بقلم: إتش· دي· إس· غرينواي
يتعين على كل من يعتقد أن إسرائيل لم تكن أبدا محاصرة كما هي اليوم، أن يتذكر حرب "يوم الغفران" أو حرب رمضان عام 1973 حين تمكنت القوات المصرية والسورية في وقت واحد من مباغتة القوات الإسرائيلية وعبور قناة السويس ومرتفعات الجولان·
وقد اعتبر المحللون العسكريون ما حدث بأنه هجوم كلاسيكي مباغت، ولكننا نعرف الآن أن إسرائيل كانت تعلم كل شيء تقريبا عن الاستعدادات العربية للحرب، بل إن الملك حسين زار تل أبيب سرا لتحذير إسرائيل، ولكن لأن الجيوش العربية هزمت بسهولة أمام إسرائيل في حربي عام 56 وعام 67، تجاهلت إسرائيل كل التحذيرات واختارت أن تصدق أن العرب لا يفكرون بالحرب·
ولكنهم فعلوها وشنوا الحرب بمعدات عسكرية سوفييتية متطورة وتكتيكات جديدة وقيادة جريئة، كما يقول إبراهام رابينوفيتش، مؤلف الكتاب الجديد حول حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر 73) والذي يصف ردة فعل جنرالات الجيش الإسرائيلي على تلك التحذيرات بأنها تمثل "عرضا صارخا للغطرسة"، وتقول غولدا مئير رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك - في مذكراتها - إنها ضربت على رأسها لأنها صدقت أولئك الجنرالات·
تحطيم المعبد الثالث
لقد تقهقر الجيش الإسرائيلي أمام تقدم الجيوش العربية وبدت الهزيمة إمكانية حقيقية على الجبهتين المصرية والسورية، وتحدث وزير الدفاع آنذاك، موشيه دايان بتشاؤم عن تحطيم "المعبد الثالث" أي دولة إسرائيل، وتحدثت تقارير لم يؤكدها أحد عن أن إسرائيل وضعت سلاحها النووي في حالة الاستعداد·
وسارع الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة كل لإعادة تزويد وكيله بالأسلحة، واقتربت أساطيلهما في البحر الأبيض المتوسط من المنطقة، وأعلنت الولايات المتحدة حالة التأهب النووي، فلم تكن قواعد الحرب الباردة تسمح لقوة عظمى بأن تسكت على هزيمة وكيلها·
ولكن هنري كيسنجر الذي لم يمض سوى شهر واحد على توليه وزارة الخارجية "تمكن من اكتشاف سر وقف التدهور" على حد تعبير رابيونوفيتش، فقد أحس كيسنجر أن الرئيس المصري أنور السادات لم يكن يمضي في الحرب الى نهاية المطاف بل أراد تحريك الوضع والخروج من المأزق الراهن وعقد اتفاق مع إسرائيل·
سلام بارد
وبعد فترة من الكرب، استعاد الإسرائيليون زمام المبادرة فقد تمكن الجنرال أرييل شارون من العبور الى شرقي القناة ضمن خطوة جريئة كانت بمثابة تتويج لحياته العسكرية، ومني السوريون بعدد من الهزائم على الجبهة الشمالية، وأصبح النصر الناجز والنهائي في متناول يد إسرائيل، ولكن نجح كيسنجر في ترتيب وقف لإطلاق النار أبقى على الجيش المصري في مواقعه على الضفة الشرقية لقناة السويس، وكانت تلك خطوة تعاملت معها غولدا مئير بازدراء في مذكراتها، ولكنها أنقذت مصر من هزيمة مذلة أخرى، ومهدت الطريق الى السلام، فبعد أربع سنوات قام السادات بزيارته الشهيرة الى القدس وخرجت مصر من معادلة الحرب، وتقلص خطر إلقاء إسرائيل في البحر الى درجة الصفر، صحيح أن السلام بين البلدين ظل باردا، "ولكن الإسرائيليين استغلوه الى أقصى درجة" كما يقال في إسرائيل·
وقد ألغى انهيار الاتحاد السوفييتي أي فرصة لأن تواجه إسرائيل تحديا في حرب تقليدية، كما وقع الأردن اتفاق سلام مع إسرائيل عام 1994·
وجهان للمأساة
والآن، فإن إسرائيل تخوض معركة من نوع مختلف ضد شعب يخضع للاحتلال العسكري، ولكن بالرغم من رعب العمليات الانتحارية، فإن هذا الشعب لا يهدد وجودها كدولة، وللمأساة وجهان الأول أن الشعبين كانا قاب قوسين أو أدنى من السلام قبل أن تنزلق الأمور نحو العنف، والثاني أن على رأس كل من الشعبين قيادة سيئة·
فرئيس الوزراء أرييل شارون الذي كان بطل حرب عام 73 لا يزال يسعى الى الحلول العسكرية للنزاع، وكذلك هناك الكثير من المتطرفين في الجانب الفلسطيني ممن يؤمنون بإمكانية استنزاف قدرات إسرائيل وتحقيق النصر في نهاية المطاف·
ولقد أصبح المتطرفون الآن هم الأقوى في المعسكرين، ولكن في النهاية، ليس هناك حل عسكري للصراع، ولا يمكن لأي خطوط دفاعية أو جدران أن توفر لإسرائيل الأمن، ولا يوجد هنري كيسنجر آخر يقنعها أن الإذلال الكامل للعدو ستكون له نتائج عكسية·
ومع ذلك، هناك إسرائيليون من أمثال رئيس أركان الجيش موشيه يعالون وأربعة رؤساء سابقين لجهاز الأمن الداخلي "شين بيت" ممن رفعوا أصواتم بجرأة ليقولوا إنه لمن الجنون عدم إعطاء الفلسطينيين أملا بالمستقبل من خلال مواصلة المحاولات لحملهم على الاستسلام، وهؤلاء هم الإسرائيليون الذين يبدون المرونة والجرأة اللتين أبداهما شارون قبل ثلاثين عاما ويفتقدهما الآن، من أجل استعادة زمام المبادرة، وهؤلاء هم الذين يدركون أن ثمة قناة نفسية ينبغي اجتيازها، وأن عبقرية إسرائيل ظلت دائما تتمثل في اقتناص مثل هذه الفرص حتى في أحلك الأوقات·
" عن صحيفة هيرالد تريبيون "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com