كتب محرر الشؤون المحلية:
فيما رفضت جماعات الإسلام السياسي فكرة تجديد المناهج وتطويرها خشية ضياع إحدى أهم وسائل سيطرتها على المجتمع خلال العقود الثلاثة الماضية، استمر النائب ضيف الله أبو رمية في تصريحاته التي تعبر بصدق عن طموحات جماعته السياسية سواء في المجلس أو خارجه، فقد عبر النائب، كما اعتاد منذ نجاحه لعضوية مجلس الأمة، وبشكل فج عما أخفاه بقية النواب و "شيوخ" الإسلام السياسي تقية منهم لأنهم يعلمون مدى رفض الشارع له·
النائب يريد منع دروس الموسيقى من مدارس الكويت، لأنها حسب رأيه مخالفة لـ "عاداتنا وتقاليدنا" و "تعاليم" ديننا، هكذا! وربما لم يسمح له الوقت لإضافة أنها بدعة لم يعرفها السلف الصالح، وربما نسي أو ترك أمر دروس الرسم والفن لشطحة أخرى حين ينشغل الناس ومجلس الأمة في أمر مهم كتعديل الدوائر الانتخابية أو محاسبة الحكومة أو أحد وزرائها على ماجاء في تقرير ديوان المحاسبة من مخالفات·
النائب الذي اعتاد التصريحات الغريبة والمثيرة لابد وأن في جعبته الكثير وبخاصة في مجال المزايدة على زملائه في التكتل الإسلامي الذين اكتفوا بالاحتجاج على تطوير المناهج، و يرى بعض المراقبين أن هذا لا يعدوا كونه توزيعاً للأدوار في إطار التكتل الذي يبدو أنه يستخدم هذا النائب لتطيير بالونات الاختبار التي يتلوها موقف التكتل على ضوء ردة الفعل المجتمعية·
فيرى هؤلاء المراقبون أن جماعات الإسلام السياسي متفقة على الإطار العام وهو الوصول بالكويت إلى دولة دينية حينئذ تبدأ خلافاتها التفصيلية حول كل شيء وبخاصة أن أغلب هذه الجماعات تؤمن بأن فرقة واحدة فقط ستدخل الجنة وكل جماعة ترى في نفسها هذه الفرقة وترى البقية على خطأ، ويضيف المراقبون إن هذا كان ديدن ومسعى هذه الجماعات منذ بدء تحالفها مع السلطة لضرب القوى التقدمية والوطنية والليبرالية عندما التقت مصلحة الطرفين في منتصف السبعينيات من القرن الماضي·
ويؤكد هؤلاء المراقبون على أن هذه الجماعات إنما تريد الدولة الدينية كمطلب أساسي وإن قبولها بالديمقراطية ليس سوى وسيلة للوصول إلى مبتغاها، وأنها عندما فشلت في تعديل المادة الثانية من الدستور اتخذت لنفسها أسلوباً جديداً وهو تعديل القوانين الموجودة وإضافة أخرى غيرها وصولاً إلى دولة كل ما فيها ديني عدا دستورها الذي سيبقى حينئذ مجرد حبر على ورق·
ومن أجل هذه الغاية سعى "شيوخ" هذه الجماعات إلى تشريع قوانين تسمح بإنشاء "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي غيروا اسمها بعد ذلك إلى "هيئة الضمان والأمن الاجتماعي"، وسيطروا قبل ذلك على "اللجنة العليا لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية"، واستخدموا "الحسبة" عندما استغلوا بعض الثغرات في القوانين لرفع قضايا على بعض الكتّاب والصحافيين من غير المتفقين مع آرائهم الدينية والاجتماعية·
كما يرى المراقبون أن هذه الجماعات غيرت الكثير مما نشأ عليه الناس واعتادوه حتى فيما يتعلق بالمباركة بالعيد على سبيل المثال، فتجدهم استبدلوا "عيدكم مبارك" بـ "تقبل الله طاعتكم"، على سبيل المثال، وقبل ذلك تدخلوا في تفاصيل "كيف تصلي؟" و هل يجوز ترك مسافة بين أرجل المصلين أم لا؟ حتى أن بعضهم ورغم كونهم من صغار السن يتدخل لتعليم أناس بعمر آبائهم، كيف يقوم بما نشأ عليه ومارسه طيلة حياته، فالبعض يصر على إلصاق رجليه بمن على يمينه ومن على يساره حتى يكاد يقع من انفراج رجليه·
هذه الإضافات التي حشرتها الجماعات الدينية على المجتمع الكويتي قسراً إنما يراد بها إضفاء السمة التي تريدها هذه الجماعات على المجتمع وإحلالها مكان "العادات والتقاليد" الحقيقية للمجتمع الكويتي على اختلافها وتنوعها، وهي في الوقت ذاته تسهل سيطرتهم عليه في المستقبل عندما تكون الأجيال قد تخرجت على أيدي معلمين من هذه الجماعات وبمناهجهم وتكون "عادات وتقاليد" الناس قد اختطفت لتستبدل بعادات وتقاليد محافظة ألبستها الجماعات الدينية لباس الدين لإعطائها مزيداً من الهيبة والحصانة·
لذلك يشدد المراقبون على أن شطحة النائب أبو رمية وإن بدت كأنها تغريد خارج السرب إلا أنها في حقيقة الأمر جزء من رغبة بعضها ظاهر للعيان تعكسه مثل هذه الشطحات والمواقف المتشددة للأفراد في البيوت وفي مقار العمل، وأخرى مستترة يعبر عنها من بعيد عن طريق رفض إجراء تعديل على المناهج ومحاربة أي وزير غير محسوب عليهم ولو بشكل غير مباشر· والمحصلة النهائية لكل أشكال التعبير ليست سوى محاولة للمحافظة على ما كسبته هذه الجماعات خلال سنوات "العسل" مع السلطة التي أصبح استمرارها كما كانت أمراً يثير حلفاء السلطة في الخارج ويفتح عليها أبواباً مزعجة·