رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 11 ذو القعدة 1424هـ - 3 يناير 2004
العدد 1609

من أجل وقف الهيمنة الأمريكية على العالم
يجب استبدال الأمم المتحدة بمنظمة الشعوب المتحدة

                                           

  

         " مجلس الأمن"                الحرب الأمريكية على العراق اندلعت

                                      دون تفويض من مجلس الأمن

 

·        إدارة بوش عاجزة عن فهم آليات السلطة للنظام العالمي الجديد

·        ليس من العدل أن تتساوى جزيرة توفالو مع الصين في التمثيل في الأمم المتحدة

·        تمثيل كل دولة يجب أن يتناسب مع عدد سكانها ودرجة الديمقراطية فيها

·        شن الحرب على العراق دون تفويض من مجلس الأمن وضع ميثاق الأمم المتحدة في مهب الريح

·        علينا استخدام العولمة كآلية لإطلاق أول ثورة لديمقراطية كونية

·        اتخاذ القرارات الخطيرة يجب أن يتم بالأغلبية الساحقة مع إلغاء حق "الفيتو"

 

بقلم: جورج مونبويثü

اتصف كل من الرئيس فرانكلين روزفلت وهاري ترومان بالذكاء، وأدركا منذ البداية أنه لا يمكن للهيمنة الأمريكية أن تستمر دون الإذعان النشط من قبل الدول الأخرى، ولذلك، شرعا - قبل وبعد الحرب العالمية الثانية - في تصميم نظام سياسي عالمي يسمح للقوى الأخرى بالاعتقاد أنها تشكل جزءا من المؤسسة التي تحكم العالم·

فعندما دخل فرانكلين روزفلت المفاوضات حول ميثاق الأمم المتحدة، طالب بأن تتمتع الولايات المتحدة بسلطة رفض أي قرارات تتخذها المنظمة الدولية، ولكنه سمح أيضا للأطراف الأخرى المنتصرة في الحرب وللحلفاء الرئيسيين - الاتحاد السوفييتي (السابق) والمملكة المتحدة وفرنسا والصين - بأن تتمتع بالحق ذاته للنقض "الفيتو"·

وبعد ذلك، فرض هاري ديكستر وايت ممثل روزفلت في مفاوضات "بريتون وودز" عام 1944 على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المنظمتين العالميتين اللتين تأسستا أصلا من أجل الحفاظ على القوة الاقتصادية للولايات المتحدة استرضاء الدول القوية الأخرى من خلال منحها ثقلا في اتخاذ القرارات داخل هاتين المؤسستين، وتكفل وايت بأن تتخذ القرارات بأغلبية 85 في المئة من الأصوات لدى التصويت على أي قرارات مهمة، على أن تحتفظ الولايات المتحدة بـ 17 في المئة من الأصوات في صندوق النقد الدولي و18 في المئة في البنك الدولي·

 

هيمنة أمريكية

لقد كافح هاري ترومان لوضع نظام تجاري عالمي يسمح للاقتصاد الأمريكي بالنمو المستمر دون استعداء الدول التي يعتمد عليها هذا النمو، وحاول إقناع الكونغرس بالموافقة على إنشاء "منظمة التجارة العالمية" التي سمحت للدول الأقل تطورا بحماية صناعاتها الوليدة وسمحت بنقل التكنولوجيا للدول الأكثر فقرا والعمل على منع الشركات الكبرى من إقامة احتكارات عالمية، لكن الكونغرس رفض هذا الاقتراح، ولكن يبدو أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، حتى وقوع أزمة سياتل عام 1999 حين أجبرت الدول الفقيرة على رفض الاقتراحات المثيرة للسخط التي تقدمت بها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كانت تدرك الحاجة للسماح لزعماء الدول الأخرى، بالتظاهر أمام شعوبهم على الأقل، بأنهم أسهموا في إرساء أنظمة التجارة الدولية·

وبدا أن النظام الذي صمم في الأربعينات من القرن الماضي والذي استهدف أساسا، ضمان بقاء الولايات المتحدة القوة العالمية الأكثر تفوقا، لم يواجه أي تحد، حتى وقت قريب جدا، ولم تكن هناك وسائل قانونية لكبح جماح الولايات المتحدة التي تمكنت من إحباط أي محاولة لإلغاء حق النقض الذي تتمتع به·

ومع ذلك، لم يكن هذا النظام يثير حفيظة الحكومات القوية الأخرى بدرجة تدفعها للمواجهة، ذلك أن هذه الحكومات أدركت أن ما تخسره من جراء القبول بنصيب أقل من السلطة ودعم الوضع القائم، سيكون أقل بكثير، مقارنة بالخسائر الناجمة عن سقوط ذلك النظام وإثارة استياء القوة العظمى، وبدا، حتى شهر مارس 2003، أن هذه الحكومات قد استسلمت للهيمنة الأمريكية·

لكن الناس الذين يحكمون الولايات المتحدة الآن يتصفون بالجشع وغير قادرين على فهم ضرورة تقديم التنازلات للآخرين، فهم يريدون أن تكون الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم دون منازع، ويريدون ذلك الآن، وهم مستعدون - من أجل تحقيق ذلك - لتدمير المؤسسات التي أقيمت بهدف الحفاظ على الهيمنة الأمريكية، فقد اعترضوا على قيام الولايات المتحدة بتسديد المستحقات المترتبة عليها لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وعرّضوا بناء منظمة التجارة العالمية من خلال فرض تعرفة جمركية على الفولاذ ومنح إعانات حكومية ضخمة للمزارعين، وشلوا حركة الأمم المتحدة في سبيل المضي قدما في الحرب ضد العراق، وهي الحرب التي كانت تهدف الى تكريس سيطرتهم على العالم·

 

لعب خارج القواعد

لقد كتب الكثير أخيرا حول الرئيس جورج دبليو بوش باعتباره أذكى بكثير مما كنا نعتقد، لكن من الواضح أن إدارته تفتقر للفهم الحقيقي لآليات السلطة التي امتلكها مؤسسو النظام العالمي الحالي، وظهر ذلك جليا من خلال تعدي إدارته على الإدارة الرئيسية لسلطة الولايات المتحدة على العالم، وهي الأمم المتحدة ممثلة بمجلس الأمن·

إن ذهاب إدارة بوش الى الحرب دون تفويض من مجلس الأمن ورغما عن إرادة ثلاثة من أعضائه الدائمين وأغلبية الأعضاء العاديين، جعلها تبدو وكأنها توقفت حتى عن التظاهر بأنها تلعب وفقا للقواعد، ونتيجة لذلك، ربما يكون مجلس الأمن قد فقد كل ما تبقى من سلطته وقدرته على الضبط، الأمر الذي وضع قادة الدول الأخرى أمام خيارين لا ثالث لهما:

الأول، تقبّل انهيار نظام الأمن العالمي وحقيقة أن النزاعات المستقبلية بين الدول سيتم حلها بوساطة الدبلوماسية ثنائية الجانب المدعمة بقوة السلاح، وهذا يعني، سيطرة عالمية مباشرة للولايات المتحدة، وأما نفوذ حلفائها الذي راهن عليه توني بلير بسمعته، فسوف يتبين أنه مجرد وهم، فهؤلاء الحلفاء سوف ينصاعون تماما لرغبات واشنطن، وهو ما سيؤدي الى إضعاف الحكومات الأجنبية التي ستجد من الصعب عليها تسويق ما يحدث على شعوبها، لاسيما حين تتعارض مصالحها مع المصالح الأمريكية، وبالإضافة الى ذلك، ستدرك هذه الحكومات أن نظاما يقوم على سيطرة "أمريكية" مباشرة على العالم سيفضي الى الحرب بدلا من إشاعة السلام·

والثاني، التخلي عن ميثاق الأمم المتحدة وتجاوز حق النقض "الفيتو" والسعي من أجل بناء نظام أمني عالمي جديد يقاوم الرغبة بالهيمنة، وعلى الرغم من أن ذلك لم يكن قصورا قبل أشهر قليلة فقط، إلا أنه أصبح خيارا لا يقاوم اليوم·

وهناك - بالطبع - سوابق لذلك من التاريخ القريب، فمن خلال الموافقة على ميثاق "كيوتو" للتغيرات المناخية وعلى محكمة الجنايات الدولية، كانت الدول الأخرى توازن بين كلفة قيام نظام عالمي تحكمه الولايات المتحدة وكلفة عدم التبعية لها، بل وتحديها بإنشاء نظام عالمي لا تلعب فيه واشنطن أي دور، أن بناء نظام أمني عالمي جديد من دون مشاركة الولايات المتحدة يبدو مشروعا أكثر خطورة، ولكن ربما لا يكون هناك خيار حقيقي آخر، وعلينا ألا نشعر بالدهشة إذا اكتشفنا أن كلا من روسيا وفرنسا والصين، قد بدأت، بهدوء، مناقشة هذا الخيار·

 

ثلاث مسؤوليات

وبطبيعة الحال، فإن أحد الأخطار المحدثة بتشكيل أي نظام هو كونه يعكس مصالح مؤسسية، وربما يكون هذا الوقت ملائما أكثر من أي وقت مضى، للتفكير في نظام يعتمد على العدل والديمقراطية، ثم وضع آلية لإجبار الحكومات المتمردة على الالتزام بتطبيقه·

وما من شك في أن الترتيبات الدولية الراهنة تثير الاشمئزاز ليس فقط لأن بوسع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن تجاوز إرادة كل الدول الأخرى، بل لأن الجمعية العامة نفسها، لا يمكنها ادعاء امتلاك شرعية تفوق شرعية مجلس اللوردات البريطاني على سبيل المثال، فالكثير من الدول الأعضاء "في الأمم المتحدة" ليست ديمقراطية أصلا، كما أن الحكومات التي وصلت الى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، قلما تأخذ في الحسبان آراء مواطنيها لدى التصويت على قضية ما، في المحافل الدولية·

وفيما يتعلق بجوانب القصور في أنظمة الحكم الراهنة في العالم، يدرك معظم المواطنين الأمريكيين على سبيل المثال، وجود خطأ ما في نظام يسمح فيه لولاية وايومنغ الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها عن 500 ألف شخص، بأن يكون لها عدد الممثلين ذاته في مجلس الشيوخ، الذي تمتلكه ولاية كاليفورينا التي يزيد عدد سكانها عن 35 مليون نسمة، وكذلك تملك جزيرة "توفالو" في المحيط الهادئ التي لا يزيد عدد سكانها عن عشرة آلاف نسمة، التمثيل ذاته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي تملكه الهند ذات المليار نسمة، وهذا يعني أن الصوت الواحد من الأولى يساوي مئة ألف صوت من الثانية·

وحتى لو كانت جميع دول العالم متساوية في عدد السكان بحيث يكون التمثيل متساويا لجميع مواطني العالم، وحتى لو افترضنا إلغاء مجلس الأمن وعدم وجود دولة أقوى من الأخرى في العالم الحقيقي، فإن الأمم المتحدة ستخفق أيضا في اختبار الديمقراطية ببساطة، لأن هيكلها لا يتواءم مع المهام الملقاة على عاتقها، فقد أخذت الأمم المتحدة على عاتقها القيام بثلاث مسؤوليات منها اثنتان دوليتان وهما أساسا التوسط بين الدول ذات المصالح المتضاربة وتحديد الأسلوب الذي تتعامل به الدول الأعضاء مع مواطنيها، والثالثة كونية وهي تمثيل المصالح المشتركة لسكان العالم، لكنها دستوريا قائمة لتنفيذ أولى هذه المسؤوليات فقط·

 

تفكيك مجلس الأمن

وفي حين تتحد الدول الأعضاء للأمم المتحدة في شجب سلوك غير مقبول من أي دولة، فإنها تتصرف بحذر حين يتعلق الأمر بالمظالم التي تمارسها معظم هذه الدول مثل استخدام الأموال المخصصة لبرامج الصحة والتعليم من أجل شراء أسلحة غير ضرورية، كما أنها لا تحرك ساكنا للدفاع عن المصالح المشتركة للإنسانية حين تتعارض مع المصالح المشتركة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة·

فعلى سبيل المثال، تمارس معظم الحكومات التي وصلت الى السلطة اليوم سياسات مقبولة في أسواق المال وهي في الواقع تمثل رأس المال العالمي بينما تبقى أحزاب المعارضة المتطرفة بعيدا عن السلطة جزئيا بسبب خوف المواطنين من طبيعة ردة فعل الأسواق فيما لو تم انتخاب هذه الأحزاب·

وبالتالي، فإنه في حين أنه سيكون من المناسب للكثيرين إعادة فرض الرقابة على مراكز رأس المال ووضع حد لأشكال كثيرة من المضاربات فإن من غير المحتمل أن يخلص هذا التجمع من دول العالم من هذا البلاء، فمقدمة ميثاق الأمم المتحدة تبدأ بعبارة: "نحن شعوب الأمم المتحدة··" وربما كان من الدقة أن تبدأ بعبارة "نحن الدول··"·

إن تفكيك مجلس الأمن وإحالة سلطاته الى هيئة تمثل كل دول العالم، أمر لا مفر منه بالنسبة إلى كل من لا يقبل نكوص الديمقراطية من آفاقها العالمية الى الحدود القومية أو الوطنية، ومن الواضح أن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتركيبتها الحالية، عاجزة عن تأدية مهامها بالشكل الصحيح، ولعله من الأجدى أن يمثل صوت كل دولة تبعا لعدد السكان فيها ودرجة الديمقراطية التي تمارسها·

 

فهرس للديمقراطية

فعندئذ، تحظى حكومة جزيرة توفالو التي تمثل عشرة آلاف نسمة بعدد أقل من الأصوات من تلك التي تحظى بها حكومة الصين، ولكن الصين - بالمقابل - ستمتلك عددا من الأصوات يقل كثيرا عما كانت ستحصل عليه لو أن حكومتها كانت منتخبة بشكل ديمقراطي، وهناك وسائل صارمة لقياس درجة الديمقراطية تقوم هيئات مختلفة ببلورتها، على شاكلة "هيئة الرقابة الديمقراطية"، ولن يكون من الصعب وضع فهرس عالمي موضوعي للديمقراطية باستخدام معايير هذه الهيئة، وبتطبيق هذا النظام، فإن الحكومات ستجد أمامها حافزا قويا لتطبيق الديمقراطية، وكلما زادت درجة الديمقراطية التي تمارسها الحكومة تزيد درجة تأثيرها في الشؤون الدولية·

ولن تتمتع أي دولة بحق الفيتو، وفيما يتعلق بالقرارات المهمة جدا والمحتمل أن تكون لها انعكاسات كبيرة مثل شن الحرب، فإن تمريرها يجب أن يتطلب أغلبية ساحقة من تصويت أعضاء الجمعية العامة، وهو ما يعني أن الحكومات القوية التي ترغب في إقناع الدول المترددة بتأييد تصويت ما حيال قضية مهمة، يتوجب عليها رشوة أو ابتزاز أغلبية باقي سكان العالم كي تحقق رغبتها، كما تكون الدول التي تكوّن القوى العظمى بأمس الحاجة الى أصواتها هي الدول ذاتها التي يصعب شراؤها·

لكن مثل هذه الجمعية العامة - منفردة - لن تكون قادرة على تحديد الطريقة التي يتوجب على أعضائها معاملة مواطنيهم أو تمثيل المصالح المشتركة لجميع سكان العالم، ولذلك، يبدو أن هناك حاجة ملحة الى هيئة أخرى مؤلفة من ممثلين يتم انتخابهم مباشرة من شعوب العالم، بحيث يمتلك كل مواطن راشد على وجه الأرض صوتا واحدا·

إن دلالات العدالة العالمية واضحة للعيان، الأمر الذي يعني أن مواطنا في أوغادوغو سيكون له القدر نفسه من التأثير على القرارات التي يتخذها مثل هذا البرلمان، الذي سيكون لمواطن من واشنطن، وسوف يكون لسكان الصين 16 ضعفا من الأصوات التي تمتلكها ألمانيا مثلا، فهذا المجلس - بعبارة أخرى - سيكون ثوريا·

 

برلمان عالمي

إن بناء برلمان عالمي ليس كبناء حكومة عالمية، فنحن بذلك ننشئ مجلسا برلمانيا تجري فيه مناقشات وجدل بين ممثلي شعوب العالم حول القرارات التي سيتخذها، ولن تكون له - في السنوات الأولى على الأقل - سلطة على أي جيش أو قوة شرطة أو أي محاكم أو إدارات حكومية، ويجب ألا يعوق عمله رئيس أو رئيس وزراء، ولكن ما ننشئه هو هيئة تمتلك شيئا لا تمتلكه أي هيئة دولية أو كونية أخرى، ألا وهو الشرعية، إذ إن برلمانا يتم انتخابه مباشرة من قبل شعوب العالم حيث يمثلهم ويمتلك السلطة الأخلاقية التي تفتقرها كل الهيئات الأخرى، وهذه السلطة وحدها - إذا ما استغلت بشكل فاعل - تشكل مصدرا للقوة·

 

ديمقراطية ودكتاتورية

وسيكون الهدف الأساسي لمثل هذا البرلمان، محاسبة القوى الأخرى، حيث يقوم بمراجعة القرارات الدولية التي اتخذتها الحكومات والمؤسسات المالية الكبرى وغيرها مثل الجمعية العمومية التي أعيد تشكيلها ومنظمة التجارة العالمية، وسيكون بالإمكان - من خلال المشاورات والمناقشات البرلمانية - رسم المبادئ والخطوط العريضة التي سيتم على أساسها إدارة مثل هذه الهيئات، فضلا عن دراسة قراراتها وتسليط الضوء عليها·

إن لدينا ما يكفي من الأسباب لنؤمن بأن برلماننا هذا - إذا ما تم تشكيله بالطريقة الصحيحة - سيكون الهيئة الوحيدة في العالم المخولة بادعاء تمثيل شعوب العالم، وإجبار بقية الهيئات الأخرى على الانصياع لقراراته، وبذلك تتعزز سلطته وقدرته على محاسبتها مستقبلا·

ويمكننا أن نتوقع ميل الدول غير الديمقراطية لمنع انتخاب ممثلين دوليين من داخل حدودها، إلا أن الجمعية العامة، بعد إعادة تشكيلها ضمن الخطوط العريضة المقترحة، ستوجد حافزا قويا للسماح بمثل هذا الانتخاب، فمن شأن ذلك زيادة نقاط تلك الدول في فهرس التقييم الديمقراطي الدولي، مما يعزز سلطاتها الرسمية داخل الجمعية العامة، وبالمقابل، فإن قدرة البرلمان العالمي على مراجعة قرارات الجمعية العامة، ستعزز السلطات الديمقراطية للجمعية العامة·

ويمكننا أن نتوقع انتقال سلطات معينة من الهيئة التي يتم انتخاب أعضائها بصورة غير مباشرة الى تلك التي ينتخب أعضاؤها بشكل مباشر، وبعبارة أخرى، يمكن أن نبدأ برؤية تبلور برلمانا للكون بمجلسين يبدأ بممارسة بعض المهام الرئيسية للحكومة، وقد يبدو ذلك مثبطا للعزائم في البداية، لكنه ليس كذلك إلا إذا تناسينا - كما يفعل الكثيرون - أن هناك من يحكم العالم سواء شاركنا في هذا الحكم أم لم نشارك، وخيارنا ليس بين حكم كوني ديمقراطي وعدم وجود حكم كوني، بل بين الديمقراطية الكونية والدكتاتورية الكونية التي تمارسها الدول الأقوى في العالم·

 

تجارة الحروب

ولن يحدث أي من ذلك تلقائيا، ويمكننا أن نتوقع قيام الدول التي تسعى لصوغ إطار جديد للشرعية الدولية، أن تفعل ذلك بما يتناسب مع مصالحها، تماما كما فعلت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، فإذا أردنا نظاما عالميا جديدا "والذي سيكون النظام البرلماني جزءا بسيطا منه"، فيجب علينا المطالبة به بالقوة نفسها والإصرار اللذين واجهت بهما حركة العدالة الدولية الواسعة والمتنامية، النظام القديم، ولكن الدول التي تسعى لتصحيح نظام أمني جديد سوف تكتشف أن الشرعية المتصورة لمشروعها، ستبرز وفقا لمؤهلاتها الديمقراطية، وإذا كان صحيحا أن هناك قوتين عظيمتين في هذا العالم هما الحكومة الأمريكية والرأي العام العالمي، فحينئذ تحسن هذه الدول صنعا إذا وظفت القوة الثانية في صراعها ضد الأولى·

لقد حان الوقت لتحويل حملاتنا ضد نظام عالمي يقوم على تجارة الحروب وتركيز الثروة "في يد القلة" واستنزاف كوكبنا، الى حملة منسقة من أجل ديمقراطية كونية، ويجب أن نسهم بفاعلية في رسم معالم القرن الحادي والعشرين، وقد أصبح مفهوما أنك من أجل تغيير العالم يجب عليك أن تقدم الاقتراحات البديلة وألا تكتفي بمعارضة الوضع القائم، وقد تمكنت أمم كثيرة من "دمقرطة" بلدانها، وعلينا الآن، أن نسعى "لدمقرطة" الكون، ومهمتنا لا تتمثل بالانقلاب على العولمة، بل اللحاق بها واستخدامها كآلية لإطلاق أول ثورة ديمقراطية كونية·

ü مؤلف كتاب "عصر التوافق: بيان بأهداف نظام عالمي جديد"·

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

كي يصبح العراق نموذجا للديمقراطية في العالم العربي
يجب تحقيق الوفاق بين طوائفه الثلاث أولا