· صحيح أن صدام منح امتيازات للسنة لكنهم لم يسلموا من بطشه
· إقصاء السنة أو الأكراد لن يحقق الاستقرار للعراق
من المفترض أن يبدأ القادة العراقيون في مطلع العام الجديد مناقشة مشروع دستور موقت للبلاد، باعتبار ذلك الخطوة الأولى في خطط إدارة الرئيس بوش لنقل السلطة الى حكومة عراقية انتقالية مع حلول الصيف، ولكن الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر أبلغ الرئيس بوش أخيرا أن العراقيين لم يتوصلوا بعد الى اتفاق حول كيفية تشكيل الحكومة الموقتة أو حول كيفية اقتسام السلطة بين مختلف المجموعات الإثنية التي تسود بينها الشكوك المتبادلة·
ويجب التوصل الى اتفاق حول مثل هذه القضايا خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وما لم يتم إيجاد صيغ ترضي كلا من الشيعة والسنة والأكراد، فإن واشنطن لن تنجح في إقامة عراق ديمقراطي ومستقر، فهذا البلد يخضع لحكم الأقلية السنية منذ عقود وظل متماسكا بالقوة·
توازن عادل
إن الفشل في إيجاد توازن عادل بين مختلف ألوان الطيف الطائفي هو الذي ساعد على قيام الحكم الدكتاتوري، فقد دفع صدام بدكتاتوريته الى أبعد مدى وعمل على ترويع الغالبية الشيعية وارتكب المجازر الجماعية ضد الأكراد·
إن الأمل الأفضل لمستقبل العراق يكمن في هيكل فيدرالي ديمقراطي يمنع هيمنة أي من الإثنيات الثلاث التي يتألف منها المجتمع العراقي، على الأخرى وخلق عراق ديمقراطي يعني بالضرورة نقل السلطة الى الأغلبية الشيعية·
فحين أنشأت بريطانيا العراق الحديث بعد الحرب العالمية الأولى، وحدت ثلاثة أقاليم من الإمبراطورية العثمانية المهزومة تحت حكم ملكي سني، أما الآن، فإن ثلثي سكان البلاد هم من الشيعة الذين يتركزون في شرق وجنوب العراق·
لا إقصاء
لقد كان جيران العراق من العرب ومن ثم الولايات المتحدة، يخشون أن يتولى الشيعة السلطة ويتآلفون مع إيران "الشيعية" في إثارة الأقليات الشيعية في أماكن أخرى من العالم العربي، ولكن واشنطن أدركت أخيرا، أن لشيعة العراق قيما يعتزون بها ولا يرتبطون بعلاقات ودية مع نظام الملالي الفاسد والفاقد لشعبيته في طهران·
ومع ذلك، فلن يكتب لأي ترتيبات دستورية الاستقرار إذا شعر السنة أو الأكراد بالإقصاء فالسنة يشكلون نحو 20 في المئة من السكان ويعيش معظمهم في المثلث الممتد في مناطق شمال غرب بغداد والذي يعتبر معقل المقاومة للاحتلال الأمريكي، وقد عمل صدام على تكريس القومية العراقية بناء على منح الهيمنة والامتيازات للسنة·
ومع ذلك، فلم يسلم السنة من قمع صدام وكان حكمه يعني بالنسبة لهم أيضا، الحرب والحرمان، ولكن استسلامه المذل للقوات الأمريكية بدد ما تبقى له من كرامة، إن إقناع السنة بالقبول بدور مقلص كثيرا في السلطة يمثل واحدا من التحديات المركزية لجهود إعادة بناء العراق، ومع ذلك، هناك ما يدعو الى الاعتقاد بأن السنة قد يؤيدون عراقا فيدراليا ديمقراطيا، فمنطقة المثلث السني مغلقة ولا يوجد فيها احتياطات كبيرة من النفط، ولا يمكنها أن تعيش بمفردها وتحتاج علاقات طيبة مع بقية أنحاء العراق·
لا مركزية
لقد ظل الأكراد الحلفاء الأوثق للولايات المتحدة، وتمثل طموحاتهم السياسية مشكلة أيضا، فهم يشكلون بين 15-20 في المئة من السكان ويعيشون في شمال شرق البلاد بشكل رئيسي، وقد ظلوا منذ زمن طويل، يقاومون الحكم العربي ويحلمون بالاتحاد مع أقرانهم الأكراد في تركيا وإيران وسورية من أجل إقامة دولة كردستان المستقلة، لكن واشنطن أوضحت بجلاء أنها لن تدعم مثل هذا الانفصال ويقول الزعماء الأكراد إنهم يرغبون في قبول البقاء جزءا من العراق شريطة احترام حقوقهم، ولكن التحدي الحاسم "للأمريكيين" هو في إلزامهم الإيفاء بهذه التعهدات·
فالخطط الراهنة تدعو الى بناء مؤسسات سياسية جديدة مبنية على محافظات العراق الثماني عشرة، ويتطلب أمر بناء مؤسسات فاعلة للفيدرالية وتقاسم السلطة، البدء من نقطة الصفر تقريبا· إن إقامة سلطة لا مركزية بناء على المناطقية هو الأفضل من إقامته على أسس دينية أو إثنية، فالشيعة من أبناء الطبقة الوسطى الذين يقطنون بغداد لديهم نقاط اتفاق مع نظرائهم السنة أكثر مما لديهم مع شيعة المناطق الريفية في الجنوب·
وفي هذه المرحلة هناك شيء واحد واضح وهو أنه إذا أراد العراق بناء ديمقراطية قادرة على إلهام جيرانه، فعليه أن يبدأ بتعزيز علاقة صحية وأكثر ديمقراطية بين طوائفه الرئيسية الثلاث أولا·
" افتتاحية صحيفة نيويورك تايمز "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com