زمن الصورة
وزمان الأسطورة
نشمي مهنا
كنا نعتقد أن الزمن فقد قدرته على خلق الروايات الأسطورية، والحوادث الكبار العجائبية، زماننا هذا الرتيب العادي الذي طالما شكونا نضوب حكاياه، بعدما شربتها تربة أجدادنا القدامى وعصور معجزاتهم·
الآن، يبدو أن مخيلته الكونية بدأت بالاشتغال على الإدهاش من جديد، وأي مخيلة جبارة هذه التي بدأت حكايتها الأولى بمشهد 11 سبتمبر، والثانية بحكاية وصورة الطاغية الأشعث (ذكرنا بلحية كارل ماركس على أغلفة الكتب)!
إذن، هو نفسه زمان الأسطورة والألف ليلة وليلة من الغرائب المتتابعة، إنما استبدل هذا الزمن بشهرزاده القديمة (المملة وفق حداثتنا) شهرزاد الصورة·
وهذا زمن الصورة المعلقة بالفضاء والراسخة - أكثر - بأذهاننا!
تحتاج شعوبنا العربية - كأعظم ما تكون الحاجة - الى مثل هذه الحكاية الأخيرة الصادمة والمتقنة إخراجا، فلا بأس بالذل الغزير يتغلغل بالنفس حتى يتشربها، وباليأس العميق الذي يقتل الأمل والوهم سويا، فقد يخلق هذان (الذل المرتب واليأس الخالق) عقلية عربية جديدة، تستند الى واقعية مسايرة لعصرها، بعد أن تمحو الوهم عن تلافيفها·
اغتاظ كثير من أهلنا العرب من مشهد الطاغية وذله وانكساره ودور الأيام عليه، واحترقت قلوبهم المؤمنة بخرافته، لكن عقولهم لم تحترق بعد، لذا فالأفضل أن نشعل الحرائق في كل مكان، علّ تلك القلوب المتعلقة بطغاتها تفك أواصر جهلها وذلها (المحلي)·
أحيانا، يكافح حريق الغابات بحريق مقابل على الجهة الأخرى، تشعله أياد محترفة، حتى لا تتحول الغابة كلها الى جحيم، فلماذا لا نبدأ مع شهرزاد العصر الحديث بحرق مساحات الجهالات في عقلنا العربي، كي نسلم على البقية؟!
***
جحر صدام، وسحبه منه على "صورة" إنسان أول حجري، نبهنا أن العقلية العربية أيضا تحتاج الى مطاردة، وسحب، ومحاكمة، وبالتأكد من جيناتها المتعفنة عن طريق الـ DNA، حتى نتمكن من علاجها ولو في آخر مراحل العلاج·
***
النفس العربية "الشهمة" تتعلق بطغاتها لسببين: لـ "طول العشرة" معهم، فلو كان لصدام طغيان عابر لسنة أو سنتين، لما اعترضت على القبض عليه، والسبب الآخر أنها بعيدة تتفرج على جحيم العراقيين فقط·
nashmi@taleea.com