
كتب المحرر الثقافي:
بعد خسارة الأدب الفلسطيني والعربي برحيل المفكر إدوارد سعيد والناقد إحسان عباس والشاعر محمد القيسي في الأشهر القليلة الماضية، نعت الأوساط الأدبية منذ أيام الشاعرة فدوى طوقان، عن 86 عاماً، قضتها في العزلة النابلسية بين الشعر والتأمل في سيرة المدينة والوطن والعاطفة·
بدأت أم الشعراء الفلسطينيين كما لقبت، وسنديانة نابلس، وشاهدة عصر النكبات الفلسطينية، وحارسة روح المدينة كتاباتها الشعرية المبكرة برعاية من شقيقها الشاعر الكبير إبراهيم طوقان، متأثرة بلونه الكتابي وبشعراء المرحلة التقليدية، وانتقلت بعد النكسة عام 67 إلى التقرب أكثر من يوميات المقاومة، بلغة جديدة ترتكز على مفردات الغضب والتحريض والسردية، وإن لم تقع في الخطابية التي طغت أيامها على قاموس شعراء الثورة والمقاومة·
حكت فدوى طوقان في الجزء الأول من كتاب سيرتها الذاتية "رحلة جبلية رحلة صعبة"، (85) سيرة أخرى موازية لمدينة طفولتها وفلسطين العشرينات والمراحل الأولى لتجربتها الشعرية وعلاقتها بشقيقها إبراهيم، وتجاربها في الأمل والعاطفة والحياة· وفي الجزء الثاني (93) "الرحلة الأصعب" بدأت في استكمال حكايتها من عام 67 ضفرت فيه حياتها بحياة أهلها وشعبها تحت الاحتلال الإسرائيلي·
في إحدى قصائدها، كتبت تقول: "أنا عين المرأة / الشاهدة / بؤرة العدسة / صياح الديك عن الفجر / لؤلؤة الكلام / حجارة الحيطان العتيقة / نبتة الظلال التي تعانق المساء / أنا الصوت الذي يستحضر الأمل وقت الكلام"، وعدت كذلك - كما قالت - كون شعرها وكتاباتها مرآة صادقة لآلام شعبها وآماله، وحجارة عتيقة تروي التاريخ لحواري المدينة وأبوابها، للعابر والمقيم وللأجيال الجديدة·
قالت مرة في حديث إذاعي أنها مازالت تعشق وتغني للعاطفة الجامحة، لكنها تتحفظ عليه أحياناً لتقدم العمر وقيود مجتمعها الشرقي، وأنها مازالت تحمل قلب فتاة عاشقة تلهو بدفاترها الوردية حتى وهي في الثمانين، وتقول في إحدى لقاءاتها الصحافية "الرجل مسموح له مثلاً أن يحب حتى لو كان عمره مئة عام أما المرأة فلا· وكتبت أطياف هذا الحب الثمانيني في مجموعتها الشعرية الأخيرة (اللحن الأخير)·
عن تاريخ ميلادها تقول إنه ضاع في ضباب السنين "قالت لي أمي أدلك على مصدر موثوق لتتيقني من عام ميلادك، فحين استشهد ابن عمي كامل عسقلان كنت في الشهر السابع للحمل، فقلت لها: لم يبق أمامي إلا أن استخرج شهادة ميلادي من شاهد قبر ابن عمك، ترى هل ربطت والدتي مقدمي للعائلة بهذا النحس الذي أصابها؟"·
عدَّ كثير من النقاد قصيدتها "نداء الأرض" المنشورة في منتصف الخمسينات من القرن الماضي في مجلة "الآداب" البيروتية تطوراً كبيراً ملحوظاً في التعبير عن الإنسان الفلسطيني، ومعاناة التشرد واللجوء، وتعليق المواطن البسيط آماله على السلطة السياسية ورجالها، ويأسه في نهاية معاناته من أكاذيبها، ومن ثم لجوئه إلى التمرد والعمل الفردي، وكان لهذا النص المحرض مفرداته الجديدة وجرأته في التطرق إلى معاناة البسطاء، بعيداً عن محاذير المضمون واللغة التي كانت تحيط بشعراء تلك الفترة:
أيسلب حقي وأبقى أنا
حليف التشرد
أصحب ذلة عاري هنا
أأبقى هنا لأموت غريباً بأرض غريبة
أأبقى
ومن قالها
سأعود لأرضي الحبيبة
بلى سأعود
هناك سيطوى كتاب حياتي
سيحنو عليّ ترابها الكريم ويؤوي رفاتي
سأرجع لا بد من عودتي
سأرجع مهما بدت محنتي
وقصة عاري بغير نهاية
سأنهي بنفسي هذه الرواية
وأنهت الشاعرة "روايتها"·· و"رحلتها الصعبة" بعد أن لبت "نداء الأرض" التي تعشقها، وسكنت ذاكرة المدينة القديمة وديوان الشعر العربي·