كتب محرر الشؤون السياسية:
تبدأ يوم غد الأحد أعمال القمة الرابعة والعشرين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في ظروف تتوافر للمرة الأولى في المنطقة منذ تأسيس هذه المنظمة الإقليمية، فعند تأسيسها كانت المنطقة بأكملها تغلي كردة فعل مباشرة للثورة الإسلامية في إيران ورغبتها المعلنة لتصدير الثورة للخارج، وربما كان للكويت تحديداً أسبابها الخاصة التي دفعتها إلى مقدمة الدول الخليجية المطالبة بتأسيس المجلس· ومع تأسيسه انشغلت المنطقة ولمدة ثماني سنوات بحرب فرضها الطاغية صدام حسين وشجعتها ودعمتها كثير من أنظمة المنطقة ودول المجلس على وجه التحديد، ثم ما لبثت أن دخلت في دوامة أخرى على إثر احتلال صدام للكويت ثم طرده منها وما تلا ذلك من سنين هيمنت عليها الآثار التي ترتبت على ذلك الاحتلال وعلاقات ما بعد التحرير التي بدت فيها "التباينات" أو الخلافات أكثر وضوحاً بين دول مجلس التعاون·
ورغم تحالف دول المجلس جميعا لتحرير الكويت إلا أن الخلافات بدأت بالظهور على السطح كنتيجة للمواقف الخاصة لبعض هذه الدول وتقاربها مع النظام العراقي مع الإبقاء على شعرة معاوية مع بقية دول المجلس، يضاف إليها ما نتج عن التغير المفاجئ للحكم في قطر وما تلاه من إشكاليات نتج معظمها عن رغبة النظام الجديد لخلق مكانة خاصة له في المنطقة وكلاعب مهم على المستوى الدولي وكذلك ردود الأفعال الناتجة عن ذلك التحول الجذري في قطر التي ألقت بظلالها على المنطقة كلها·
ولم تنته هذه الخلافات أو "التباينات في وجهات النظر،" كما يحلو للمسؤولين في المنطقة تسميتها، مع دخول الولايات المتحدة في حربها ضد طالبان في أفغانستان ثم ضد نظام صدام حسين وإسقاط النظامين، فقد استمر التباين في المواقف الرسمية سواء المعلن منها أو غير المعلن لهذه الدول من أحداث المنطقة لدرجة اختلط فيها الحابل بالنابل، فبينما تقدم قطر أهم التسهيلات العسكرية واللوجستية للقوات الأمريكية تأخذ قناة الجزيرة المملوكة كلياً من قبل وزارة الخارجية القطرية دور القناة القومية المنسجمة مع "الشارع العربي" وبينما تعلن الدول الأخرى فيما عدا الكويت عن موقفها المناهض للحرب على "العراق" تقدم جميع هذه الدول تسهيلات عسكرية ولوجستية للجيش الأمريكي·
ولم تقف هذه الخلافات في السياسات الخارجية عند ذلك الحد، فلا تزال بعض هذه الدول غير مرتاحة لتغيير النظام العراقي ليس حباً فيه ولكن خشية مما يليه من تحولات محتملة في المنطقة أعلنت أمريكا رغبتها في تحقيقها بل ورصدت لها الأموال·
ورغم التحولات الإيجابية في بعض دول مجلس التعاون نحو مزيد من المشاركة السياسية المحدودة إلا أنها لا تزال أبطأ من رغبات المواطنين الذين يرون العالم يتحول من حولهم ويرون الأنظمة الشمولية تنتهي من دون رجعة بينما هم يحصلون على حقوقهم بالقطارة وحسب ما تقتضيه مصلحة الأنظمة، بل إن هناك من يرى أن الكويت وهي الدولة التي تميزت في فترة ما على جاراتها في المجلس بكونها أكثر تقدماً في مسيرة المشاركة السياسية تراجعت هي الأخرى وكأنها تريد النكوص عن هذه المسيرة والعودة إلى أسلوب تخلت عنه أكثر الدول تمسكاً به·
لذلك يرى كثير من المراقبين أن أمام هذه القمة خيارين لا ثالث لهما: فإما أن تتخذ قرارات على مستوى طموحات شعوبها أو تصدر شهادة وفاة هذه المنظمة الإقليمية التي يحمل اسمها الكثير بينما لم تقدم ما يستحق الذكر طيلة سنوات وجودها، فهي لا تزال تبدع في البيانات الختامية المليئة بالوعود التي لا تلبث أن تتكرر في القمم التالية لها· ولا تزال دول المجلس تراوح منذ نشأتها حول الاتفاقية الأمنية التي لفظتها الشعوب وتخلت عن مثيلاتها أغلب الدول الشمولية في العالم·
لقد فاض الناس وملوا ترديد الطموحات الكلامية الهلامية التي لا تحدها حدود وصولاً إلى العملة الخليجية الموحدة التي يعتبرها كثير من الاقتصاديين نكتة تتكرر موسمياً بينما تفتقد دول المجلس إلى الحد الأدنى من التنسيق الاقتصادي بينها بدءا بتوحيد المواصفات والمقاييس التي تعد ركيزة أساسية لتطوير التعاون الاقتصادي بين دول المجلس، وصولاً إلى مستلزمات التوحيد الاقتصادي الذي يأتي توحيد العملة كخطوة نهائية لها، وهو ما حدث في أوروبا التي لم تبدأ بتوحيد العملة إنما انتهت إليها بعد سنين طويلة من النقاشات التفصيلية بين ممثلي تلك الدول كل يسعى لما فيه مصلحة شعبه الذي انتخبه·
مطلوب من القمة الخليجية إن هي نظرت إلى المستقبل أن تستوعب المتغيرات من حولنا وأن تستبق بعضها قبل أن تفرض علينا من الخارج، فبعد أن انتهى شهر العسل النفطي ليس أمام هذه الحكومات سوى تأهيل وإعادة تأهيل مواطنيها ليكونوا قوة عمل منتجة تعتمد على نفسها بدلاً من اعتمادها الكلي تقريباً على العمالة الوافدة وهو أمر يتطلب إعادة النظر في مناهج وأساليب وآليات التعليم ونوعيته، كما تتطلب تحويل مليارات الدولارات التي تنفقها هذه الدول على التسليح الذي لا قيمة له سواء ذلك الخاص بكل دولة على حدة أو قوة درع الجزيرة التي أثبتت فشلها التام عند غزو صدام للكويت وحاولت ترقيع فشلها ذاك عند بدء حرب إسقاط طاغية العراق تحت مظلة حماية الكويت من احتمالات العدوان عليها!!!
فدول المنطقة تعتبر من أكثر دول العالم إنفاقاً على التسليح فقد نشرت منظمة العفو الدولية معلومات خطيرة ضمها كتاب تحت عنوان "تدمير حياة البشر" أن الكويت تعتبر أكثر بلدان العالم إنفاقاً على التسليح بالنسبة لعدد السكان، تأتي بعدها إسرائيل ثم الإمارات فسنغافورة فالولايات المتحدة ثم السعودية، كما أتت عمان بعد بريطانيا وقبل فرنسا· كما نشرت IISS The Military Balance 2003 - 04 ما يفيد أن ميزانية الدفاع الكويتية ازدادت 9,4 في المئة بين عامي 2002 و 2003· والآن وبعد أن سقط نظام "الفزاعة" ألا يحق لشعوب الخليج أن تحلم بتحقيق تنمية حقيقية بدلاً من هدر الأموال على أسلحة لا قيمة لها ولا يستفيد منها سوى سماسرة الأسلحة وأركان الفساد المرتبطة بهكذا صفقات·
التنمية الحقيقية التي ينتظرها أبناء الخليج لا تأتي إلا بإعادة تأهيل قوى العمل وخلق اقتصاد منتج لا ينتظر ارتفاع أسعار النفط كي يغطي عجز ميزانياته الناتج عن بذخ المسؤولين وحاشيتهم·
ومطلوب أيضاً من قادة المجلس، إن هم أرادوا إحداث تغيير يستحق الذكر، أن يجدوا طريقهم لإشراك شعوبهم في إدارة شؤونها وتحمل مسؤولية بناء أوطانها وهو أمر تستحقه هذه الشعوب بعد أن تأخرت عن ركب شعوب العالم التي تحررت من الأنظمة الشمولية وبادرت في بناء أوطانها وكان أقرب نموذج لها الشعب الجورجي الذي أسقط شيفاردناتزة بالعصيان المدني ونال حريته بأسلوب حضاري يحسد عليه· والأمر لا يقف عند استحقاق الشعوب فحسب لأنه أصبح سمة من سمات العالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر شئنا أم أبينا·
أما على المستوى الإقليمي فأمام مجلس التعاون تحدّ تاريخي يتمثل في الاستثمار طويل المدى في استقرار العراق وازدهاره، لأنه مفتاح الهدوء والتنمية في المنطقة إن استقر، وهو الشرارة التي ستحرق الأخضر واليابس إن لم يستقر، ذلك يعني أن على جميع دول المجلس أن تنظر إلى المستقبل القريب والاستراتيجي وليس إلى حسابات آنية ضيقة· المطلوب ليس بالضرورة إدخال العراق في عضوية مجلس التعاون التي لن تعني سوى إضافة اسم سابع لا أكثر، بل التفكير وبشكل جدي فيما يمكن أن يحول العراق إلى مركز جذب اقتصادي وتنموي تساهم فيه جميع دول المنطقة ليصبح لكلمة المصالح المشتركة معنى حقيقي، عندئذ ستتحول المنطقة إلى قوة اقتصادية العراق جزء منها وليس مجرد منظمة إقليمية تحمل اسماً أكبر منها لا يمت للواقع المعاش بصلة، وليطلق على هذه المنظمة الجديدة أي اسم يريد الأعضاء حتى لو كان مجلس التعاون الاقتصادي لدول الخليج العربية· فهل تراهم فاعلون؟