رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 26 شوال 1424هـ - 20 ديسمبر 2003
العدد 1607

لغايات في نفسها ولا علاقة لها بتحقيق العدالة··
واشنطن لا تريد محاكمة دولية لصدام

 

 

·        إدارة بوش لا تريد من المحاكمة إعطاء دفعة لمحكمة الجنايات الدولية

·        نزاهة محاكمة الدكتاتور هي الفيصل بين سيادة القانون أو نظام الانتقام في العراق

·        إذا تشكلت محاكم عراقية فقد تكون صورية أو تحقق عدالة المنتصر

 

 

بقلم: كينيث روث

(المدير التنفيذي لمنظمة

هيومان رايتس ووتش الأمريكية)

 

لا يمكن للمرء سوى أن يفرح لاعتقال صدام حسين، فربما يكون هو أول من يستحق المحاكمة والعقوبة، وتستحق القوات الأمريكية الشكر على اعتقال الدكتاتور المخلوع حتى يحاكم عن الجرائم التي اقترفها أمام المحكمة، لا أن يقتل في ميدان المعركة·

ولكن المخاطر الآن، هائلة، ونزاهة المحكمة التي سيمثل أمامها ستقرر ما إذا كانت محاكمته ستدعم حكم القانون في العراق أم أنها ستؤسس لنظام من الانتقام التعسفي، واشنطن تقول إنها لم تقرر بعد ماذا ستفعل به ولكن التحركات الأولى لمجلس الحكم العراقي المعين من قبل الولايات المتحدة لا تبشر بالخير·

لقد كان نظام حكم صدام مسؤولا عن مقتل ربع مليون عراقي، وتضم القبور الجماعية التي كشف النقاب عنها أخيرا، أكثر من مئة ألف عراقي من الأكراد الذين تمت تصفيتهم بالبنادق الرشاشة في ما عرف بحملة "الأنفال" عام 1988، إضافة الى الكثير من الأكراد الذين قتلوا بالغازات السامة وأكثر من 30 ألف شيعي أعدمهم أثر انتفاضة عام 1991، كما قتل النظام عددا آخر من المواطنين الشيعة في الثمانينات بسبب اتهامهم بالتعاطف مع إيران، وقتل النظام الكثيرين من أبناء عرب الأهوار حين قام بتجفيف تلك الأهوار وتدمير ثقافتها التي ازدهرت منذ قرون، ولم يتورع صدام حسين عن القضاء على أي شخص من كل الأديان والمذاهب بسبب معارضته الفعلية أو المتخيلة لنظام حكمه·

 

عدالة المنتصر

ولإنصاف كل هؤلاء الضحايا، لا بد من رفع الدعاوى باسمهم أمام محكمة عادلة كي ينال كل من ارتكب جريمة من أركان ذلك النظام جزاءه العادل، لكن مجلس الحكم العراقي اتخذ قرارا - بإيعاز من واشنطن - الأسبوع الماضي بتشكيل محكمة جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يقوم عليها قضاة عراقيون·

وعلى الرغم من الجاذبية الظاهرية للسماح للعراقيين بمحاكمة مجرميهم، إلا أنه ليس من المحتمل أن يؤدي هذا النهج الى قيام إجراءات قانونية معقولة أو محاكمات نزيهة، وهو يعكس رغبة واشنطن في عدم توسيع نظام العدالة الدولية وليس تصميماً على تحقيق العدالة·

وكما رأينا في حالتي رواندا ويوغوسلافيا السابقة، فإن الأحكام الصادرة ضد مرتكبي جرائم الإبادة أو الجرائم ضد الإنسانية قد تكون معقدة جدا وتحتاج الى قضاة ذوي مهارات وحنكة على نحو استثنائي وتحتاج الى جمع مجلدات من الوثائق الرسمية والأدلة الشرعية الحساسة من المقابر الجماعية وتقديم المئات من شهود العيان من بين الضحايا وأقاربهم والاهتمام الدقيق بالنواحي الإجرائية، وحتى لا تبدو أنها محاكم صورية أو أنها تجسيد لـ "عدالة المنتصر"، فإنها تستدعي وجود قضاة ذوي خبرة عالية ولا توجد أي شبهة حول استقامتهم·

ولا يمكن أن نتوقع من النظام القضائي القمعي والتعسفي الذي كان إبان حكم صدام أن يكون قد أنتج مثل هؤلاء القضاة·

فالأحكام كانت تبنى بصورة أساسية على الاعتراف الذي كان يتم انتزاعه بوساطة التعذيب، ولم يسمع أحد بتحقيقات جنائية جادة، ناهيك عن محاكمات معقدة، ويأمل مجلس الحكم العراقي بالتغلب على هذه المشكلة بالاستعانة بالعراقيين في المنافي إضافة الى عراقيين ينتمون الى تجمعات تعرضت تاريخيا لقمع النظام البعثي، ولكنهم ظلوا يعيشون داخل العراق، ولكن حتى من بين هؤلاء، سيظل من الصعب إيجاد قضاة لديهم المهارة والانفصال العاطفي عن الدكتاتورية السابقة، بما يمكنهم من إدارة محاكمات عادلة وينظر إليها من قبل الآخرين، أنها كذلك·

معايير دولية

إن تشكيل محاكم دولية سيكون خيارا أفضل، وذلك سواء كانت دولية خالصة أو - وهو الأمر المحتمل - بمشاركة عراقية، كما حدث في المحكمة الدولية الخاصة التي أنشئت من أجل سيراليون، ولأن طاقم المحاكمات ستختاره الأمم المتحدة وليس من قبل مجلس معين من قبل واشنطن، فعلى الأرجح أن ينظر لهذه المحاكم بأنها شرعية، ولأن بإمكان هذه المحاكم الاستعانة بقضاة عراقيين، فستكون أقدر على اجتذاب قضاة يتمتعون بالخبرة والنزاهة، من محكمة تبدو عراقية خالصة - ويمكن للمحاكم الدولية أن تجري في بغداد وتضم أكبر قدر من القضاة العراقيين، لكن يديرها قضاة دوليون لديهم سجلات بالتعامل مع قضايا معقدة ويحترمون المعايير الدولية للمحاكمات النزيهة·

وبالرغم من المزايا الواضحة لإجراء محاكمات دولية، إلا أن واشنطن ترفض ذلك بشدة، وهو ما يفسر النهج الذي اتبعه مجلس الحكم، ولكن معارضة واشنطن تعكس أيديولوجيتها، وليس حرصها على الشعب العراقي، فإدارة بوش تعتقد أن محاكم يتولاها أعضاء مجلس الحكم الذي اختارته بنفسها لن يعكس الجوانب المحرجة للدعم الذي حصل عليه صدام حسين من واشنطن، وعلى الأرجح أن تصدر مثل هذه المحكمة المحلية حكما بالإعدام على صدام، على الرغم من المعارضة الدولية الواسعة لذلك، والأهم من ذلك، لن تعطي دفعة - ولو غير مباشرة - لشرعية محكمة الجنــايات الدولية التي تعارض واشنطن قيامها·

وينبغي ألا يؤيد أحد مثل هذه المبررات التي لا تخدم سوى هدف أمريكي، ويجب على الحكومات الأخرى أن تشجع واشنطن على السماح بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة صدام حسين وأعوانه، فالشعب العراقي لا يستحق أقل من ذلك·

" عن صحيفة هيرالد تريبيون "

 

------------------------------------------------

 

الاستسلام المذل لصدام يبدد وهم "المقاومة العراقية الباسلة"

 

·        زعماء عرب يقتلون خصومهم إذا تعرضوا للخطر لكن صدام يقتل من أجل القتل

·        صدام ليس صلاح الدين وليس حامي العرب من الزحف الإيراني بل زعيم عصابة سادي

 

بقلم: جيم هوغلاند

 

الاستسلام المذل لصدام حسين سلط الضوء على جوهر سوء حكمه للعراق طوال ربع قرن، فقد كشفه كشخص زائف سرق شعبه من أجل إشباع غروره، وفي النهاية، لم يستطع أن يخرج عن شخصيته الزائفة ولم يستطع الهروب من الجيش الأمريكي الذي يطارده·

فبالنسبة للدكتاتور العراقي وبالنسبة لمن عصوا كلمته أو طموحه الدموي، فإن المعركة ظلت دائما شخصية، فحين قابله أربعة من أعضاء مجلس الحكم العراقي في مكان احتجازه بمطار بغداد الدولي، سألوه لماذا أقدم على قتل أحد رجال الدين الشيعة البارزين إضافة الى أشخاص آخرين·

ولم تكن تلك لحظة مجردة حول العدالة والحرية، بل عن ملايين الأرواح التي أزهقها هذا الوحش الجاثم أمامهم أو دمرها أو أرسل بها الى المنفى·

وقد رد صدام بسخرية وازدراء شخصي، وفقا لأحد أعضاء المجلس الذي كان من بين من قابلوه، والذي يضيف أن "صدام أظهر أنه لم يتعلم شيئا ولم ينس شيئا" خلال فترة تشرده·

فقد تلاعب الدكتاتور بالكلمات حيال اسم أحد الضحايا، وقد تحدث مع المحققين الأمريكيين بالطريقة ذاتها من الخطابة الطنانة التي كان يمارسها في المقابلات الصحافية التي كانت تجرى معه في بغداد، ومما قاله لأعضاء مجلس الحكم الأربعة الذين قابلوه أن "رجل الدين الذي تتحدثون عنه ما هو إلا إرهابي ومئات الآلاف الذين عثر عليهم في المقابر الجماعية إنما هم لصوص، أنا صارم ولكني حاكم عادل، وأنتم لستم سوى حثالة"·

زعيم عصابة

حسنا، ولكن سؤالي هو للقوات التي عثرت على هذا المقاتل العربي المختبئ في حفرة صغيرة ومعه مسدس لم يستخدمه ومبلغ 750 ألف دولار، هل ما زال يحتفظ بأزرار القميص الماسية؟ أم أن ذلك الرجل العظيم قد رهنها لتمويل فراره الى الخارج؟

لقد تباهى الدكتاتور أمامي بعرض الأزرار المرصعة بالماس على قميصه حين قابلته عام 1975 وهو يصف لي تفاصيل التزامه بالاشتراكية العربية! وأصر على إنكار وقوع جرائم الإبادة الجماعية في كردستان التي رأيتها بنفسي قبل أسابيع، وحين كتبت التقارير حول تلك الجرائم، بعث بمن ينقل إلي غضبه لذلك، ولأنني ذكرت في تقاريري، أزرار قميصه الماسية·

وبعد تلك الحادثة، أصبح من الصعب أخذه على محمل الجد كزعيم سياسي، وإن كان من الممكن التفكير به كزعيم عصابة أو طاغية مجرم، ففي حين يقتل الزعماء العرب الآخرون، خصومهم حين يشعرون بأنهم يتعرضون للخطر، يقتل صدام حسين من أجل الاستمرار في القتل، فالمشهد الذي حدث قرب تكريت يوم الأحد الماضي يسلط الضوء على حقيقة أن صدام حسين أمر بعمليات القتل والنهب لأمة بأكملها من قصوره الفارهة وليس من أرض المعركة·

فهذا ليس صلاح الدين كما يزعم الشعبيون المؤيدون له، وليس ذلك القومي العربي الشجاع والحداثي الذي أوقف زحف الحشود الإيرانية، كما كان يعتقد الكثير من الصحافيين العرب وحتى اثنين من الروساء الأمريكيين السابقين هما رونالد ريغان وجورج بوش "الأب"، في الثمانينات، صدام لم يكن سوى زعيم عصابة سادي أخفى وحشية وجشع عائلته في قناع شبه أيديولوجي أسماه "البعث"·

حجر الأساس

وحقيقة إلقاء القبض عليه "في حفرة كالفأر" على حد تعبير الميجور جنرال رايموند اوديرنو، سوف تساعد في تبديد الوهم بأن أعمال التمرد الإرهابية التي تقودها فلول صدام البعثية تشكل نموذجا بطوليا من القومية العراقية أو العربية، وما الحملة التي يقومون بها سوى محاولة لاستعادة الامتيازات والهيمنة من قبل مجموعة صغيرة من الأفراد الذين كان الموت والتدمير أدواتهم في ممارسة الحكم والآن يستخدمونها في ممارسة التمرد·

وربما يلعب اعتقال صدام بهذه الطريقة دورا في إنهاء التمرد، ففشله في المقاومة - على العكس من نجليه عدي وقصي - سوف يساعد في تفكيك عنصر الوهم من التمرد، فقد أبلغني مواطن من بغداد في مكالمة هاتفية أخيرا أن "الناس بدأوا يقولون إن النجلين ماتا كالرجال بينما استسلم هو كالجبان"·

وحين سأله أحد أعضاء مجلس الحكم "لماذا لم تقاتل؟" نظر صدام الى الجنود الأمريكيين وقال له "ولماذا لا تقاتلهم أنت؟"·

والآن، يتعين على المواطنين العراقيين من الطائفة السنية أن يتقدموا للمشاركة في السلطة بدلا من ممارسة رهاناتهم السياسية بوجل، وعليهم التوقف عن التمسك بالمواقف التي كانوا يتخذونها حين كان صدام لا يزال طليقا، فالمصالحة بين مختلف ألوان الطيف السياسي العراقي هي السبيل الوحيد نحو وطنية عراقية حقيقية لا تعامل الأكراد أو الشيعة وفقا لتصورات غريبة·

ويجب أن تجري المحاكمات لصدام وأركان نظامه في العراق وبإدارة عراقية وبدعم وإرشاد دوليين وبوحي من محاكمات نورمبيرغ لمجرمي الحرب النازيين، ويجب أن تصبح المحاكمات النزيهة والشفافة لهؤلاء المجرمين حجر الأساس للعراق الجديد الذين ينبعث من أنقاض الزيف الثقافي والعاطفي الذي كان يطلق عليه "البعث"·

" عن صحيفة واشنطن بوست "

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

أوقفوا هذا الزيف المسمى "سلطة فلسطينية" ولتتحمل إسرائيل كامل المسؤولية عن الاحتلال