريق أشخاص لا عن طريق البنوك بينما يتم الحصول على السلاح محليا ويتم الاتصال بأسماء مستعارة عن طريق برامج المحادثة عبر الإنترنت ويتدفق المتطوعون من سائر أنحاء العالم الإسلامي·
إن الحرب غير متكافئة في جميع النواحي إذ تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها لحماية جميع الأهداف في حين يكفي الإرهابيين النجاح مرة واحدة فقط، لقد بدأت الولايات المتحدة تدرك أن أعداءها في العراق ليسوا فقط من العراقيين تماما كما أن أعداءها في أفغانستان ليسوا من الأفغان وحدهم لكنها أيضا تبدو غير قادرة على معرفة الأسباب الجذرية للغضب الذي يؤجج الحركة الجهادية الممتدة دوليا·
إن قيام الولايات المتحدة بإنشاء الحركة الجهادية يمثل إحدى المفارقات المثيرة للسخرية فقد تحول التعاطف المنهمر مع الولايات المتحدة عقب 11 سبتمبر الى نقد لاذع لها بسبب المفهوم السائد بأن مصالح أمريكا الذاتية لا تترك مجالا لمصالح الغير، خصوصا إذا ما كانوا مسلمين، وينظر الى أمريكا على مستوى العالم بأنها دولة منافقة تستغل شرك الديمقراطية لتقدم مصالحها الأنانية·
ويبدو أن صراع الحضارات والذي يسعى إليه "المحافظون الجدد" في إدارة بوش قد أصبح وشيكا فالعراق لم يكن بلدا إرهابيا لكنه أصبح كذلك إذ يتدفق المتطوعون الجهاديون كما لو أنهم يجذبون مغناطيسيا لمواجهة الأمريكيين، ويبدو أن مفهوم الحرب الاستباقية ليس سوى صيغة لإسقاط الحكومات العربية على طريقة "الدومينو"، وفي حين لا يتقبل العالم الإسلامي غزو العراق واحتلاله، توحي التحركات السريعة ضد سورية وإيران أن أجندة الولايات المتحدة تتضمن تحويل الشرق الأوسط الى ولاية تابعة لها ولإسرائيل·
وتبقى إسرائيل في صلب المشكلة، فشاشات التلفزة في العالم الإسلامي تنقل معاملتها للفلسطينيين يوميا، مثيرة بذلك الإحباط ومنشئة بيئة مثالية لمدد من الراغبين بالالتحاق لخوض الحرب المقدسة، ويدرك "الشارع" العربي أن إسرائيل تظل بمأمن من العقاب لأنها تفعل كل ذلك بتصريح من الولايات المتحدة·
قوة إمبريالية
وفي الوقت ذاته، تخوض وكالة الاستخبارات المركزية آخر حروبها متأثرة بسلسلة من الفضائح بعد أن تحولت الى عدو خطر في التسعينيات، ففي الخارج تقلص عدد العمليات الاستخباراتية أحادية الجانب في حين أصبح النمط السائد هو الاعتماد على الخدمات المتبادلة مع الأجهزة الاستخباراتية الأجنبية الصديقة ومارس العملاء نشاطهم في السفارات التي كانت كالثكنات الحصينة في حين كان القلة منهم يمارسون عملهم خارجها، وحين حدثت هجمات 11 سبتمبر اعتبرت كارثة وتحملت وكالة الاستخبارات المركزية جزءا من اللوم بسبب بيروقراطيتها المترهلة، والتي أدت الى فشلها في تجنيد وتطوير عملاء قادرين على اختراق المنظمات الإرهابية، وما زالت المشاكل مستمرة، فلقد تم الانتهاء من إعداد برامج تعيين الناطقين باللغة العربية وغيرها من اللغات لكن يعوق تنفيذها المتطلبات الأمنية الصارمة والتي لا تزعج المسيحيين من ذوي الأصول الغربية لكنها تمثل عذابا لمن ينتمون لثقافات تستدعي التحري عنهم لأقصى الحدود·
والأهم من كل ذلك أن الولايات المتحدة لن تتمكن من هزيمة الجهاديين إلا إذا أزاحت الوقود الذي يغذي النار ما يعني التخلي الحاسم عن مفهوم الحرب الاستباقية المذموم دوليا كبداية، وتحقيق العدالة للفلسطينيين سيفيد كثيرا في استعادة الانطباع بأنها قادرة على التصرف دوليا بصورة أكثر استنارة وكذلك سيؤدي انسحاب القوات الأمريكية من العراق والمتزامن مع تسليم السلطة الى العراقيين الى تبديد الانطباع بأن أمريكا قوة إمبريالية·
ü فيليب جيرالدي متخصص في شؤون مكافحة الإرهاب في وكالة الاستخبارات المركزية سابقا ويعمل حاليا مستشارا لشركات أمريكية للشؤون الأمنية·
" عن مجلة أميركان كونزير فاتيف الأمريكية "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com