· إحجام إدارة بوش عن التدخل في الشرق الأوسط يعني إطلاق يد إسرائيل
· ليكود يخطط لطرد سكان الضفة الغربية الى الأردن سلما أو حربا
· شارون يعتقد أن العمليات الانتحارية ثمن يجب على الإسرائليين دفعه مقابل الاحتفاظ بالأرض
بقلم: باتريك سيل
من الواضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون وأصدقاءه في واشنطن هم في عجلة من أمرهم ويسابقون الزمن من أجل تحقيق أهدافهم قبل أن يتمكن أحد من إيقافهم، وحين يكون شارون وأصدقاؤه مستعجلين فإنهم يشكلون خطرا مضاعفا، فهم يضعون نصب أعينهم كلا من سورية وإيران ومن ثم المملكة العربية السعودية وحتى مصر، والضغوط السياسية والاقتصادية والعقوبات التجارية والحظر الاقتصادي والتدخل وتغيير أنظمة الحكم بالقوة العسكرية·· هي بعض أدواتهم لإجبار العرب على الرضوخ لإرادة إسرائيل والولايات المتحدة·
والهدف الرئيسي لشارون هو إقامة "إسرائيل الكبرى" على أنقاض الوطنية الفلسطينية، وكانت آخر الأدوات التي استخدمها من أجل ذلك هو جدار الفصل الذي يضع الفلسطينيين في سجن داخل نتف صغيرة من أرضهم ويقطع اتصالهم بجيرانهم العرب من كل الجهات، ومن المقرر الانتهاء من بناء الجدار خلال ثمانية أشهر، ويبدي شارون تصميما على عدم السماح لأي شيء بأن يمنعه عن استكمال البناء·
موقف هش
وكان قد حقق انتصارا كبيرا الشهر الماضي في مجلس الأمن الدولي حين صوتت الولايات المتحدة ضد قرار قدمته سورية يدين بناء الجدار، وردت مجموعة فلسطينية راديكالية خلال ساعات بمهاجمة قافلة أمريكية في غزة مما أدى الى مقتل ثلاثة أمريكيين وإصابة رابع بجروح·
أما مخاوف شارون الأبرز وسبب تسريعه العمل لتحقيق أهدافه فهي احتمال سقوط جورج بوش في انتخابات الرئاسة المقبلة في شهر نوفمبر 2004 وسقوط مجموعة المحافظين الجدد التي وضعت أجندة السياسة الخارجية "والداخلية" للولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، معه·
فرموز هذا التيار هم الذين ضغطوا باتجاه شن الحرب على العراق كخطوة أولى نحو إعادة صوغ الحقائق الجيوسياسية للشرق الأوسط، ولكن الركود الاقتصادي في أمريكا والفوضى في العراق ومشاعر الغضب ضد الولايات المتحدة التي تجتاح العالمين العربي والإسلامي·· كل هذه العوامل جعلت الرئيس بوش في موقف هش، إن وجود رئيس ديمقراطي في البيت الأبيض لن يبدي كل هذا التسامح مع هذه الطموحات الإسرائيلية، ولن يكون مستعدا للمصادقة على السياسات العدوانية للمحافظين الجدد·
ولدى شارون مخاوف أخرى داخلية كالتحقيقات التي تجريها الشرطة بشأن اتهامات بتلقي ولديه رشاوى، وهي الاتهامات التي قد تطيح به خلال عام 2004، ومما يزيد من مخاوفه أن اليسار الإسرائيلي الذي ظل ساكنا طوال العامين الماضين، بدأ يتعافى·
فقد انضم رموز بارزون في المعارضة من أمثلا يوسي بيلين وعمرام ميتسناع وإبراهام بورغ الى معتدلين فلسطينيين بزعامة ياسر عبد ربه، في جهد لصياغة خطة سلام تقوم على أساس دولتين وأطلقوا عليها اسم "اتفاقية جنيف"، وذلك نتيجة لعامين من المفاوضات السرية بتمويل من الحكومة السويسرية·
طوباوية يائسة
وتمثل هذه الاتفاقية كل ما يمقته شارون وما أمضى حياته في السعي الى تدميره، فهي تنص على انسحاب إسرائيل الى حدود عام 67 "مع بعض التعديلات الطفيفة" بشكل يسمح بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وينص الاتفاق على أن تضم إسرائيل بعض المستوطنات القريبة من الخط الأخضر، ولكن إخلاء المستوطنات الواقعة في قلب الأراضي الفلسطينية، وتصبح القدس عاصمة للدولتين مع سيادة فلسطينية على الحرم الشريف وسيادة إسرائيلية على حائط المبكى والحي اليهودي في القدس القديمة، أما التنازل الفلسطيني الرئيسي فيتمثل بالتخلي عن "حق العودة"، وسوف تشرف قوة دولية على تنفيذ الخطة، بينما يتم "تدجين" أو تفكيك المنظمات الفلسطينية الراديكالية·
وقد تبدو اتفاقية جنيف في المناخ السائد حاليا، ضربا من الطوباوية اليائسة، وأن لا أمل بتطبيقها طالما ظلت حكومة شارون أو أي حكومة شبيهة في السلطة، ومع ذلك، فإن أهميتها تكمن في توفير ما يفتقر إليه الرأي العام الإسرائيلي الذي يتوق الى انقشاع كابوس القتل والقتل المضاد، بمعنى آخر، إن حدوث تغيير في واشنطن وتحرك الجمهور الإسرائيلي نحو الوسط قليلا، من خلال وجود خطة سلام موثوق بها، قد يشكل تهديدا آخر لطموحات شارون·
لقد جاءت ردة فعل شارون غاضبة على "اتفاقية جنيف" وقال: "بأي حق يقترح أناس من الجناح اليساري خطوات لا يمكن لإسرائيل اتخاذها ولن تتخدها أبدا"، لقد ظل شارون يسعى دائما للسيطرة على كامل فلسطين، وهو الطموح الذي ينطوي على طرد معظم - إن لم يكن كل - السكان الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية الى الأردن الذي سوف يصبح - حسب اعتقاد شارون - دولة فلسطينية، ولأن العقبات كبيرة أمام تحقيق هذا المشروع فقد لجأ شارون الى خطة أخرى تقضي بالسيطرة على 90 في المئة من فلسطين التاريخية وحشر سكانها في 10 في المئة من الأرض خلف الجدار الفاصل فما من شك في أن شارون يعتقد أنه ما إن يتم الانتهاء من بناء الجدار، فسوف يتم القبول به من المجتمع الدولي ومن الفلسطينيين أنفسهم، باعتباره خط الحدود الجديد بينهم وبين إسرائيل·
صفحة سوداء
ومن هنا يأتي تصميم شارون وأنصاره في واشنطن، للتحرك بأقصى سرعة في إتمام بناء الجدار في ظروف إقليمية ودولية مواتية، فالرصيد الأكبر لشارون هو شخص جورج بوش، إذ إن تراجع إدارة بوش عن الانخراط في الصراع العربي - الإسرائيلي، إنما يعكس قرارا أمريكيا بإطلاق يد إسرائيل في إدارة المشكلة الفلسطينية كما تشاء، وهذا واضح من لجوئها - أكثر من مرة - لاستخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرارات بإدانة الجدار الفاصل والغارة الإسرائيلية على الأراضي السورية، والتزامها الصمت إزاء توسيع المستوطنات وعمليات التدمير الكبيرة التي قامت بها إسرائيل في مدينة رفح على الحدود مع مصر والتي تركت أكثر من ألف وخمسمئة فلسطيني بلا مأوى·
وفي الوقت الذي يعد بوش لحملته الانتخابية، تظهر الاستطلاعات انخفاضا في شعبيته، وسقوطه قبل شارون سوف يعتبر طويا لواحدة من أكثر الصفحات سوادا في تاريخ أمريكا الحديث، فهذه الإدارة أثارت الشكوك الأوروبية والكراهية في العالم الإسلامي تجاه سياساتها الخارجية·
رسالة مزدوجة
وهناك أسباب أخرى تجعل شارون يشعر بالرضى، ففي حين لا تواجه إسرائيل أي تهديد استراتيجي، يترنح أعداؤها، فالعراق الممزق يخضع للاحتلال الأمريكي، وإيران تواجه ضغوطا دولية كبيرة بسبب برنامجها النووي، وانقسامات داخلية بين المحافظين والإصلاحيين، ويخضع الخليج العربي للمظلة العسكرية الأمريكية، ولا تجرؤ مصر المحيدة بفضل اتفاقات كامب ديفيد والمعونات الاقتصادية السنوية من الولايات المتحدة، على مجرد الكلام دفاعا عن الفلسطينيين·
وتواجه سورية ضغوطا شديدة من واشنطن من خلال ما يعرف بـ "قانون محاسبة سورية" ومن إسرائيل التي تكرر تهديدها بضرب أهداف داخل الأراضي السورية، ويعتقد شارون أن بوسعه إجبار الفلسطينيين على الاستسلام، ومن الواضح أن الغارة الجوية الإسرائيلية على إحدى ضواحي العاصمة السورية والتي تزامنت مع عمليات التوغل في رفح، ما هما إلا رسالتي تهديد الى كل من سورية ومصر، بوقف أي دعم للفلسطينيين وإلا مواجهة العواقب، ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يجد حتى الآن، حلا للعمليات الانتحارية التي روعت الجمهور الإسرائيلي ودمرت الاقتصاد وقتلت السياحة وأوقفت الاستثمارات الأجنبية، فهذه العمليات تشعر شارون بحيرة عميقة، ولكنه ربما يعتقد أنها ثمن يجدر بالإسرائيليين دفعه مقابل الاحتفاظ بالأرض التي تأتي متقدمة على الأمن في سلم أولوياته، وهو يعتقد أن استكمال جدار البناء الفاصل لن يحقق الأمن فحسب، بل سيدفع الفلسطينيين الى الاستسلام·
" عن الديلي ستار "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com