
· انفصام ثقافي في النخبة السعودية يحول دون الاتفاق على صيغة موحدة للإصلاح المطلوب
· السعي لإسقاط النظام هو الفارق الوحيد بين متشددي المملكة وشبكة القاعدة
بقلم: مايكل س· دورانü
تعاني المملكة العربية السعودية من أزمة حاليا فالنمو السكاني يفوق النمو الاقتصادي ودولة الرفاه في تدهور سريع بينما يتزايد الامتعاض المناطقي والطائفي ويتحول الساخطون الى التطرف الأصولي، وفي حين يدرك الكثيرون أهمية تطوير النظام السياسي السعودي ليتمكن من البقاء غير أن هناك حالة متأصلة من الانفصام الثقافي تعيق النخبة من الاتفاق على مواصفات عملية الإصلاح·
فمن جهة ينظر بعض ذوي التوجهات الغربية من الطبقة الحاكمة الى أوروبا والولايات المتحدة كنموذجين للتطور السياسي، في حين تضع “المؤسسة الدينية الوهابية” العصر الذهبي للإسلام كدليل لها وتعتبر السماح بعلو أصوات غير الوهابيين ضربا من الكفر·
وتتخذ أبرز شخصيتين في المملكة العربية السعودية موقفين متضادين في هذه القضية، فولي العهد الأمير عبدالله يميل الى الإصلاحيين الليبراليين في حين يساند أخوه غير الشقيق ووزير الداخلية الأمير نايف رجال الدين، وبينما يحظى الأمير عبدالله برصيد أوفر على الصعيد الخارجي، يتمتع الأمير نايف والذي يدير الشرطة السرية بنفوذ أكبر في الداخل·
ويتنازع المعسكران حول سؤال واحد هو ما إذا كان يتوجب على الدولة تقليل سلطة المؤسسة الدينية، فبينما يبني رجال الدين والأمير نايف موقفهم على أساس التوحيد كما عرفه محمد بن عبدالوهاب مؤسس الوهابية، فهم يرون أن كثيرا ممن يدعون التوحيد ليسوا سوى مشركين وكفار حقيقيين، ويعتبر الكثير من رجال الدين السعوديين المتطرفين أن المسيحيين واليهود والشيعة وحتى غير الملتزمين من المسلمين السنة أعداء لهم، فمن وجهة نظر توحيدية تشكل هذه الجماعات مؤامرة كبيرة لتدمير الإسلام الحق·
وجهان لعملة واحدة
فرجال الدين على قناعة أن إزالة الممارسات الثقافية والسياسية الوثنية في الداخل ودعم محاربة الأمريكيين في أفغانستان والعراق هما وجهان لعملة واحدة فهم لا يملون من ترديد أن الجهاد ضد الوثنيين خالد الى يوم القيامة، اليوم الذي يهزم التوحيد فيه الشرك مرة واحدة والى الأبد، كما توفر عقيدة التوحيد لرجال الدين وضعا سياسيا داخليا فريدا إذ يوحي بأنهم الوحيدون المؤهلون لحماية نقاء الدين·
وإذا كان التوحيد هو العلامة البارزة لقطب اليمين في الطيف السياسي في المملكة فإن عقيدة التقارب بين المسلمين وغير المسلمين هي التي تميز قطب اليسار، فالتقارب يعزز مفهوم التعايش السلمي مع غير المؤمنين كما يسعى لتوسيع دائرة المجتمع السياسي عن طريق إضفاء الشرعية على المشاركة السياسية لمجموعات يعتبرها الوهابيون بعيدة عن روح الدين كالشيعة والعلمانيين المنادين بالمساواة بين الجنسين وغيرهم، وفي السياسة الخارجية يطغى التقارب على مفهوم الجهاد ليسمح بذلك للسعوديين بالعيش في سلام مع الأمريكيين المسيحيين والإسرائيليين اليهود والشيعة الإيرانيين·
تعاون ضمني
ويكرس الأمير عبدالله جهوده لمبدأ التقارب فلقد أيد تخفيف القيود عن الرأي العام وسعى الى تعزيز الإصلاحات الديمقراطية وساند التقليل من السلطات المتاحة لرجال الدين حتى أنه أبدى استعدادا للسماح بقدر أكبر من الحريات للأقلية الشيعية وحقق تناغما بين أجندته الداخلية والخارجية بإطلاقه المبادرة السعودية للسلام بين العرب والإسرائيليين وسفره الى كروفورد بولاية تكساس لمناقشة تلك المبادرة مع الرئيس جورج بوش، ومن منظور غربي لا توجد أي صلة بين أجندة الأمير عبدالله للإصلاحات السياسية وبين سياساته للتقارب مع الدول غير الإسلامية لكن في ظل ثقافة سياسية تخضع لرقابة الوهابيين فإنه ينظر الى كل ذلك باعتباره لا يـشكل تغييرا حقيقيا·
وبينما ينادي الأمير عبدالله بالصداقة مع الغرب، يشجع الأمير نايف الجهاد ويشرف على تضييق الخناق على الليبراليين السعوديين، ولا يتحمل الأمير نايف أي مسؤولية علنية عن التضييق على الإصلاحيين في الداخل لكن من الواضح مدى تدخل الشرطة السرية في هذا الأمر وأصبح تسلسل الأحداث مألوفا فمن الممكن أن يفقد أي ناقد للمؤسسة الدينية وظيفته إما دون سابق إنذار أو نتيجة لشكوى تقدم بها رجل دين بارز ويرفض أصحاب العمل التعليق على الأمر ومن ثم يوجه المتطرفون الإسلاميون تهديدا له بالقتل بعد فقد وظيفته عن طريق الهاتف أو من خلال الإنترنت وبذلك تحقق الحملة النتائج المرجوة منها بصورة دائمة تقريبا·
ويعلم الجميع رفض أسامة بن لادن لشرعية العائلة المالكة السعودية، لكن قلة يدركون القدر المشترك بين معتدلات “القاعدة” والمؤسسة الدينية السعودية، فالفرق الفكري الأساسي بينهما هو أن الأولى تضع العائلة الحاكمة في المملكة ضمن أعدائها بينما لا تفعل الثانية ذلك، لكن هذا لا ينفي وجود تعاون محدود أو ضمني في عدد من القضايا، وبالإضافة الى ذلك يدرك ناشطو “القاعدة” أن الرغبة الأمريكية بفصل الدين عن الدولة عبر منطقة الشرق الأوسط إنما تشكل أعظم تهديد مباشر لأهدافهم السياسية الأوسع ولذلك يتمثل هدف “القاعدة” على المدى القريب في إمالة التوازن الداخلي لصالح اليمين ومعاقبة مؤيدي مبدأ التقارب ومن ثم محاولة إسقاط النظام السعودي·
السيناريو الأسوأ
ويعكس المتشددون السعوديون الحالة الدولية على صراعهم الداخلي فهم على قناعة بتآمر الأقلية الشيعية في السعودية مع الولايات المتحدة في حربها على الإسلام ويرى تنظيم القاعدة أن السيناريو الأسوأ يتمثل في أن تنجح الولايات المتحدة بالتعاون مع شيعة العراق لإجبار الرياض على إحداث إصلاحات واسعة تسمح بتواجد الشيعة السعوديين في المجتمع السياسي، وما من شك من وجود مثل هذه المخاوف لدى عدد من رجال الدين المتشددين في السعودية·
ولا يعد مفهوم المؤامرة الأمريكية الشيعية مجرد هم داخلي بل يتخطى ذلك ليسوغ مشروعية الهجمات اليومية على الجنود الأمريكيين في المثلث السني في العراق بالإضافة الى الهجمات التي وقعت في مدينة النجف في شهر أغسطس الماضي، ومع هذا يصعب تغيير الوضع لعدم قدرة الولايات المتحدة على إخماد معاداة الشيعة ومعاداة الأمريكيين التي يناصرها رجال الدين المتشددين في السعودية·
وتشكل “الوهابية” مؤسسة لنظام سياسي كامل ويتوقع من كل من له مصلحة في استمرار الوضع القائم أن يدور في فلكها حتى يحين الوقت لإزالتها، وحتى تلك اللحظة لا تملك الولايات المتحدة خيارا سوى الضغط وبشدة باتجاه مزيد من الإصلاحات الديمقراطية في كل من العراق والسعودية، غير أن مجرد المحاولة لإيجاد أنظمة سياسية أكثر ليبرالية ستخلق نزاعات جديدة تؤدي في النهاية الى زيادة حالة المعاداة لأمريكا، وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط فإنها ستجد ثانية أن أوثق حلفائها العرب هو في الواقع من ألد أعدائها·
ü الكاتب هو بروفيسور مساعد في قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون وزميل ملحق في مجلس العلاقات الخارجية، وهذه المقالة مقتطفة من بحث سينشر قريبا في مجلة “فورين افيرز”·
“ عن صحيفة هيرالدتريبيون “
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com