· لا يمكن لأمريكا ادعاء النصر قبل تسليم السلطة لحكومة ذات سيادة
· إدارة بوش لم تتعلم من فشل ثلاث إدارات أمريكية في فرض حاكم غير وطني على فيتنام
· الهدف من التدخل في فيتنام والعراق هو خلق نظام يتحالف استراتيجيا مع الولايات المتحدة
بقلم: وليام بفاف
2004 سيكون عام كل الإجابات، فسوف نعرف ما إذا كان جورج بوش سيبقى رئيسا للولايات المتحدة أم لا، ومصيره سينبئنا ما إذا كان التحول في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الذي أسس له، سيدوم الى ما بعد نوفمبر 2004 أم لا، وسوف نكتشف ما إذا كان جمهور الناخبين الأمريكي يؤيد الضربات الاستباقية والحروب الوقائية التي شنتها إدارة بوش حين ارتأت أنها ضرورية، أم لا يؤيدها·
وسوف نعرف - بالتالي - ما إذا كان بيان سبتمبر 2002 للاستراتيجية القومية لإدارة بوش، مجرد هفوة بسيطة في السياسات العسكرية التقليدية والمثل الأخلاقية الأمريكية أم أنها تعكس تحولا دائما في طريقة تفكير الأمريكيين تجاه بقية العالم·
وهذا بدوره، سوف يكشف تلقائيا، من الذي انتصر في العراق، فمصير هذه الدولة العربية هو المؤشر الأهم في أي محاولة لتقييم أين تقف الولايات المتحدة بعد عام من الآن، فإذا ما تم تشكيل حكومة آمنة وذات سيادة - ولو اسمية - بعد عام من اليوم، الى جانب القواعد العسكرية الأمريكية هناك، تكون واشنطن قد انتصرت في الحرب، ولكن احتمالات تحقيق هذا الهدف تبدو ضعيفة·
فيتنام جديدة
وفي كل الأحوال، تجب مناقشة احتمال أن تخسر الولايات المتحدة هذه الحرب بجدية على مستوى السياسات القومية، فهناك افتراض يجري تداوله على نطاق واسع بأن القوة الأمريكية سوف تستحق - في النهاية - أي مقاومة تواجهها·
صحيح أن بعض المنتقدين حذروا من “فيتنام جديدة”، ولكنهم فعلوا ذلك من باب الإشارة الى أن ثمن النصر النهائي سيكون أكبر مما توقعته إدارة بوش·
فالمقارنة بين العراق وفيتنام ليست صحيحة بالمنظور العسكري، فالمتمردون في العراق لا يمثلون حركة وطنية منظمة ومنضبطة وتلقى الدعم والقيادة من دولة شقيقة عبر الحدود وتحظى “هذه الدولة الشقيقة” بحماية قوة نووية، فهذا كان حال فيتنام الجنوبية مع فيتنام الشمالية والدعم من الصين·
والمقارنة الممكنة بين فيتنام والعراق هي سياسية، فالطموحات الأمريكية في العراق في عهد بوش الابن تطابق طموحات إدارات كيندي وجونسون ونيكسون في فيتنام، أي العثور على أو خلق حركة وطنية “مطواعة” تحول البلاد الى حليف استراتيجي للولايات المتحدة·
فتنمة
وفي فيتنام، كان هناك منذ البداية قوة وطنية ذات ميول غربية ونخبة كاثوليكية وطبقة وسطى متعلمة تحكمان البلاد حين كانت فيتنام مستعمرة فرنسية، ولكنهما كانتا تمثلان شريحة ضيقة من السكان وكانتا أضعف من أن تتغلبا على حركة التحرير الوطنية الديناميكية بقيادة الشيوعيين والتي ضمت الفلاحين القومين والماركسيين الطوباويين·
ولشعورها بالإحباط من فشل نغودين ديم، القومي الكاثوليكي، الذي جاءت به الولايات المتحدة من منفاه الأمريكي ونصبته حاكما، في فرض سلطته على كل أرجاء البلاد، حرضت إدارة كيندي على قيام انقلاب عسكري وتواطأت على اغتياله·
واستبدلت ديم بقائد هو الأول من بين سلسلة من الجنرالات الذين كان الفشل نصيبهم الواحد تلو الآخر، وكان ذلك بشكل أساسي، لأنهم كانوا يمثلون مصالح وأفكار الولايات المتحدة ضد الوطنية الفيتنامية، وفي النهاية تخلت إدارة نيكسون عن آخر الجنرالات نغوين فان ثيو وانسحبت من الحرب رسميا، وأطلقت علي تلك الخطوة “الفتنمة” Vietnamization، وحين سقطت سايغون بعد عامين، أنحى الرئيس نيكسون باللائمة على الكونغرس والصحافة الليبرالية·
ولا تزال إدارة بوش تبحث في العراق عن نغودين ديم، إنها تتجاهل الدرس السياسي لفيتنام وهو أن أي زعيم في العراق لن يكون قادرا على حشد تأييد البلاد أو مكوناتها الدينية والإثنية الرئيسية “باستثناء الأكراد” الذين لا يتضمن برنامجهم المطالبة بالسيادة الوطنية وإنهاء الاحتلال الأمريكي والقيام بعملية تجديد وطني وفقا للشروط العراقية، وهذا يعني سيطرة العراق على كل موارده وأمنه وسياسته الخارجية، وهذا ما لا تريده إدارة بوش·
لقد أطلقت واشنطن بصورة مبدئية برنامجا للبناء الديمقراطي لمدة عامين تحت الإشراف الأمريكي، إلا أن المقاومة العسكرية فيما يعرف بـ “المثلث السني” والتوترات المتنامية ضد الأمريكيين في أوساط الطائفة الشيعية، وغياب أي قيادة وطنية مقنعة، دفعت بالإدارة الى اتخاذ قرار في شهر نوفمبر الماضي، بتسريع “عرقنة” Iraqization الاحتلال·
والآن، من المفترض أن تكون هناك حكومة عراقية في بغداد مع حلول شهر يوليو، ولكن تحت الهيمنة الأمريكية وفي ظل وجود مئة ألف جندي أمريكي في البلاد، وهذا لا يروق للوطنيين العراقيين·
وثمة جدل يدور في الولايات المتحدة حول غزو العراق، ولكن المثير للدهشة أنه لا يوجد خلاف كبير بين أعضاء النخبة في السياسة الخارجية أو المسؤولين أو المعلقين أو مرشحي الرئاسة، بشأن الخطوط العريضة للسياسة الخارجية القائمة على التدخل في الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم، الذي يهدف الى “فرض الديمقراطية”·
وإذا فشلت سياسة إدارة بوش في العراق، فلن تكون رئاسة بوش بعام 2004 في خطر فحسب، بل أيضا تلك الافتراضات التي تلقى قبولا في أوساط الحزبين الرئيسيين بأن السلام الأمريكي Pax Americana هو قدر الولايات المتحدة الجديد، وهذا، بحد ذاته، لن يكون بالأمر السيىء·
“ عن تريبيون ميديا سيرفيس انترناشيونال “
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com