
· يجب على المسلمين تجرع مرارة “عقد الجمهورية” كما فعل أتباع الديانات الأخرى
· خلط المسلمين بين الدين والسياسة يثير مخاوف الفرنسيين من “حصان طروادة” أصولي
· لا يمكن فهم موقف شيراك بمعزل عن تاريخ فرنسا الحافل بالتراجيديا الدينية
· الكاثوليك والبروتوستانت واليهود وبعض المسلمين أيدوا القرار
بقلم: ديانا بينتوü
قرار الرئيس الفرنسي جاك شيراك الدعوة لإصدار قانون يحظر ارتداء الحجاب والقلنسوة اليهودية والصلبان الكبيرة في المدارس الحكومية، قوبل بانتقادات غير عادية من قبل بريطانيا والولايات المتحدة على المستويين الرسمي والشعبي، فمن النادر أن يتدخل مواطنو دولة ما في صنع القرارات في دولة أخرى، وربما توخى أصحاب الانتقادات أن اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية مسألة عالمية ويجب عدم التعاطي معها كشأن داخلي وبصورة غير صحيحة·
وسواء أكان المرء يتفق أو يختلف مع قرار شيراك، إلا أن من المهم أن نفهم الأسباب التاريخية والسياسية لهذا القرار، وقبل كل ذلك، أن نعلم أن الكثير من الناشطين الكاثوليك والبروتوستانت واليهود والمسلمين الفرنسيين أيدوا الحاجة لصدور مثل هذا القرار·
تراجيديا دينية
وهم بذلك لم يكونوا - على عكس ما قيل - ينظرون للإسلام باعتباره دينا دخيلا، بل كانوا يحاربون ضد العفاريت الدينية والتاريخية القوية، ومن هذا المنظور، رأوا في ذلك القانون عودة دعت إليها الحاجة الماسة، الى القانون بعد عشر سنوات أصبح فيها الإسلام في عيونهم، شريكا يحظى بامتيارات أكثر من اللازم في الدولة الفرنسية، حتى بالرغم من أن المسلمين كانوا في الصفوف الأولى لمن تعرضوا للإجحاف الاجتماعي والسياسي·
ولفهم هذه المفارقة، يتعين على المرء أن يدرك أن معظم المواطنين الفرنسيين يعتقدون أن الجمهورية الفرنسية المحايدة وشديدة العلمانية هي الرد الوحيد الممكن على ماض سياسي فرنسي طويل من التعقيد الممزوج بالتراجيديا الدينية، وهي القصة التي يعتبر الإسلام الوافد الجديد عليها·
فمعظم الأديان دخلت - في وقت ما - بصراع بل وحتى في حروب مع الدولة الفرنسية، التي قررت إقصاءها عن الحياة السياسية، وقد جعلت الدولة من هذه الأديان شركاء يتمتعون بامتيازات ولكن بعد أن حولتها الى مجرد شكل يخدم النظام الاجتماعي والسياسي·
أعداء التنوير
وقد تم إقصاء البروتوستانت أولا بمجزرة القديس بارثيلمي عام 1572 ثم إلغاء مرسوم نانت عام 1685، ثم تعرض الكاثوليك، بعد الإعلان عن أنهم “أعداء التنوير”، الى الاضطهاد بعد الثورة الفرنسية وتعرضوا الى مجزرة في مدينة فندي·
وتعرض اليهود الذين طردوا من البلاد في العصور الوسطى وحرموا من تملك الأراضي لقرون، الى الاضطهاد في الأوقات المعاصرة من خلال القوانين العنصرية لحكومة “فيشي” ثم أبعدوا عن البلاد إبان حرب الإبادة النازية أو الهولوكوست·
ومن زاوية تحويل الدين الى مجرد شكل، فقد نظر الى البروتوستانت واليهود باعتبار أنهما كيانان دينيان لا وضع اجتماعيا لهما في ظل قوانين نابليون، وتعرض الكاثوليك الى ضربة قوية بإعلان فصل الدين عن الدولة عام 1905 في ظل “الجمهورية الثالثة” التي رفعت من شأن اليهود والبروتوستانت الى مواقع الصدارة·
وفي ظل هذا الماضي المضطرب، فإن من السهل أن نفهم لماذا يلتف الكثير من الفرنسيين حول الجمهورية العلمانية باعتبارها الضمانة الوحيدة للسلم الوطني، فهم جميعا يدركون جيدا أن أمتهم هي أشبه بقارب فيه توازن ديني معقد، ربما يتعرض للاختلال بفعل وصول الإسلام الحديث·
وقد أثبت الإسلام - بمطالبه الراهنة - أنه يسبب المتاعب للدولة الفرنسية، ليس لأن الكثيرين يعتبرونه دينا “وافدا” وليس أوروبيا فحسب، بل لأن دمجه في الجمهورية ذات التعددية والثقافية قد يثير غيرة أتباع الأديان الأخرى الذين لم يسبق أن منحوا مثل هذا الخيار·
انفتاح ديني
والنتيجة قد تكون تهديد صرح الجمهورية الفرنسية برمته، وبالتالي ينظر الى مطالب المسلمين الدينية والثقافية الراهنة مثل الحجاب وأن تلقى الطالبات المسلمات معاملة خاصة والحق في استجلاب أئمة مساجد من الخارج والحق في تشكيل مجموعات تخضع لسيطرة خارجية ولها تمثيلها في المجلس الإسلامي، باعتبارها تثير الصدمة، ولهذا السبب يشعر الكثير من المواطنين الفرنسيين أن الإسلام يحظى بمعاملة تفضيلية·
ويرى البعض، وخاصة في معسكر العلمانيين، في مطالب المسلمين، بأنها انتهاك للعقد الجمهوري الذي أجبرت الأديان الأخرى على تجرع مرارته في الماضي، ولذلك يشعر الكثير من أبناء النخبة من الجمهوريين واليهود والمسيحيين وعدد كبير من المسلمين بالإحباط لأن الجمهورية تولي الكثير من الاهتمام للمسلمين من منظور ديني، وبالنظر الى الخلط بين الدين والسياسة في الإسلام، فإنهم يخشون من أن يكون “حصان طرواده” الإسلام السياسي (أو حتى وحش الأصولية الإسلامية) قد تسلل الى فناء الجمهورية خلسة، ولهذا السبب يأتي رفضهم لمحاولات إعادة كتابة عقد الجمهورية، وهم مقتنعون بأن مثل هذا الانفتاح الديني يخلق مشكلة بدلا من أن يحلها·
أرواح شريرة!
ومن السابق لأوانه الجزم الآن بأن القوى العلمانية كانت على خطأ أم على صواب، فمع مرور الوقت قد تجد فرنسا الرجعية وغير ذات التعددية الثقافية، نفسها في مواجهة مع تيار ثقافي جديد في أوروبا يضغط باتجاه مستقبل مشترك يتجاوز أي هوية إثنية أو دينية تبالغ فيها، وعندها يبرز خطر تجميد مسيرة الاندماج بقانون·
ومع ذلك، فإن هناك شيئا واضحا هو أن الرئيس شيراك لم يقصد وضع الإسلام في مرتبة ثانية بين الأديان الأخرى في الجمهورية الفرنسية، بل كان يمارس لعبة “شطرنج” الهوية الدينية فبإزاحة أحد المربعات لزاوية ما، تفادى مخاطر تغيير هندسة كل الزوايا الأخرى، ولدى الحديث عن مستقبل فرنسا، كان شيراك يحاول طرد الأرواح الشريرة لماضيها المؤلم·
üمؤرخة ومستشارة سابقة لمجلس أوروبا وتعكف على تأليف كتاب بعنوان "الرهان: مصالحة أوروبا والعالم اليهودي في القرن الحادي والعشرين".
عن صحيفة هيرالدتريبيون
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com