رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2 ذو الحجة 1424هـ - 24 يناير 2004
العدد 1612

قفا نبك: رثاء الآمال وإدانة بارونات الخراب

بقلم: فيصل لعيبي

كان الشعر قبل اللغة وسيظل كذلك، الشعر ليس اللغة وإنما لغة داخلية لحدث ما، يجري وصفه بالكلمات والأصوات، فاللغة ليست الشعر بل وسيلة للشعر·

والشاعر هو من يجعل اللغة تابعة له وليس العكس، لقد صرخ "أبو العتاهية" يوما في وجه خصومه قائلا: "أنا أكبر من العروض"، والشعر بعد هذا ليس الوزن والقافية والتفعيلة والنثر ولا حتى البحور، فكل هذه الأمور، ما هي إلا وسائل لإظهاره وأشكال تعلن وجوده·

في مجموعته الشعرية "قفا نبك" يتذكر الشاعر عبدالكريم كاصد ويستلهم مواضعيه وهو خارج المكان والزمان، خارج بلاده وخارج زمان الأحداث والأشخاص، لكنه يربطها في خيط واضح، لأنها تراثه الذي يتكىء عليه وهو كتاب مفتوح للذي يدرك غناه وثراءه العميق، وابتداء من "حكايات من الحمراء" نرى الشاعر يمزج المرارة والخسارة الحالية بتلك التي كانت ويضيف لها مسحة السخرية القاسية وكأنه يقول كالمتنبي: "إنه ضحك كالبكا"، منهيا تساؤله لأبي عبدالله، آخر ملوك الطوائف في الأندلس، بالجملة التالية: "أين نمضي بهذه التركة يا أبا عبدالله؟"، هل يطرح الشاعر سؤاله علينا نحن الذين سلمنا كل شيء؟! أما في "الحكاية الأولى" فإنه يعترف لنا بعد كل هذا العناء والتعب، كونه "أفقر خلق الله" وتأتي "الحكاية الثانية" لتفضح نموذجا لـ "الدون كيخوتية" متنكبا رمحه للطعان أمام هذا الانهيار العام وعجزا يشبه عجزنا الحالي في مواجهة المحن "من المحيط الهادر الى الخليج الثائر" و"الحكاية الثالثة" تصف "ابن خلدون" بدموعه التي لم يبق سواها بعد أن تخلى عنه الأقربون وتوالت عليه النكبات، مع ما بذله هذا العبقري من خدمات وإضافات للفكر الإنساني المتنور·

أعمال الشاعر عموما تمتلىء بالمفارقات والأسئلة والتهكم المرير من الواقع، متخذا مادة التأريخ وتشابه المواضيع مسانداً، وهو في حنينه المر وألمه لضياع الآمال في أندلسياته، يذكرنا بأندلسية "شوقي" الرائعة التي مطلعها:

يا نائح الطلح أشباه عوادينا

نشجى لواديك أم نأسى لوادينا

ماذا تقص علينا غير أن يدا

قصت جناحك جالت في حواشينا

لما ترقرق في دمع السماء دما

هاج البكا فخضبنا الأرض باكينا

نفس الألم والحسرة والمرارة نراها في "الحكاية الرابعة" حيث يقول:

"من برج الحمراء

تسمع غرناطة في الريح أنينا

وقع حوافر تنأى

وهدير لمياه يصبغها الدم

غرناطة تبكي"

ليس كالمبدع من يدرك الخسارة و"عبدالكريم كاصد" قد عاشها خطوة خطوة ولحظة لحظة، غربة وعوزا وضياع أحلام وآمال وقيم وانقلاب مفاهيم ومبادئ، جحودا ونكرانا وتجاهل رفاق الدرب والأصحاب والأهل والخلان، وهذا واضح في معظم أعماله الشعرية المنشورة، التي أخذ يغلب عليها التأمل والتفكير والحكمة والسخرية المرة·

فرسان، عشاق، مفكرون، ثوار، شعراء، علماء، رجال دين، فقهاء ومؤرخون، هم مادة الديوان، هل كانت غرناطة أمل الشاعر الذي ضاع ونجمه الذي أفل؟؟ بعد تتبع مضن وطويل مسحورا بحلم لم يتحقق بعد، هل هي بغداد أم البصرة؟ أم العراق كله؟!، فالقصائد تحمل دلالات وأسئلة محرقة ورموزا لها صلة بالواقع الحالي لمحنتنا، إنها إشارات موحية بدلالاتها المتعددة، أخلاقية، سياسية، اجتماعية، ففي "جنون ابن الهيثم" يتساءل الشاعر عن الذي دفع ابن الهيثم للعودة الى مصر ثانية؟ وهو البصري المغترب مثله!، وفي "حكاية من الأندلس" يستذكر زوجة "ابن أبي نسعة عثمان"، الذي تركت جثته نهبا للنسور، إذ تقاد من قبل جنود الخليفة الى دمشق، لأنه رفض الإغارة على جاره المسيحي "الكونت اودش متسائلا: "كيف ترى يغزو جارا؟"·

تعالج "سيدي الطبري" و"محنة ابن حنبل"، الضمير وأزمته ومتطلبات السياسة وصدق العارف والمؤمن المبتلى، أما في "سلاجقة" فنراه يتهكم على ما آلت إليه الأمور وهزال الأحوال وتطرطرها، والنهاية التراجيدية لفرسان الفتح الإسلامي في شمال إفريقيا "موسى بن نصير وطارق بن زياد"، نجدها في "هتاف"، حيث لا أمان للسلطة الجائرة حتى لو اتسمت بالدين ولقب حاكمها بخليفة المسلمين أو أمير المؤمنين، فالغدر من صفاتها، إذ يسيل الدم من خلف الستارة وتتدحرج الرؤوس، في مؤامرات القصور وبين الغلمان والمخصيين والجواري والعبيد، وتكشف "واقعة شعرية"، التباس العلاقة بين الشاعر والسلطان، بين المبدع والسياسي، من خلال "المعتضد بالله" والشاعر "ابن زيدون" في تبادلهما الأنخاب، فيما رأس ابن "المعتضد" البكر يتدلى من شجرة، كأنه مشهد آشوري، يتكرر في زمن آخر ولايزال يطالعنا حتى هذه الساعة في بقاع عدة من بلادنا العربية وتكبر أسئلة الشاعر في "سؤال"، إذ يدفعنا في معظم قصائده تلك الى الحيرة والتمعن بصروف الزمان القديم - الحديث معا، حيرة في اختيار الموقع والثبات على المبدأ، كما أنه يشير الى إشكاليات السياسي والفقهي والثقافي والأخلاقي، وربما كانت "بشارة" العمل الوحيد في الديوان الذي ينم عن تفاؤل، لكنه مشوب بعدم الثقة أو التصديق، وقصيدة "الحذاء والملك" ترينا السخرية المرة واختلاط الحال، بعد أن يصبح الحذاء تاج رأس الملك بينما يأخذنا الشاعر الى عالم السحر والألغاز والتضادات والغموض في "شواهد المعري" و"في بلاد العجائب"، هل يحذرنا الشاعر من مغبة الامتثال الأعمى لما هو قائم؟ هل يدعونا للخروج على أسس العالم الذي يحيط بنا؟ هل يسخر منا؟ كل هذا مرهون بقدرة المتلقي وحساسيته ووعيه أو موقفه:

خلف كلمات التبجيل

ثمة شيء هش

···················

كل شيء ورق

النجوم والسماء

الحدائق والأطيار

الجنود والملكة

القصيدة والشاعر

كل شيء

كل شيء····"

تأتي قصائد الأحلام ككوابيس بديلا للأماني والآمال، إنها التجربة المرة التي تركزت بين يديه لا النجاحات، وفي "ألواح"، يلتفت الشاعر الى إرثه الأقدم في حضارات وادي الرافدين التي تعد مصدر كل ما جرى بعد ذلك للمنطقة من أمور، وأظن أن ذلك انعطاف نحو الجذور سيلعب في أعمال الشاعر القادمة دورا عميق الأهمية، فأعمال مثل: "السفينة" "صوت"، "اوتنابشتم"، أو "الجوقة"، لا يمكن أن تقرأ من دون إحالات أو تأويل بعيد الدلالة والمغزى بينما نجد في: "قراءة في كتاب الجواهري"، عودة لما ألفناه منه في قصائده السابقة، لكنها لا تخلو أيضا من إشكاليات الفترة ولا تبتعد عن هدف الشاعر في المجموعة، يقول في "رؤيا":

يا أبت

أبصر فوق عمود الشعر

ظلالا تهتز

وحبلا يتدلى

ولأنه يتوجه الى الجواهري الذي يعرفه، كانت قطعة: "كلاسيك" من القطع المثيرة في لوعتها، وقد خاطب "رب الشعر مهدي الجواهري"، كما نعته مرة الشاعر "معروف الرصافي"، فجاءت موزونة ومقفاة، كما يحب "الجواهري":

أنبيك أني بدار ليس ساكنها

إلا الحثالة من مكذوبة النسب

يبكون منفى وفي المنفى لهم وطن

يفدونه برخيص الروح والنشب

أنبيك أن بغاث الطير قد نطقت

وأن جل خيول القوم من قصب

··················

لله كيف استحال المرتجى أجلا

وكيف أضحت فتات غاية الأرب

مذكرا "الجواهري" ومذكرنا بدجلة الخير، إذ يقول فيها "الجواهري":

يا دجلة الخير قد هانت مطامحنا

حتى لأدنى طماح غير مضمون

في عمله الشعري الأخير: "قفا نبك"، نأتي على نهاية الديوان، فهذه القصيدة تحيلنا الى محاولات سابقة لشعراء عرب وأجانب، وإذا كان "شوقي" قد حاكى "البوصيري" في نهج البردة وألف مسرحيات شعرية للعشاق والمحبين، و"يوسف الصايغ" كتب "اعترافات مالك بن الريب"، مستلهما قصيدته الشهيرة، فإن "عبدالكريم كاصد" ذهب الى المعلقات، التي تقترب من القداسة لدى البعض، إذ تكمن صعوبة التناول وحساسية الاختيار·

قد تبدو هذه القطعة الشعرية لدى بعض القراء عملا شهوانيا بالمعنى الرخيص، وهذا ما يبدو للوهلة الأولى، وعلينا أن نؤكد أن المرسل "امرأ القيس" كان يروي لنا، نحن المرسل إلينا "المستمعين والقراء" من خلال الرسالة "النص"، أزمنة مختلفة وأماكن متنوعة في فترات متباعدة، فيها الماضي والحاضر، وليس عملا قد تم القيام به في وقت واحد، فهو يتكلم عن حياة طويلة، إنه يقوم باعترافات، ومن هنا يبدو اختيار الشاعر "عبدالكريم كاصد" مهما لهذا النص بالذات، وهو ما أود التطرق إليه في هذه المقالة المتواضعة والتي لا تفي النص حقه قطعا·

سأحاول التحدث عن الشعرية ودلالات النص وسردياته، ففي القصيدة متضادات وتوافقات كثيرة، إضافة الى تنوع الذوات والأمكنة والحريات والأشياء ولكل هذه العناصر مستواها الخاص وعلاقتها بالمستويات الأخرى، كما أننا نلاحظ السلبي والإيجابي أيضا، دون أن ننسى اختلاف الشاعر الأول عن الشاعر الثاني الذي أعاد صياغة النص بلغته الخاصة·

تبدأ القصيدة عند الشاعر "عبدالكريم" كما يلي:

قفا نبك من منزل لحبيب

عفته الرياح"

فلم يقل "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"، كما في القصيدة الأصلية، وهي بداية موفقة لأنها تشير الى الأصل وتكسر استمرارية هيمنته لصالح النص الجديد، تنعدم الذكرى هنا من المقطع لتحل الرياح بدلا عنها، لتؤكد على الذاكرة، ومنذ البداية تظهر المفردات الحزينة والسلبية: قفا = عدم التحرك/ نبك = الآلام / عفته الرياح = الهجران والتخلي/ وتتوالى الأحزان في المقطع الأول: ففي الصفحة الأولى نجد أربع جمل توحي بالحزن والانكسار:

قفا نبك في الأولى/ دمعي شفائي في الثانية/ فاض دمعي في الثالثة/ سال على النحر في الرابعة، كما أن الشاعر في اعتباره الدمع شفاء والديار الخالية أنيسا له، يؤكد وضعه الراهن "الحاضر"، في المقطع التالي نجد الحالة قد تبدلت وأصبحت تناقض الحالة الأولى، فالشاعر هنا يحكي لنا عن متعته الخاصة بحرية تامة "العودة الى الماضي" ويوصف من يحب وكيفية ممارسة الحب معه وبأوضاع مختلفة: فوق الراحلة/ داخل خدر/ على ظهر الرمل، ثم المخاطرة والمجازفة بالحياة، ومن الوصال والتودد والمناشدة بتقليل التدلل، ينتقل الشاعر الى مناخ آخر للوصف والتغني بجمال معشوقته: " يا للصبا وهي تحمل ضوعك أني التفت/ أضوعك أم هو ريا القرنفل/ تمايلت بيضاء ضامرة الخصر/ هفهافة/ مصقولة أنت/ كالدر أبيض أصفر/ جيدك، جيد المهاة هو الحلي دون حلي"، وهكذا تتدرج الصور وتتعدد مستويات السرد وتنمو القصيدة في أحضان اللغة فتتشكل شخصية المفردات داخل بناء العمل، ولا ينسى الشاعر النص الأصلي بين مقاطع نصه الجديد وهي محاولة أقرب الى التغريب عند بريشت التي توقظ في المتلقي إحساسه باختلاف النصين، قبل أن يستغرق في النص الجديد وبالمقابل فإن هذا التشكيل يعطي النص ما تعطيه العناصر المختلفة التي تستعمل في الفنون الأخرى "رسم/ نحت/ موسيقى/ مسرح/ أدب/ سينما إلخ···"·

وإذا تطرقنا للحوار داخل النص، فإنا نلاحظ مستويات مختلفة أيضا، فهناك حوار الأبيض والأسود على الورق "الحروف وبياض الورقة"/ حوار الكلمات "الدمع - سال"/ حوار الصوت "كلام - صمت"/ حوار العين "الكتابة - البصر"/ حوار الأحاسيس "جرأة - خوف"/ حوار العاشق والمعشوق "قالت لك الويل/ قلت وقد مال هودجها وأدنى الرحل: - سيرى وارخي الزمام/ أفاطم مهلا أقلي التدلل/ همست وهي مبهورة: مالنا حيلة عنك" إلخ/ حوار الزمان "الليل - الصبح - العشي - الضحى - الماضي - الحاضر"/ حوار المكان "الديار - الغدير - الخدر - الرمل - العشب"/ حوار الحركة "حركة الحصان - حركة أجساد المحبين في أثناء عمليات الحب - حركة النسيم - حركة الشاعر مع الحصان والمعشوقة مع الناقة"·

يقول "باختن": "الشاعر مقيد بفكرة لغة واحدة ونادرة ولفظ مغلق على حواره الداخلي··· على الشاعر أن يملك طريقة سير وسط تعدد لساني قائم، عليه أن يملك لغته ويتحمل مسؤوليته كاملة عن جميع مظاهرها وعليه أن يخلص اللغة من نوايا الآخرين" فالشاعر مطلوب منه أن يوظف اللغة حسب نبرة صوته وطريقة الإلقاء وتركيب اللغة وتعدد الأصوات ومرونة السرد هذا يذكرنا "بالجاحظ"، رغم أحادية الصوت في الغالب، وهو ما نراه في هذا العمل الجميل·

مع الأسف لا نجد في نتاج الشعر العربي الحديث ما يوازي السرديات المهمة في أشعار الشعوب الأخرى وإذا استثنينا شعراء معدودين، فإننا نلاحظ هذا الفقر الواضح، شخصيا لا أعتبر نفسي قادرا حقا على ذكر الأسماء اللامعة في هذا المجال، نظرا لحساسية غالبية الشعراء وربما يكون اختياري أقرب الى ذائقتي الخاصة وتواضع معلوماتي وفقر اطلاعي على النتاج الشعري الحديث، وهذا يقلل ويضعف حجتي فلا يعتد بها، لكني أستطيع القول إن هؤلاء الشعراء القلائل في شعرنا العراقي خصوصا، قد أغنوا المقاصد الجمالية التي تتناسب مع تطور ونمو النص الشعري عندنا ابتداء من السياب· إن ما تم إنجازه يعتبر نقلة نوعية من النموذج الغنائي الممل والضيق الى فضاءات جديدة تتحقق فيها أبعد ما يريد الشاعر إيصاله وأعمق ما يستطيع المتلقي التوصل إليه، أما القصيدة، فهي تشكل حواريتها الخاصة داخل نسيج النص وحسب حاجتها إليها، فكل نص، مهما انغمر بذاتيته، فهو يحمل حواريته الخاصة التي ترتبط بالنصوص التي قبله والنصوص المعاصرة له، فهناك دائما "تهجين" لغوي مستمر و"تعالق" قائم بين النصوص كما يقول "باختن" في أطروحته المهمة:

"جماليات الرواية ونظريتها" والتي تحدث فيها عن الشعر أيضا وعلينا ألا ننسى بأن للنص مظاهر هي: المظهر اللفظي (Verbal): يتشكل عن طريق الوحدات اللسانية/ الجمل/ النحو/الصوت·

المظهر التركيبي (Syntaxique): ويشمل العلاقات بين الوحدات النصية والجمل·

المظهر الدلالي (Semantique): وهو حصيلة مركبة من مضمون الوحدات اللسانية دلاليا·

الواقع أن النص يحمل دلالات متنوعة، إذ إن لكل شخص تأويله الخاص وربما تأويلاته المتنوعة للنص الواحد حسب الحالة التي هو فيها، وربما يجد نفسه مضطرا الى تبني دلالات متناقضة أحيانا للنص نفسه·

"قفا نبك"، تشكل مع سائر القصائد إطار الديوان رغم مغايرتها لروح القصائد الأخرى، فهي ترنيمة للذات، فيها من الخيال والصور ما يختلف مع رائعة "امرىء القيس" وفيها ما يلتقي معها، حوار داخلي ووصف لعلاقات وذكرى غرام مضى وتنهدات العمر الجميل واستذكارات لما كان وكان، في هذا العمل يستعيد الشاعر صباباته وأحلام الشباب، عالمه الذي لم يعد إلا صورا بعيدة، مبهمة، فلم يجد الشاعر أجمل من معلقة "الملك الشاعر ذو القروح"، ليعالج بها ما يعتريه من تباريح، بها تنتهي المجموعة، وترتبط أيضا مع أول القصائد وبأبي عبدالله بالذات، حيث الوجد والمجد الضائع والعواطف المشوشة والتوتر والأحاسيس المتناقضة، آخر الكأس التي أفضت الى الانتهاء، رحيق الأزهار الذي أشرف على الزوال، الأيام الرخية، مواعيد الحب البعيدة والباقية كعلامات على صدر العاشق المنكسر والخسران، اختلاس الفرص الهاربة، الترقب، الحذر، الخوف، الإثارة ولذة المغامرة، الخجل والبراءة، الخوف من الفضائح وخرق التقاليد والمحرمات·

إن مجموعة الشاعر الأخيرة، الغاصة بالمرارة والحسرة، هي وثيقة مهمة من وثائق الفترة التي نعيشها، وشهادة صادقة عن أيامنا الكالحة وآمالنا الضائعة، التي دمرها دهاقنة السياسة عندنا والانقلابيون وقيادات الأحزاب الفاشلة والحركات المنفلتة من عقالها والتي تريد أن تقود الوطن بالأدعية والحروز والشعوذة والخرافات والإرهاب·

في الختام، هذا عرض سريع للمجموعة، لا يفي الحاجة ولا يلامس العمق، استطعت أن أحصي فيها أكثر من (271) مفردة توحي بالحزن والخسارة والألم والفقدان أو الموت والدم والتدهور، في (65) قصيدة أغلبها قصيرة، وهو ما يحتاج الى معالجة تعتمد على التفكيك والبناء وعلم اللغة نفسها مع الاعتماد على مجموعات الشاعر الأخرى، متمنيا أن يتصدى لها من هو مختص بالنقد الأدبي حقا فيوليها العناية التي تستحقها·

طباعة  

وتــد
 
البابطين شعرا وفكرا في "اثنينية النعيم الثقافية" بالإحساء
 
المرصد الثقافي