أ· د· علي الدين السيد محمد
عميد المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة
ولنا هنا أن نتساءل:
أولا: إذا جاز لنا كمجتمعات نامية أن نقتبس المعرفة من الدول المتقدمة، فهل قمنا كعلماء وباحثين بتعريب هذه المعطيات لتناسب واقعنا العربي؟
الواقع يقول إن كل مراجعنا وبحوثنا العلمية ومؤتمراتنا تدين بالطاعة والولاء لنماذج الغرب "القدسية"، رغم ما اكتشفته كل بحوثنا العلمية من سلبيات وقصور في خدمات الرعاية وفاعلياتها المحددة·
ثانيا: إذا كانت النماذج العلمية الغربية قد ربطت بعض الفئات المعاقة، "كالفكرية والحسية" بظاهرة زواج الأقارب والأمية والعادات الشعبية عن الحمل والولادة وما أشبه وفقا لما أوردته منظمة السلام والتأهيل عام 1985 اعتمادا على الدراسات الأمريكية لهيئة A.H.O لرعاية المعوقين، فما هو الموقف العربي لعلمائنا العرب وهم يعيشون واقعا تسوده هذه الظواهر في قرانا وباديتنا رغم أن المنجولية والإعاقة البصرية عندنا - كإعاقات فكرية وحسية لم تتعد نسبتها المتوسطات العالمية؟ كما لم يوصف المجتمع العربي على تاريخه الطويل أنه مجتمع لضعاف العقول·
ثالثا: المجتمع العربي لعوامل تاريخية متوارثة تحكمه متواضعات اجتماعية خاصة أهمها العزوة والمكانة وكتمان السرائر خاصة السلبيات منها داخل الأسرة وخارجها، فهل طوعنا أساليب الغرب لحصر أعداد المعوقين وأساليب رعايتهم لتناسب عاداتنا وتقاليدنا أن من المفارقات الأليمة أن يتطوع علماء الغرب للتمييز بين واقع المجتمعات المتقدمة وواقع المجتمعات النامية والعربية خاصة، حيث صنفوا المجتمعات النامية بأنها تتسم بالعزوة والمظهرية والميل للعمومية دون التخصص والمكانة قبل الأداء، والماضي قبل الحاضر·
هذا بينما باحثينا وعلماؤنا يطلعون ما يكتب عنا دون أدنى محاولة تلنظير واقعنا العربي ليناسب مشكلة شديدة الحساسية ألا وهي ذوي الاحتياجات الخاصة·(1)
رابعا: إذا كانت كل المجتمعات المتقدمة قد صاغت لنفسها منهاجا متكاملا لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة يتواءم مع أيدلوجيتها السياسية العامة وأيدلوجيات أحزابها الحاكمة ومع واقع معوقيها وواقع معارفها وواقع إمكاناتها، يعتمد أساسا على نتائج البحوث والتجارب ووفق سياسة متكاملة Policy تتغير تباعا مع التطورات المختلفة أو تبعا لما تكشفه أجهزة التقييم وحساب الجدوى Feasibiliyt، فهل تملك مجتمعاتنا العربية سياسات للرعاية تنبع من الواقع العربي، وقائية وعلاجية؟ أم أكتفينا بالنقل الساذج لمعطيات الآخرين لغرسها في معاهدنا ومؤسساتنا دون أي اعتبار للطبيعة الخاصة لواقعنا·
خامسا: استحدث الغرب نماذج علمية خاصة به لرعاية المعوقين كنموذج الساعد والبدائل وترويح الرقص المختلط وجنس البدائل لضعاف العقول وأندية "الأبتوفون" و"الفييزوتونر" لتبادل العواطف للصم والبكم وما أشبه - فأين نماذجنا الخاصة بنا وبتقاليدنا وبإمكانياتنا، خاصة ومجتمعنا العربي زاخر بالأنشطة والتنظيمات المختلفة، كالديوانية في الكويت وحفلات الجاندرمية في السعودية والرقص الجماعي في سورية واحتفالات الموالد والمواسم في مصر وما أشبه·
سادسا: إذا اتفقنا على التوجه المعاصر لشمول فئات المعوقين لما يعرف في الغرب بالإعاقة الاجتماعية للمهمشين اجتماعيا أو ما تسميه بعض الدول الأوروبية بإعاقة الأقليات ذوي الأصول العرقية أو الجنسية أو العقائدية المرفوضة اجتماعيا فما هي محاولاتنا المحلية لحصر هذه الفئات وساتحداث آليات خاصة لرعايتهم رغم أنهم يعيشون بيننا·
سابعا: وغالبية دولنا العربية لا تطبق نظام البطاقة الصحية لكل مواطن، وبالتالي لا تملك أجهزتنا المختلفة آليات دقيقة لحصر المعاقين، فكيف يمكن الاعتماد على زساليب تقليدية كتعداد السكان لحصر المعاقين من خلال ما قد تكشفه الأسر أو تتستر عليه عن وجود معوقين بينها·
إن إحصاءات الهيئات الدولية تحدد نسبة %7,50-6 من سكان المجتمعات النامية هم من المعوقين، بينما هي تبعا لإحصاءاتنا المحلية تتراوح بين %03-2·
فإذا أضفنا الى كل ذلك ما يشيع في مجتمعاتنا من مظاهر تعني بالشكل دون المضمون وما أسماه العالم "سوروكين" بثقافة العواطف الساخنة وما أسماء "توينبي" بثقافة الصحراء الحالمة، يصبح من واجبنا الوقوف بكل مصداقية وواقعية أمام كل هذه التحديات لصياغة رؤية عربية خالصة لرعاية معوقينا قابلة للجدل والمناقشة للاتفاق والاختلاف وصولا الى استراتيجية متكاملة يزينها "العقال" العربي وليس "قبعة" الغرباء·
ومن ثم فالدراسة تشمل ما يلي:
1 - مجتمع المعوقين في الواقع العربي·
2 - المشكلات والاحتياجات·
3 - التنظير العلمي رؤية عربية نقدية·
4 - خدمات الرعاية في الواقع العربي - رؤية نقدية·
5 - استراتيجيات المواجهة والتوصيات·
أولا: مجتمع المعوقين في العالم العربي
فئات الإعاقة في المجتمع العربي
من المتفق عليه علميا أن القضايا الاجتماعية تحوي أربعة عناصر رئيسية هي: "الإنسان والمجتمع"، و"المشكلات"، و"المعرفة"، و"آليات المواجهة" ترتيبا على ذلك نقدم في هذا الجزء من الدراسة أوضاع الإنسان المعوق في العالم العربي في علاقته بالمجتمع·
يتبع