عبدالحميد علي
تضخم في العمالة الإدارية وتشابك في الاختصاصات ومعوقات كبيرة تقف أمام تأهيل الأطباء وتطوير أدائهم، شكاوى من نقص الأدوية برغم الارتفاع الكبير في كلفتها التي تتزايد باضطراد، هدر في استخدام الأجهزة والمعدات الطبية رغم اعتماد ميزانية إضافية لتأهيلها، تداعي أبنية المستشفيات القديمة وإهمال أخرى حديثة واستئجار أبنية سكنية دون حاجة وعدم عدالة توزيع الأراضي على شركات التأمين، سياسات وصلاحيات تحتاج في الحال الى المراجعة للحد من كلفة العلاج في الخارج وتأمينه لمستحقيه، استغلال مريب وتباطؤ في تحصيل رسوم التأمين الصحي·
هذه هي أبرز العناوين التي تناولتها صحافتنا المحلية في الثلث الأخير من العام الذي انصرم للتو مخلفا التساؤلات عما يدور في أروقة وزارة الصحة، وهنا نسلط الضوء على بعض التفاصيل·
أزمة الموارد البشرية
أشارت تقارير القوى العاملة ومراجعة الأداء في وزارة الصحة الى تضخم كبير في العمالة الإدارية وتشابك في الاختصاصات بين الإدارات المركزية والمناطق الصحية والمستشفيات وهو ما أدى الى هدر في الموارد استدعى وضع برنامج خاص لاقتصادات الصحة·
من ناحية العمالة الفنية بدأت الوزارة في خصخصة قطاع التمريض في منطقتي الأحمدي والفروانية من خلال التعاقد مع شركات توفر ممرضين بكلفة أقل من التعاقد المباشر بنسبة أربعين في المئة، وعلى صعيد برنامج التعليم المستمر أشارت "القبس" في سبتمبر الى أن أكثر من خمسة عشر طبيبا ستصدر بحقهم عقوبات لعدم التزامهم به، كما توالت أسئلة النواب الموجهة الى الوزير بشأن هذه العمالة بشكل ملفت، حيث تساءل النائب جاسم الكندري عن معايير اختيار أعضاء مجالس التخصصات الطبية والتي تعتبر أساس الأداء المهني للخدمات الطبية، كما تساءل عن الآلية المتبعة لاستدعاء الأطباء الزوار لتقديم خدمات الاستشارات وإجراء العمليات للحالات الصعبة والنادرة مما ينعكس على مستوى تقديم الخدمة العلاجية ويكسب أطباءنا خبرات مهمة، وطلب النائب باسل الراشد الإفادة عن عدد حالات التشخيص الخطأ سنويا للسنوات الثماني الماضية والإجراءات القانونية التي اتخذت بحق المسؤولين بالوزارة حيال هذه الأخطاء، أما النائب ضيف الله بورمية فقد أثار مشكلة الأطباء الكويتيين الذين لا تتوافر لهم فرصة الحصول على التخصص بسبب النظام المعمول به بمعهد الكويت للتخصصات الطبية الذي لا يقبل الابتعاث إلا "للبورد" الكندي في الوقت الذي لا يتاح فيه ذلك إلا لأعداد قليلة منهم كل عام وتساءل عن خطة الوزارة في هذا الشأن·
ارتفاع كلفة الأدوية ونقص أصنافها
ما يجاوز الثلاثة ملايين دينار هو معدل كلفة الزيادة السنوية في بند الأدوية والتي بلغت أقصاها في هذا العام حيث وصلت الى واحد وستين مليون دينار أي ضعف ما كانت عليه قبل خمس سنوات، يفترض أن يستبعد منها مليونا دينار كلفة كميات الأدوية المرسلة للعراق والتي تمول من ميزانية الطوارئ، ورغم أن وزارة المالية قد فتحت اعتمادا إضافيا لمواجهة هذا الارتفاع المضطرد فإن شكاوى المراجعين من نقص الأدوية قد ازدادت خاصة في صيدليات مستشفى مبارك الكبير والأميري مما دفع النائب بورمية لطلب تزويده بأسباب نقص هذه الأدوية وخطة الوزارة لتوفيرها·
وكما حال الكثير من الأسئلة النيابية كان من الممكن تفادي طرح مثل هذا السؤال فيما لو اعتمدت الوزارة مبدأ الشفافية في عملها بنشر نتائج الدراسة التي أشارت الصحف الى أن مدير إدارة المستودعات الطبية قد رفعها الى الوزير بهذا الخصوص، وكذلك نشر نتائج أعمال الفريق الذي عكف على وضع الآليات المناسبة للقضاء على هذه المشكلة منذ نوفمبر·
وعموما فقد أشار الوزير في معرض رده على النائب الى أسباب عدة أدت لذلك تتمثل في استيراد الدواء باسم تجاري مختلف لم يعتد عليه المريض أو أن بعض الأدوية التخصصية التي يوضع لها ضوابط للصرف لحالات معينة فقط لا تكون متوافرة في مستشفيات بعينها دون الأخرى وبالنسبة للأدوية التي لا تتوافر بكميات تتناسب مع الطلب عليها تقترن دائما بالأدوية الجديدة وهذا النقص عموما مفاجئ أو محدود لا يتجاوز نسبة الواحد في المئة من جميع أنواع الأدوية·
عثرات مشروع تأهيل الأجهزة والمعدات
ستون مليون دينار يتم إنفاقها على مدى ثلاث سنوات هي مبلغ الميزانية الإضافية التي اعتمدها مجلس الوزراء لمواجهة متطلبات المشروع الوطني لتأهيل الأجهزة والمعدات الطبية·
وكان المتوقع أن تصدر هذه الموافقة مشروطة باتخاذ الإجراءات الواجبة لتلافي الهدر في هذا المجال مما تعج به ملاحظات ديوان المحاسبة وما يطرح في ثنايا الصحف مثل ما أورده الكاتب أحمد الصراف في "القبس" حيث يقول إنه: "في زيارة للمستشفى الأميري، وبالتحديد في الطابق الثامن، الجناح الثاني عشر، وجدت في الممر العام للجناح كميات كبيرة جدا من المواد والأدوات الطبية غالية الثمن ملقاة بشكل مهمل على أرفف مكشوفة من دون أي رقابة أو إشراف من أحد"·
التقادم والهدر في المباني
تقادم مباني المستشفيات وانتهاء العمر الافتراضي لبعضها، فضلا عن أن تشتت مرافق الوزارة في 179 موقعا يعد واحدا من أبرز مشاكل الوزارة، وجاء مثالا لذلك ما قيل على لسان مصدر مسؤول في مستشفى الصباح صرح بأن مبنى قسم الأنف والأذن والحنجرة في المستشفى المبني من الشبرات بات آيلا للسقوط بعد مضي عشرين عاما عليه·
وعلى صعيد مناقض لفتت "القبس" النظر على لسان أحد مصادرها الى أن مستشفى الاتصالات الذي افتتح منذ خمس سنوات بكلفة خمسة ملايين دينار لا يزال مغلقا عدا عدد من العيادات الخارجية مما انعكس على طول مواعيد المراجعة التي قد تمتد لسبعة أشهر بسبب عدم وجود أجهزة وكوادر طبية، بينما نشرت "الطليعة" في منتصف ديسمبر بعض ملاحظات ديوان المحاسبة ذات الصلة وجاء فيها أن تداخل الأعمال في مناقصات المشروع الوطني لتأهيل مستشفيات الوزارة وتعدد المسؤولين في كل موقع من مواقع الصيانة تسببا في خسائر بلغت 3 ملايين و776 ألف دينار، كذلك بلغت خسائر إصلاح أخطاء في المراكز الصحية المتبرع بها دون طلب تغييرها قبل الاستلام 572,580 دينارا لعدم قيام الوزارة بدراسة مخططات تلك المباني لتفادي الخسائر·
من جانب آخر ورد في التقرير نفسه المشار إليه ملاحظة بشأن استئجار بنايات سكنية بمبلغ 670,356 دينارا سنويا دون الحاجة إليها وفي تعليق للنائب بورمية على وزير الصحة في ثاني جلسة للبرلمان في دور الانعقاد الحالي أشار الى أن شركات التأمين قد منعت من الحصول على الأراضي ووزعت على خمسة عشر متنفذا، ولم ينشر أي توضيح للوزارة فيما بعد على هذا الموضوع·
كلفة العلاج في الخارج
اثنا عشر مليون دينار في ميزانية الصحة في العام 2002 يضاف لها ستة ملايين أخرى في ميزانية وزارة الدفاع أنفقت على العلاج في الخارج مما يشير الى حجم المشكلة وبما يتطلب، والكلام لـ"الطليعة"، "ضرورة مراجعة هذه السياسة من خلال اعتماد جهة واحدة للابتعاث وتحديد نوعية الأمراض والعلاجات التي يستحيل معها العلاج في الكويت، والعمل جنبا الى جنب على تطوير الأداء في مستشفياتنا وبناء المراكز الصحية المتخصصة من خلال الميزانية الجديدة المرصودة، وهي أشبه بميزانيات التعزيز التي كانت تصرف على السلاح في أوائل التسعينيات"·
وفي جانب آخر لهذه القضية تساءل النائب جاسم الكندري عن أسماء ومسميات أعضاء اللجنة العليا للعلاج بالخارج وعدد الحالات التي تمت الموافقة على إرسالها للعلاج منذ سبتمبر 2000، كذلك تساءل النائب الزلزلة عن "الأسباب التي دعت الوزارة للتفريق في توصيف الإجازات لمرافقي المريض المبتعث للخارج بين من هم على حساب الدولة وبين من هم على حسابهم الخاص رغم تشابه الظروف المرضية؟، وفي الواقع تطرح مثل هذه الأسئلة قضية معايير السلطة التقديرية الممنوحة لموظفي الدولة ودورها في تسرب الفساد الإداري للأجهزة الحكومية·
سلبيات الرقابة الداخلية
تمكن رجال المباحث في أكتوبر الماضي من ضبط المسؤول عن الطوابع والرسوم الصحية في منطقة العاصمة الصحية بتهمة اختلاس قيمة الطوابع والرسوم البالغة ثمانية آلاف دينار، وقد أحالت الصحة القضية الى نيابة الأموال العامة إلا أن الأخيرة حفظتها بعد أن أعاد المتهم المبالغ المختلسة والاكتفاء بخصم راتب شهر الذي اتخذته الوزارة بحقه ونقله من موقع عمله كعقاب مدني، وقالت المصادر الصحافية إن هذا القرار أثار استياء وزير الصحة وقرر رفع تظلم الى النيابة تطالبها بإعادة النظر في القرار حيث إن الوزارة كانت قد رفضت تسوية مع الموظف المتهم لطي القضية، وقالت المصادر إن النيابة بررت حفظها للقضية بانتفاء أسباب التهمة بعد عودة المبالغ الى مصدرها ومعاقبة المتهم إداريا إلا أن إجراء لاحقا لم يعلن بعد ذلك·
وكان تقرير التكاليف الصادر عن الشؤون المالية في الوزارة قد كشف أخيرا عن أن حجم الإيرادات قد تجاوز السبعة ملايين دينار من الإيرادات العلاجية بالمراكز والمستشفيات ورسوم القيد والتسجيل وطلبات الترخيص وشهادات الوقاية من الإشعاع بإدارة صحة الموانئ، وقد باشر الجهاز المالي في إعداد تقرير عاجل بالدورة المستندية لتحصيل الطوابع والرسوم لجميع الخدمات المقدمة بالوزارة وتحديد السلبيات والثغرات التي أدت لحدوث التجاوزات خلال الفترة الماضية للعمل على تلافيها وحماية المال العام، إلا أن شيئا لم ينشر أيضا عن نتائج هذا التقرير منذ أواخر أكتوبر·
الوجوه القبيحة للتأمين الصحي
باشرت الوزارة في محاسبة شركات التأمين التي تتولى تغطية رسوم التأمين والضمان الصحي الخاص بالوافدين كما ذكرت الصحف في أوائل نوفمبر وقد فوجئت بعض هذه الشركات بالمبالغ الكبيرة المطلوبة منها لأنها لم تسددها أولا بأول في إشارة الى تقاعس وزارة الصحة في متابعة تحصيل مستحقاتها، علما أن عدد الوافدين الذين يغطيهم التأمين والضمان الصحي يبلغ نصف مليون وافد وذكرت بعض الصحف أن إجمالي تحصيل الوزارة من الرسوم قد بلغ مئة مليون دينار دفعت على ثلاث سنوات مشيرة الى أن متوسط تحصيل الوزارة الشهري من قيمة التأمين يتعدى الثلاثة ملايين دينار·
في منحى آخر كتب أحمد الصراف في القبس وتحت عنوان "مطلب ضمير برلماني" يقول إنه منذ أن بوشر العمل بنظام التأمين الصحي قبل أكثر من ثلاث سنوات ووزارة الصحة تقوم بتقديم العلاج للمقيمين عند إبرازهم البطاقة المدنية أو وصل دفع قسط التأمين، علما أن البطاقة المدنية لا تصدر إلا بوجود إقامة سارية وهذه لا تطبع على جواز السفر من غير إحضار ما يثبت دفع مبلغ التأمين الصحي، وبعد كل هذه السنوات تبين للوزارة أن الأمر يتطلب إصدار "بطاقة صحية"، وأن العلاج الصحي يجب ألا يقدم لغير حاملي هذه البطاقة، ومن أجل ذلك قامت الوزارة بتكليف شركة الخدمات العامة "مساهمة مقفلة"، وبطريقة خالية من أي شفافية، بمهمة إصدار تلك البطاقات للمقيمين، وقررت تلك الشركة استيفاء مبلغ دينارين مقابل إصدار كل بطاقة صحية عن إقامة السنة الواحدة وأربعة دنانير عن إقامة سنتين وستة دنانير عن إقامة ثلاث سنوات وعشرة دنانير عن إقامة خمس سنوات، علما أن الجهد المبذول واحد في جميع الحالات، ولو سلمنا بعذر وزارة الصحة في أن البطاقة المدنية الصالحة لا تعني أن صاحبها قد دفع قسط التأمين، وأن الأمر يتطلب بالتالي إثبات ما يفيد دفعها، فإن ذلك ممكن عن طريق إبراز "الإيصال الأصفر" الدال على دفع القسط، علما أن هذا الموضوع سيحل نفسه خلال فترة سنة واحدة على الأكثر، وذلك عندما تصبح البطاقة المدنية الصالحة إثباتا كافيا على أن قسط التأمين قد تم تحصيلها من صاحبها، وقد لقي نداء الكاتب تجاوبا من النائب محمد الخليفة الذي وجه تساؤله الى وزير الصحة قائلا: ما مبررات إنشاء هذه الشركة؟ وهل كان من الضرورة تنفيع الشركات الخاصة على حساب المقيمين الذين يواجهون صعوبات جمة من أجل الحصول على مرتباتهم·
وفي منحى ثالث أشار تقرير ديوان المحاسبة عن أعمال وزارة الصحة والذي نشرت "الطليعة" جانبا منه الى عدم وجود بيانات تفصيلية بكشوف الحسابات الواردة من البنوك المحلية مما يؤدي الى صعوبة إجراء المطابقة بين المبالغ الواردة بكشوف إيرادات التأمين الصحي والمبالغ المقيدة بحسبات الوزارة لدى البنوك، يأتي كل ذلك في الوقت الذي ما فتئت الوزارة تشدد في تقاريرها على ضرورة الاستمرار في التأمين الصحي والضمان والرسوم والتشجيع على التبرعات لإيجاد ميزانية رديفة لميزانيتها·