
· المطلوب هوية وثقافة جديدتين للعراق بعيدا عن القومية العربية
· قصاء السنة يعيق إقامة عراق ديمقراطي مستقر
بقلم: فيب مارü
حافظ العراق على وحدة أراضيه طوال عقود بفضل قوة شخصية صدام ورؤيته المتضخمة لدور العراق في العالم العربي، ولكن في حين غاب صدام عن المسرح، إلا أن رؤيته للعراق قد لا تختفي، وقد يعتمد مستقبل العراق على ردة فعل العراقيين ورعاتهم الأمريكيين تجاه الحلم الذي أوجده الدكتاتور السابق ولكنه لم يحققه·
إن اعتقال صدام يشكل تطورا مبشرا بالتفاؤل للعراقيين ولبقية العالم، فبالنسبة إلى الأمريكيين، يمثل ذلك نجاحا عسكريا قد يساعد في تخفيف الانتقادات الدولية لدورهم في العراق، وبالنسبة إلى العراقيين، إنها مناسبة للتعبير عن الفرح والارتياح اللذين يتيحان لهم الشروع في عملية إعادة بناء بلادهم بلا خوف من التعرض لأعمال انتقامية·
ويبقى من غير المعروف ما هو شكل الدولة التي سوف يبنونها، لكن اعتقال صدام قد يضع حدا لعقود طويلة من تجربة “الجمهوريات” العربية القبلية، فقد كانت تلك الحكومات من صنع قادة ثوريين أو ضباط في الجيش ممن قاموا بانقلابات ضد ملكيات الحكم الوراثي بعد الحرب العالمية الثانية، ثم ما لبثوا أن زرعوا عائلاتهم أو رفاقهم في السلطة لجيل آخر، أما الآن في العراق، فلن يظهر زعيم سلطوي لخلافة صدام حسين في خضم الصراع على السلطة الذي يجري هناك حاليا·
صدام الأسوأ
ولكن هذه الممارسة مستمرة في أماكن أخرى، ففي سورية يتربع على السلطة بشار الأسد، ابن الضابط العسكري السابق الذي استولى على السلطة من خصومه الأيديولوجيين عام 1970 وحكم البلاد طوال 30 عاما والى أن مات عام 2000، ومن ثم رتب لتسليم السلطة الى ابنه من بعده، وفي مصر، حكم أول زعيم قومي عربي ناجح وهو جمال عبدالناصر، لمدة ثمانية عشر عاما، ثم أبقى السلطة في يد الجيش من خلال تسليم مقاليد الحكم الى أنور السادات الذي سلمها بدوره “بعد اغتياله عام 1981” الى حسني مبارك وكلاهما ضابطان في الجيش، ويرفض مبارك تعيين نائب له، ويعتقد أنه يهيئ ابنه لتسلم السلطة من بعده·
ومن بين هؤلاء القادة الثوريين الذين كرسوا عائلاتهم في الحكم، كان صدام حسين هو الأسوأ، وما من شك في أن حكمه قد ذهب الى غير رجعة، وقد تساعد نهايته المذلة في إضعاف شرعية الحكام الآخرين، ولكن إذا لم تنجح الحكومة الجديدة في العراق في إقامة سلطة مستقرة فإنها قد تمنح الأنظمة السلطوية الأخرى في العالم العربي فرصة إضافية للبقاء·
وكذلك، فإن اعتقال صدام يرمز الى انتهاء حقبة الحرب الباردة بالنسبة للقومية العربية الثورية، فقد كانت الوحدة العربية تشكل حجر الزاوية لهذه الأيديولوجية، ولكن هذه الأيديولوجية بدأت تختفي لصالح التركيز على مصالح الدول الوطنية مثل مصر وسورية والعراق، على الرغم من استمرار الخطاب القومي الذي يتردد في الشرق الأوسط·
دولة شمولية
ففي العراق بعد عام 1968، استخدم صدام هذه الأيديولوجية لبناء دولة شمولية قوية بدعم من موارد النفط، ولكنه سرعان ما عدل استراتيجيته لتناسب أهدافه، كالتركيز على جعل العراق زعيما للعالم العربي، وقد أغراه خطابه وقوته للقيام بسلسلة من المغامرات التي عادت على العراق والمنطقة بالكوارث، فقد خاض حربا مدة ثماني سنوات مع إيران في الثمانينات ثم غزا الكويت في عام 90 وخضعت بلاده لأكثر من عشر سنوات من العقوبات والتراجع الاقتصادي، وخسر العراق استقلاله عام 2003، ويمثل الاعتقال المذل لصدام على أيدي القوات الأمريكية رمزا صارخا على فشل هذا النوع من الأنظمة·
ولكن صدام حسين وحزب البعث تركا إرثا ثالثا في العراق، وهنا يبدو أن التكهنات بانتهاء حقبة صدام مشوشة، فطوال عقود، كان السنة يسيطرون على الحكم في إطار رؤية حزب البعث الذي كان يجتذب شرائح واسعة من السكان، وكانت تلك الرؤية تقوم ليس فقط على الهوية العربية والدور العراقي في العالم العربي، بل أيضا على نموذج علماني للتحديث·
ففي سنواته الأولى من الحكم أشرف حزب البعث على التطور الاقتصادي السريع والتوزيع الواسع للثروة ودينامية اجتماعية أكبر وتعزيز الطبقة الوسطى المتعلمة، وفي حين تحققت هذه الأهداف بثمن باهظ، إلا أنها لا تزال تجد لها صدى لدى الكثيرين من أبناء الطبقة الوسطى الذين أولاهم النظام عناية خاصة، ولا عجب أن تعتبر هذه الطبقة نفسها النخبة المميزة والتي تستحق أن تحكم·
ولا تزال هذه الطبقة وإن اختلف موقعها، موجودة ولكنها تشعر بالنفور، وبعض أولئك الذين حرموا من السلطة “كالجيش والمراكز العليا في الحزب” ربما انضموا الى المقاومة، ولكن آخرين اعتادوا على المشاركة في الحكومة ومؤسساتها الاجتماعية ينتظرون ما سيحدث ولا بد من إيجاد سبيل لإشراك هؤلاء في النظام العراقي الجديد، وإلا فسوف يظلون يشعرون بالإحباط وسيظلون قادرين على خلق المشكلات·
إرث مختلط
فالعراق اليوم يواجه مهمة خلق رؤية جديدة لنفسه، وفي الواقع إنه بحاجة الى هوية ثقافية وسياسية جديدة لتحل محل المثل القومية العربية، وهذا الأمر ليس سهلا ومن الرؤى المألوفة ولكن لم تحقق نجاحا أبدا الانكفاء الى الداخل والعناية بشؤون المواطن العراقي، ومن شأن هذه الرؤية أن تسحب العراق من دوره في العالم العربي، وقد تعني أيضا علاقات أفضل مع تركيا وإيران·
وتركز مثل هذه الرؤية على تطوير موارد العراق وتشجيع الرخاء وتقوية الطبقة الوسطى التي أضعفتها المرحلة السابقة، وتروق مثل هذه الرؤية لكل من الشيعة والأكراد، ولكن صدام ترك هنا، إرثا مختلطا·
إذ إن هيمنة فئة قليلة من أقربائه السنة على مقاليد السلطة أدى الى تنفير الشيعة والأكراد، ويطرح الأكراد الآن رؤية بديلة تقوم على تمتع مناطقهم بالحكم الذاتي وهوية تنسجم مع المجتمعات الكردية في كل من تركيا وإيران وسورية، فالحكم الذاتي الذي تمتعوا به منذ أكثر من عشر سنوات في شمال العراق، يجعل من الصعب عليهم الاندماج ثانية بالجسم السياسي العراقي·
وفي هذه الأثناء، يمر الشيعة بمرحلة من الانبعاث الديني الذي يكتسب التشجيع من الثورة الإسلامية في إيران، فبعض الشيعة “كما بعض السنة” يرغبون في تركيز أكبر على الدين والشريعة في العراق الجديد·
وأيا كانت الرؤية الجديدة، فإنها يجب أن تأخذ في الاعتبار إعادة توزيع السلطة بشكل دراماتيكي، وربما يساعد مجلس الحكم في تركيبته الحالية ذات الأغلبية الشيعية والتي تضم خمسة أعضاء من السنة ومثلهم من الأكراد في رسم هيكل السلطة الجديد، وكذلك، لا بد من تغيير التوجه القومي العربي في الإعلام ونظام التعليم أيضا·
نهاية مرحلة
ولكن إذا أردنا لهذا النظام أن ينجح، فلا بد من تعريف جديد وواضح لمعنى أن تكون عراقيا، يضعه العراقيون أنفسهم غير أنه في ظل الانقسامات والاختلافات على مستوى القيادة والشعب والرؤى المتعارضة حول مستقبل العراق، فإن ذلك لن يكون سهلا، وإذا فشلت هياكل الحكم الحالية في توفير الخدمات والأمن، فإن العراقيين لن يؤيدوها·
لقد ذهب صدام ولكن الطبقة التي ساعد في بنائها لا تزال موجودة، صحيح أنها خارج السلطة ولكنها لم تمت، وكذلك فإن التيار القومي القوي الذي يعبر عن نفسه بالرغبة في الاستقلال ورفض الاحتلال الأجنبي، ناهيك عن حكم الأجنبي، ما زال حيا، وسوف تجد هذه التطلعات الدعم من عرب الجوار الذين عارضوا الحرب والاحتلال، ودون الانتقال الفاعل للسلطة الى حكومة جديدة تضم عناصر من الطبقة الوسطى من الطائفة السنية، فإن هذه الطبقة لن تغذي المقاومة فحسب، بل ستعيق قيام عراق جديد·
وربما يمثل القبض على صدام نهاية مرحلة ولكنه لا يعني بداية حقبة جديدة، إن إقامة عراق ديمقراطي وملبِّ لمطالب مواطنيه وتجد فيه كل الأطراف تمثيلا لها في السلطة التي يكون تركيزها الرئيسي منصبا على رفاهية المواطن العراقي هو تطور ليس إيجابيا فقط، بل ثوري·
ويجب ألا تكون لدينا أي أوهام أيضا، فمثل هذه الأهداف - ومهما تكن درجة الرغبة في تحقيقها - فإن تحقيقها قد يستغرق سنوات، وسوف يعتمد ذلك ليس على العراقيين وحدهم، بل على المهارة والفهم والسلوك الأمريكي، وإذا لم يحسن الجميع التصرف، فإن اعتقال صدام حسين لن يعدو كونه مجرد فصل من فصول التراجيديا العراقية الطويلة·
ü مؤلف كتاب “تاريخ العراق الحديث”
“ عن صحيفة نيويورك تايمز “
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com