رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 11 ذو القعدة 1424هـ - 3 يناير 2004
العدد 1609

بحضور عدد كبير من المثقفين والكتاب العرب في ندوة "العربي"
"الغرب بعيون عربية" محاولة لفهم الانبهار والتأثر بالحضارة الغربية·· والاختلاف والتباين القاتل!

    

 

  

 

كتب المحرر الثقافي:

افتتح وزير الإعلام محمد أبو الحسن مساء السبت الماضي ندوة "الغرب بعيون عربية" التي نظمتها مجلة "العربي" تحت رعاية سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الأحمد·

وركز أبو الحسن في كلمة الافتتاح التي حضرها الكثير من المفكرين والكتاب والمؤرخين العرب، على أهمية مثل هذه الحوارات بين الحضارتين العربية والغربية التي شهدت العلاقة بينهما "شدا وجذبا ومواقع ومعارك ونقاطا كثيرة للتلاقي ونقاطا أكثر للاختلاف"·

كما أضاف أبو الحسن أن "المعارك التي نشبت بحد السيوف، واستمرت وصولا الى أحدث الأسلحة، قد طغت كثيرا على وقائع التفاعل الحضاري، والتلاقح الفكري الذي حدث بين الحضارتين العربية الإسلامية، والغربية المسيحية، وحتى الآن فإن صخب الصراع يعلو على صوت الحوار، وتبادل الاتهامات لم يترك لنا مجالا للتفاهم حول ما يهمنا من قضايا، وعلينا أن نعترف أننا حتى الآن لم نجد الصيغة التي نستطيع بها أن نتفاهم مع هذا الغرب، وهو قصور من الجانبين في اعتقادي"·

وفي كلمته تطرق رئيس تحرير "العربي" د· سليمان العسكري الى هدف وأهمية الندوة قائلا: وعندما اخترنا "الغرب بعيون عربية" عنوانا لهذه الندوة، تساءل البعض ما أهمية أن نعود للماضي في اللحظة التي يجب أن ننظر فيها الى المستقبل؟ وما أهمية الطريقة التي يجب أن ننظر فيها الى المستقبل؟ وما أهمية الطريقة التي نظرنا، أو ننظر بها الى الغرب في ظل العولمة وثورة المعلومات والاتصالات، وفي ظل مسعى غربي لفرض هيمنته الثقافية علينا، وإلغاء هويتنا الثقافية؟ لكن الأمر ليس بهذا التبسيط المخل، فالقضية، من وجهة نظرنا، تصب في صلب أسئلة المستقبل، إذن إن الكيفية التي نظرنا، أو ننظر بها، الى الغرب لا تعني الماضي فقط، بل هي تجسد ما نريده من المستقبل، لأنها تنطوي على رؤيتنا، أو رؤانا المتعددة، للذات والآخر وللعالم من حولنا، ومن هنا تنبع أهمية هذه الندوة، حيث تجتمع نخبة من العقول العربية المبدعة لتناقش وتقيم حصاد تفاعل الفكرين العربي والغربي·

كما أكد د· العسكري على أن الندوة تركز على محورين أساسيين، أولهما: هو مناقشة المسائل المتصلة بصراعنا مع الغرب كمدخل لا بد منه للإلمام بجوانب القضية، والمحور الثاني: هو إلقاء الضوء على بعض ما كتبه الرحالة من كتب، وما أبدعه المهاجرون إليه من عرب اليوم، والكتب هنا تتعدى كونها كتبا، إنها الحياة واللب والجوهر لتجربة هؤلاء الرواد، والسبب الذي من أجله عاشوا وعملوا وماتوا،إنها خلاصة حياتهم، وأعتقد أن هذا المزيج هو ما سيعطي ندوتنا طابعا فريدا·

وعن المكرمين قال د· عبدالهادي التازي في كلمته: "إن لكل أمة مجيدة تاريخا يذكرها بماضيها، ويكون حافزا لمستقبلها، ولم يكن اهتمام الأمم الأولى بأدب الرحلات بالقدر الكافي على اعتباره أدبا لا يخدم المجتمعات، لكن أدب الرحلات كان ولا يزال المنارة الأولى لمعرفة الآخر، اقتداء بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان ابن بطوطة أول رحالة عربي يؤرخ لخصائص المجتمعات الأوروبية والآسيوية، حينما تطرق الى المرأة في آسيا وأوروبا، ووضعها باعتبارها الأم·

كما ألقى د· جابر عصفور كلمة مطولة نيابة عن المشاركين في ندوة "العربي"، قال فيها: "بقدر ما كان التحديق الى الغرب بعيون عربية ينطوي على صدمة المعرفة بأحوال تخلف الأنا القومية، في المدارات المغلقة التي أطبقت عليها، كان هذا التحديق يؤسس لعلاقة لم تنبن على مبدأ التكافؤ أو المساواة بين طرفيها، فالأنا الناظرة ظلت تشعر بنقصها في مواجهة المنظور إليه، والمنظور إليه ظل يؤرق هذه الأنا، ويزيدها توترا كلما ازداد تقدما، وذلك بالقدر الذي ظل يهددها به على مستويات كثيرة، وكانت النتيجة علاقة ملتبسة لم تخل من تعقيدات الآليات الدفاعية التي تلبي إليها الأنا عند الشعور المفاجئ بما يزعزع ثباتها أو يقينها المتوارث·

وأكد على أن علاقتنا بالغرب لم تكن علاقة تكافؤ قط، في تحولاتها أو تجلياتها الحديثة، سواء في رؤيتنا إياه بعيوننا العربية، أو رؤيتنا لأنفسنا من خلال مراياه التي لا تزال تصنعنا·

وأضاف د· عصفور: كيف نكون مثل هذا الآخر الغربي في تقدمه ولا نكون مثله في الوقت نفسه؟ كيف نعيد إنتاجه على شاكلتنا من غير أن يكون هو نحن أو نحن هو؟ هل السبيل الى التقدم أن نقوم بمحاكاته محاكاة تامة أو ناقصة؟ هل نبدأ من غيره؟ وأين غيره؟ وهل يمكن أن نبث إبداعا ذاتيا؟ وكيف ذلك؟ وحتى لو كان ذلك ممكنا، فهل يمكن أن يحدث دون إفادة من هذا الآخر الغربي ومعرفة بما أنجز؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير لا يزال مطروحا علينا، ورثنا بعضه عن عيون أسلافنا التي رأت ما أدهشها، وصنعنا نحن بعضها الآخر نتيجة شروط زماننا·

"الذهب والعاصفة"

في رحلة الموصلي الى أمريكا

 

قدم المشاركون في الندوة خلال يومي الأحد والاثنين أكثر من 25 ورقة اختلفت في تناولها لموضوع الندوة، بين النظرة التاريخية لبلاد الغرب عبر مشاهدات ومخطوطات لرحالة ورحلات شهيرة وبين التجربة الشخصية المعاصرة من خلال تجارب المنفى والغربة الطوعية والسياحية، وقد اختارت "الطليعة" في هذا العدد بعضا من المشاركات على أن تستكمل في العدد المقبل أوراقا أخرى متميزة·

في بحث بعنوان "الذهب والعاصفة" قدم د· قاسم عبده قاسم محاضرته بتمهيد عن أدب الرحلات ثم انتقل الى رحلة إلياس الموصلي الى أمريكا في النصف الثاني من القرن السابع عشر، ويقول: بدأت الرحلة الأوروبية بعد العصر المسيحي لأسباب دينية تتعلق بزيارة الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين غالبا، ثم ارتبطت رويدا رويدا بالحرب والمغامرة والاستكشاف، ولعل أهم تلك الرحلات الأوروبية على الإطلاق هي تلك الرحلة الفذة التي قام بها المغامر الجسور كريستوفر كولومبس (1541-1506) في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، ونجح كولومبس مع نجاح هذه الرحلة البحرية وهي تكتشف الدنيا الجديدة: أمريكا، ونتج عن ذلك أن تقدمت الرحلة البحرية الى الصدارة لأنها اخترقت بجسارة مجاهل المحيط الأطلنطي، ومن ثم تواصلت أوروبا مع الدنيا الجديدة بلا حدود بفضل الرحلات البحرية·

ويرى الدكتور حسين فهيم "أدب الرحلات" أن "·· رحلات كولومبس بالذات، وكشفه العالم الجديد، أثمرت عن مادة إثنوجرافية قيمة، بل كانت لها أهمية تاريخية كبرى في مجال الفكر والسياسة، الأمر الذي جعل بعض المؤرخين الأوروبيين المهتمين بالتقسيم الزمني للتاريخ يتفقون على أنه إذا كان سقوط روما سنة 476 يعتبر نهاية العصور القديمة، فإن اكتشاف أمريكا سنة 1492 قد أدخل أوروبا حقبة جديدة، تلك التي كانت لها أثرها الكبير في تغيير النظرة الى الإنسان عامة، والإنسان الأوروبي خاصة، الأمر الذي انعكس صداه على الفكر الاجتماعي والحضاري عن الإنسان، فلقد أوضحت الاستكشافات الجغرافية، بجلاء، حقيقة وجود تنوع بين الجنس البشري··"·

تقودنا هذه الفقرة الأخيرة الى موضوع الورقة التي نقدمها عن رحلة إلياس الموصلي الى أمريكا في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي، وهي أقدم نص لأول رحلة معروفة قام بها عربي، وسجلها باللغة العربية الى أمريكا وتكتسب هذه الرحلة أهمية زائدة من خلال الحقيقة القائلة إن الفترة التي زار فيها "إلياس الموصلي" أمريكا "··· جاءت في الفترة التي شهدت فيها القارة الأمريكية حمى بناء المستوطنات، والبحث عن الذهب والفضة، وانتشار العبودية، ونشاط ديوان التفتيش الكاثوليكي، وعمليات التنصير والتعذيب والإبادة التي مارسها المستعمرون الإسبان ضد أبناء القارة الأمريكية والرحلة حافلة بالقصص والمرويات والوقائع حول ذلك" حسبما يقرر محرر الرحلة نوري الجراح في مقدمته·

هذا النص يدوِّن أحداث أقدم رحلة عربية معروفة الى أمريكا وقد تم نشر النص مرتين قبل هذه النشرة التي حملت عنوان "الذهب والعاصفة"، وصدرت عن دار السويدي للنشر والتوزيع "الطبعة الأولى 2001" من تحرير وتقديم نوري الجراح، وكانت النشرة الأولى لهذه الرحلة على يد الأب أنطون رباط اليسوعي بعنوان "رحلة أول سائح شرقي الى أمريكا" في مجلة المشرق، المجلد الثامن، سنة 1905، ثم كانت النشرة الثانية، بعد سبعين سنة من النشرة الأولى، على يد الباحثة العراقية ابتهاج الراضي، وقد أشار المستشرق الروسي كراتشوفسكي الى هذه الرحلة وصاحبها في كتابه "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، القاهرة 1961 فمن صاحب الرحلة؟

وقد بدأت الرحلة من بغداد سنة 1668، صوب دمشق ومنها اتجه الى بيت المقدس حيث وصلها في نهار عيد القيامة، وقد تعرض لهجوم اللصوص وقطاع الطرق، ولكن الأسلحة النارية التي كانت معه ومع الطوبجي باشا "أي قائد المدفعية العثمانية في الشام وحلب وبغداد" ميخائيل أغا، رفيقه في هذا الجزء من الرحلة، جعلتهما ينتصران على اللصوص، ويواصلان سيرهما الى دمشق، ثم القدس الشريف·

واتجه هو الى حلب، ثم ميناء الاسكندرونة، حيث استقل مركبا إنجليزيا الى قبرص، ثم وصل الى البندقية بعد سبعين يوما من مغادرة الإسكندرونة، وهناك تم حجزه في الحجر الصحي خارج المدينة على مدى واحد وأربعين يوما، ومن هناك اتجه الى روما حيث مكث ستة أشهر، ومن هناك سافر الى فرنسا، ثم تجول في فرنسا ووصل الى أفينيون التي كانت ملكا للبابوية منذ العصور الوسطى حينما أهداها ملوك فرنسا الى البابوية حتى استردتها الثورة الفرنسية سنة 1789 "أي بعد زيارة إلياس الموصلي بعشرين عاما"، وفي باريس زار الملك لويس الرابع عشر الذي أكرمه هو وأخوه أمير أورليانز، وقد امتدح باريس كثيرا "·· التي لا مثيل لها في كل الدنيا، بحسنها وعدالة حكمها واستقامة شرعها" (ص 58) ويلفت النظر هنا إلى أن الثورة الفرنسية التي اندلعت بعد عشرين سنة من زيارته كانت ثورة ضد ظلم الملكية والإقطاع المتحالفين مع الكنيسة، وهو ما يلقي ظلالا من الشك حول أحكام هذا القسيس الارستقراطي!!

 

الملاحظات الأساسية على رحلة إلياس الموصلي:

 

أولا: أن صاحب الرحلة قس كاثوليكي قام برحلته لأسباب شخصية غير معروفة على وجه الدقة، وأن كان المرجح لدى الأساتذة الثلاثة الذين نشروا الرحلة، ولدى كراتشوفسكي في الأدب الجغرافي العربي، أنه قام بمهمة لحساب البابوية، أو التاج الإسباني، أو كليهما معا، وهذا ما يمكن استنباطه أيضا من سياق الرحلة نفسها·

ثانيا: أنه نتيجة لما ذكرناه في "أولا"، كان الوسط الذي خالطه إلياس الموصلي بالضرورة، الوسط الكهنوتي الكاثوليكي في أوروبا وأمريكا الجنوبية على السواء، وقد تركزت علاقاته بهذا الوسط على الرغم من علاقاته الحميمة ببعض الحكام العلمانيين أيضا، وقد أثر هذا على اهتماماته التي ركزت في الغالب الأعم على الأديرة والكنائس والقساوسة والرهبان·

ثالثا: أن الرحالة لم يكن رحالة بالمعنى الدقيق للكلمة، على الرغم من أنه تحرك في أرجاء أمريكا الجنوبية، حتى وصل الى منطقة خط الاستواء، وإنما كان مبعوثا يمثل البابوية بدليل استخدامه الدائم للملابس والشعارات التي منحها له البابا في كل صلاة أو قداس قام به في كنائس أمريكا الجنوبية وأديرتها·

رابعا: تكشف كتابته عن قدر كبير من ضيق الأفق والتعصب الكاثوليكي الذي جعله على صلة قوية بالقائمين على محاكم التفتيش التي يسميها "ديوان الإيمان"، وجعله يتحدث عن أصحاب البلاد الأصليين الذين يسميهم "الهنود" بقدر كبير من العنصرية والتعصب حينما يتحدث عن المسيحيين منهم، وبلهجة كاثوليكية العصور الوسطى المتعصبة عندما يتحدث عن الذين لم يتنصروا باعتبارهم "الهنود الكفرة"، بيد أنه يكشف دونما قصد عن الأوضاع المؤلمة والحزينة التي عاش في ظلها أحفاد حضارات المايا،والإنكا، والإزتك من سكان تلك القارة دون أن يخطر على باله أنهم أصحاب هذه الأرض·

خامسا: قدم لنا أوصافا طبيعية مهمة للتضاريس، والمسافات بين المدن، وطبيعة الملاحة في أمريكا الجنوبية والوسطى، كما وصف بعض الحيوانات والنبابات وإن حاول أن يربط بين بعضها وبين الديانة المسيحية بشكل ساذج·

سادسا: يبدو صاحب الرحلة نموذجا واضحا على التضافر بين الاستغلال الرأسمالي والاستغلال الديني في حركة الاستعمار·

سابعا: تخلو الرحلة أو تكاد من المعلومات المتعلقة بجوانب الحياة الاجتماعية لسكان أمريكا الجنوبية، فهو لا يتحدث سوى عن الصلوات والاحتفالات الكنسية·

 

رحلة القاضي إلى أمريكا

قدم د· حسن أحمد إبراهيم بحثا بعنوان "رحلة ساتي ماجد القاضي" مستخلصا منها وجهة نظر عربية عن المجتمع الأمركي في النصف الأول من القرن العشرين حيث تاريخ رحلة هذا الداعية (1892-1927)، وقال د· حسن إبراهيم: وصل ساتي ماجد الى نيويورك عن عمر يناهر الواحد والعشرين عاما، وبدأ نشاطه الدعوي، على أنه التفت بادئ ذي بدء الى مقالات معادية نشرها آنئذ في مجلة "نيويورك تايمز" قسيس كاثوليكي ادعى النبوة هو جون درو الذي لقب نفسه النبي أليجا، ورد الشيخ ماجد على هذه الحملة الشعواء بمقالات أرسلها الى تلك الجريدة، إلا أنها رفضت نشرها، عندئذ رفع صاحبنا دعوة قضائية بالمحكمة في نيويورك طالب فيها إلزام الجريدة بنشر تلك المقالات في العمود نفسه الذي نشرت فيه مطاعن القسيس أو الحكم له بمئتي ألف دولار رد شرف نظير التشهير بالإسلام والحط من كرامة المسلمين، وحكمت المحكمة بنشر مقالات ساتي ماجد في الجريدة مما أدى الى ضجة صحافية كبيرة في الأخذ والرد، ونتج عن ذلك تزايد شهرة الشيخ في الأوساط الشعبية، وتجمع حوله عدد من المريدين الأمريكان والأفغان والهنود والأفارقة الذين قبلوا الإسلام على أن الصحافة الأمريكية لم تمكن ساتي ماجد من نشر حججه فيها بالطريقة التي خطط لها، فلجأ الى وسيلة دعوية أخرى تمثلت في تكوين عدد من الجمعيات الخيرية الإسلامية من وقت لآخر،ومنها جمعية الاتحاد الإسلامي، والجمعية التبشيرية الإسلامية، وجمعية الهلال الأحمر، والجمعية الخيرية الإفريقية الإسلامية في أمريكا·

ويضيف د· إبراهيم: من المناسب أن نورد هنا ما دونه ساتي ماجد في مذكراته بهذا الخصوص بلغة فيها شيء من العجمة: "إني هاجرت الى بلاد الحرية والعدالة في مدة تزيد عن خمس وعشرين سنة، وكنت أنظر الى أناس من مهاجري الشرق يتكلمون عن الديانة الإسلامية بوعر الكلام، ولما نظرت الى هذه التعديات قمت ضد المقاومين، وكنت أرد عليهم في الجرائد الحرة، ولما وجدت أن النشرات في الجرائد لا تجدي نفعا، بدأت أعالج الأمر بنشر الدين الطاهر، وكنت أجد عنتا كبيرا من المقاومين ولكن بفضل الله وفضل عدالة حكومة أنكل سام لم يكونوا يقدرون على عمل شيء فيما كانوا يقاومون به ضد هذا الدين الطاهر، ولما نظرت الى كثرة الذين اعتنقوا الديانة الإسلامية، نظرت أن الواجب الديني يلزم له القيام بما فرض الله عليهم من إقامة الصلاةوصوم شهر رمضان المبارك، ولا يتم هذا العمل الشريف إلا بجمع الكلمة والاتحاد اتباعا لقوله تعالى "فتمسكوا بحبل الله"، ونظرنا أن لا قدرة حالية لهذا العمل، إلا أننا أسسنا لهم جمعيات باسم الخير الإسلامية"·

 

أدباء المهجر والبعد الإنساني

يقسم د· لطيف زيتوني في بحثه "أدباء المهجر وأزمة الانشطار الروحي" الآلام التي يمر بها المغترب العربي في البلاد الغربية الى ألم شخصي وقومي وإنساني، فيقول: "أزمة الانشطار الروحي التي عرفها أدباء المهجر هي لون من ألوان الصدمة الثقافية التي يتعرض لها المهاجرون، فالسائح في البلد الغريب يشغل نفسه بالتفرج على الجديد، والتعرف الى المفيد، والتمتع بالمثير، بينما المهاجر ينشغل بالبحث عن موقعه في أرض غريبة تختلف عن أرضه في التقاليد والعادات والنظم العقلية والاجتماعية، أي فيما أنتجه التاريخ والجغرافيا"·

وعن إحساس الغربة والألم يقول فالمهاجرون العرب في أمريكا، في الثلث الأول من القرن العشرين، لم يندمجوا في نسيج المجتمع الجديد إلا تدريجا، فكانت صلتهم به في المرحلة الأولى محصورة بمقتضيات العمل والقليل من المجاملات، لهذا انضم بعضهم الى بعض وكونوا مجتمعا على هامش المجتمع القائم، وفي عزلة عنه، وكأنهم مسجونون فيه، وجعلتهم عزلتهم يواصلون حياتهم كما كانوا في الوطن، ويحافظون على عاداتهم ولغتهم ويهتمون بشؤون بلادهم وقضاياها ويتابعون ما تنشره دورها ومجلاتها ويرسلون إليها بمقالاتهم وكتبهم·

ويضيف المحاضر: أدى تكيف المهجريين الاجتماعي واللغوي، على محدوديته، الى النظر نظرة عادلة الى البلد المضيف، وإلى المقارنة بينه وبين المجتمع الذي ينتمون إليه، وسمحت لهم النظرة العادلة برؤية إيجابيات في المجتمع الجديد، وأدت المقارنة الى رؤية نقائص في مجتمعهم الأصلي، فآلمتهم هذه النواقص، ولأنهم تماهوا طويلا بالوطن، صاروا يشعرون كل نقص فيه نقصا فيهم، وهكذا نشأ وضع جديد توقف فيه المهاجر عن استعادة الوطن من ذاكرة الطفولة ومن مشاعر الجنين، وبدأ يفكر فيه بعقل الرجل المسؤول، فحل عنده الألم الوطني مكان الألم الشخصي، وكان أول ما فرضته الغيرة الوطنية على أدباء المهجر السعي الى إصلاح المجتمع من خلال غربلة الثقافة السائدة، وطهّر الحنين نظرتهم الى الوطن فترفعوا عن الغرض الذاتي·

ثم يضيف د· زيتوني التحولات التي أضافت للمغتربين بعدا إنسانيا: الغربة التي أحسها المهاجرون العرب في بلاد هجرتهم تحولت مع الزمن الى غربة شاملة، وحماسة الشباب التي رافقت دعوتهم الى الإصلاح هدأت واكتسبت وقار الشيوخ، وتراجعت الثورة عندهم كطريق للإصلاح وحل محلها الترقي العقلي، ولكن الترقي ليس طريق شعب واحد بل البشر أجمعين، لهذا تحول خطاب أدباء المهجر، وخصوصا الريحاني ونعيمة وجبران، الى خطاب إنساني شامل·

 

السندباد المصري·· أي انتماء؟!

اختار الناقد والباحث د· صلاح فضل نموذجا مختلفا يمثل افتتان شخصية ثقافية عربية بالوجه الحضاري الغربي، فكان موضوع بحثه حسين فوزي وسلسلة كتبه السبعة "السندباديات"، مفتتحا حديثه بقول فوزي "درجت على حب الغرب، والإعجاب بحضارة الغرب، وقضيت أهم أدوار التكوين من عمري في أوروبا، فتمكنت أواصر حبي، وتقوّت دعائم إعجابي، فلما ذهبت الى الشرق: عدت الى بلادي وقد استحال الحب والإعجاب إيمانا بكل ما هو غربي"·

ثم يسرد د· فضل ملامح من سيرة حياة حسين فوزي ونشأته الى نقطة التحول في حياته بعد ابتعاثه الى فرنسا، فيبدأ بعدها ولعه بالثقافة الفرنسية والحضارة الغربية، ليتخذ في كتاباته "سلسلة السندباد" قناعا أسطوريا يعرض عبره صورا عن بلاد الغرب·

ويعلق د· فضل على مقولات حسين فوزي وميوله للانتماء للحضارة الفرعونية بقوله: قد يتراءى لبعض القراء، خاصة من الإخوة العرب، أن النبرة المصرية العالية في خطاب حسين فوزي تنكر البعد العربي أو تنفيه، وهذا غير صحيح، لأن تفكيره العلمي المستقيم، وروحه التنويرية، وإدراكه لطبقات الشخصية المتراكبة والمتفاعلة، واعتزازه بالتراث العربي الإسلامي، كل هذا يجعل رؤيته أشد اكتنازا وكثافة، خاصة في آرائه المكتوبة، فهو عندما يتأمل الإسهام الحضاري المصري، يركز على شموله للفترات التاريخية كلها، إذ يقول مثلا في كتابه "سندباد الى الغرب" "نحن المصريين أحق الناس بدراسة الحضارات، لأننا أثبتهم حقا في تراث الإنسانية العظيم الذي تواضع الناس على تسميته "الحضارة الغربية"، لا لأنها حضارة احتفى بها الغرب، أو ورثها عن أبيه، بل لأنها في التسلسل التاريخي نمت وترعرعت أخيرا في غرب أوروبا·

ويضيف د· فضل: يبقى نموذج هذا السندباد المولع بالحضارة، الداعي الى الإنتاج العلمي في النظرية والتطبيق والتقدم المادي المقترن بالنضج الروحي في الآداب والفنون، والممثل لحركة الحضارة في ارتفاعها وانخفاضها وتضافر الآلات المختلفة والثقافات المتعددة على المشاركة في معزوفتها العظمى، يبقى هذا النموذج لدى حسين فوزي العالم الفنان علامة على سبقنا في مسعى حوار الحضارات وقدرتنا على رؤية أجمل ما في الآخر ونقد أنفسنا في الآن ذاته·

 

اللاذقاني: بعيدا

عن مخابرات الأنظمة القمعية

 

كان للكاتب محيي الدين اللاذقاني مشاركة مختلفة خلال الندوة، هي عبارة عن شهادة في تجربة الغربة، نقتطف منها بعض الفقرات:ذات يوم هجم علي معلق تلفزيوني وأنا أخرج من محاضرة بالجزائر وكان في يده ميكرفون مهيب وفي رأسه سيناريو رومانسي أدركته منذ السؤال الأول عن الاغتراب والصقيع في بلاد الضباب وكان المعلق يريدني كما فهمت من الموقف الذي أفسدته عليه أن أذم الغربة الأوروبية وصقيعها وأنوح على ضفاف ميكرفونه على دفء الأوطان ولكن لدهشته وجدني أقول إن لندن الباردة أكثر دفئا من الوطن العربي كله الذي ترتفع درجة الحرارة في بعض أقطاره الى الخمسين وأن الصقيع في الأرواح والبشر وليس في الطقس أما الاغتراب فحالة نفسية لا علاقة لها بالجغرافيا فأنا أحس بالغربة داخل الوطن العربي بشكل مكثف وعميق وبصورة فظيعة لا تداهمني إلا قليلا في المهجر الأوروبي الذي أمضيت فيه قرابة ربع قرن، لقد اخترت أن أطلق على منفاي الذي كان اضطرارا وصار اختيارا اسم تغريبة بدلا من غربة فأنا وإن لم أحاصر تونس وأهدم القيروان بدأت تغريبتي الأوروبية مثلهم لأسباب تتعلق بالجفاف - الروحي وليس المناخي طبعا - وكان خلفي ألف حاكم بأمر الله والشيطان يمنعني من العودة ويسد في وجهي الطرق ويدفعني للتساؤل كل صباح هل هي أوطان حقا تلك التي لا توفر لأبنائها لا خبزا ولا حرية ولا كرامة؟

وكبر هذا السؤال وتفرعت عنه أسئلة من طينة أخرى عن الدوافع الشخصية العميقة التي لا نصارح بها أحيانا حتى أنفسنا وعند هذا المفترق وجدت نفسي وبعيدا عن مناخات الضغط والقهر والاضطهاد السياسي أستطيب في الغرب ما استطابه فلوبير في الشرق حين كتب لصديقه من القاهرة أنه نام مع ثلاث نساء في يوم واحد لكن سعادته لم تكتمل لأنه حاول مغازلة "المدام" صاحبة المنزل لكنها لم تستجب·

وفي الخلفية أيضا لتلك التغريبة التي أحاول أن أكون نزيها مع نفسي في تقديم خلاصتها ذلك البريق الذي نعرفه جميعا وهو سحر الحضارات الغالبة وأظرف من تحدث عن ذلك حسب تقديري هو "سيرج لاتوش" صاحب كتاب "أوهام الهوية" الذي قال ذات مرة بسخرية جادة جدا لو كانت الهند هي الأقوى لكنا نحكي عن حقوق البقر أكثر من حقوق البشر ولكنا أيضا نعتبر دفن الأرملة مع زوجها الراحل من الإنجازات الأساسية لحركات تحرر النساء·

لقدكان هناك وقبل أن يولد جيلنا حضارة غالبة هي الحضارة الغربية بكل قيمها وأساليبها وطرائق حياتها وكنا نراها عن بعد تشع وتلوح لنا بكل مباهجها لذا لن يكون دقيقا من يفسر هجرته بالمثل المصري "إيه اللي رماك على المر غير الأمر منه" فقد كان المر أمامنا وحولنا وسوى الروم خلفنا ألف روم ومخابرات وأنظمة قمعية لا تترك لمن يحمل هما سياسيا ووجهة نظر تختلف عنها غير خيار السجن أو المنفى وكان بيننا شجعان ومن هم أقل شجاعة وكان يطاردنا جبارون مدربون يحاصرون الروح في أعلى أبراجها لذا كانت الخيارات تضيق تدريجيا وكان دوما بينها الهرب الى أرض الله الواسعة·

ولا أستطيع أن أشرح كيف رأيت الغرب حين وصلته مبتدئا تغريبتي من باريس فقد كنت أرى الغرب بالأفلام والكتب والصور والأوهام والنظريات السياسية والإبداع الأدبي لذا سأكون أكثر دقة إذا بدأت انطباعاتي بالجانب الاجتماعي بمعنى كيف رأيت أهله؟

وفي هذه لم أكن مختلفا عن سلفي الشامي أحمد فارس الشدياق ولا المصري رفاعة الطهطاوي فالذين يذهبون عادة للغرب فئتان نادرا ما تجد لهما فئة ثالثة الأولى تمقت الغرب وتكرهه وتضخم مساوئه على حساب المحاسن والثانية ترى الإيجابيات وتفهم أسباب الخلاف ولا تعتقد أن الاختلاف في المعتقد وطرائق العيش يشكل سببا للخصومة المميتة·

رولان بارت كان أول من حببني بشخصه قبل كتاباته بباريس فقد كتبت إليه وأنا في جامعة حلب أني أرغب في التتلمذ على يديه للدكتوراه في السوربون فرد خلال ثلاثة أسابيع بدماثة مفرطة ليخبرني أنه في الكوليج دي فرانس وليس في السوربون ويدعوني للاتصال به حين أصل ليزودني ببعض النصائح التي قد تفيدني كطالب أجنبي ولا أكتمكم أني حين أقارن هذا الأسلوب ببعض ما عرفت من عجرفة كبار الأكادميين العرب لا أستطيع إلا أن أتعصب لبارت الفرنسي·

وفي باريس تعرفت على الصورتين المتناقضتين لأسلوب الآخر في تصويرنا فقد كانت هناك أسطورة قديسة مرسيليا - اوزابيه - التي اغتصبها الغزاة المور مع راهباتها في القرن الثامن الميلادي بالرغم من أنهن جدعن أنوفهن كي لا يتم اغتصابهن وهناك حكاية رئيس دير كلوني أول من اقترح تاريخيا تسوية الخلافات بين الشرق والغرب بالحوار ويحكى أن هذا الراهب الذي تحول أسره سنة 972 ميلادية الى سبب من أسباب الحروب الصليبية كان محترما حتى عند سجانيه العرب الذين قطعوا رجل زميل لهم لأنه داس بطريق الخطأ على إنجيل رئيس الدير الفرنسي، وأظن أن الذي نجاني من التعصب للشرقيين والغربيين معرفتي المسبقة بأن الطرفين مارسا العنصرية على حد سواء ولم يجدا في الآخر غير النقائص والشوائب فهذا جدنا ابن حوقل يقول عن بلادهم في  "المسالك والممالك" إنها مليئة بـ "البغي والحسد والنكد حسب ما خامر أهل الثغور من ذلك الى استباحة الفساد والفسوق والغدر والغيلة والتضاد والعناد فجعلوا عبرة للمعتبرين"·

وحتى الجاحظ بكل ما عرف عنه من سعة أفق نقل عنهم وعن غيرهم بعض الأقوال التي تحط من الإنسان وتنزله عن مكانته لتبيح الفتك به فذات قصة في كتاب الحيوان لم يتورع كاتبنا الكبير عن الحديث عن بشر بذيول كالقرود والتماسيح والخيل·

 

المكرمـــــون

كرمت مجلة "العربي" بحفل الافتتاح نخبة من الأسماء الثقافية العربية والمؤسسات التي لها إسهامات بحقل الثقافة والفكر والتاريخ والآداب:

- د· عبدالهادي التازي - المغرب مفكر ومحقق معروف له تحقيق علمي متكامل لرحلة ابن بطوطة، بالإضافة الى إسهاماته في الأدب في تحقيق كتب التاريخ والآداب·

- د· نقولا زيادة - لبنان، أول من اهتم برصد حركة الرحالة العرب ويعتبر شيخ المؤرخين العرب، بلغت مؤلفاته وترجماته أكثر من خمسين كتابا·

- المؤسسات: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت للدور البارز الذي يقوم به المجلس في خدمة الثقافة العربية وعن طريق إصداراته "سلسلة عالم المعرفة"·

- المجلس الأعلى للثقافة - مصر، للترجمات المهمة التي يصدرها "المشروع القومي للترجمة"·

- مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري - الكويت، لرعاية المؤسسة للتراث الشعري العربي والإسهام بالجهود والفعاليات الثقافية العربية·

طباعة  

وتد
 
"جريدة الفنون"
تحتفي بذكرى صقر الرشود