أسبوعان من عمر الزمن
في كل يوم يمر علينا نرى أسوأ وجه للإنسان والإنسانية من قتل ودمار وحروب وقنابل عنقودية وأخرى وزنها 15 طناً ومقابر جماعية للآلاف تحصدهم قنابل الطائرات ولا يذكر شيء عن أعدادهم وفتن طائفية وعرقية وقومية·
ولكني في الفترة من 2003/6/30 - 15 رأيت أفضل أوجه الإنسانية، رأيت أهالي قرية نائية في إيرلندا تدعى كاسلري يحتفلون بقدوم وفد رياضي من الكويتيين المعاقين ذهنياً احتفالاً قل أن يقام لرؤساء الدول، فقد كان سكان القرى على طول الطريق بين العاصمة دبلن والقرية المضيفة كاسليري يصطفون على جانبي الطريق يلوحون بالأعلام الكويتية ويوقدون النار احتفالاً بمرور الوفد الكويتي· وعند وصول الوفد إلى مشارف كاسليري كانت الفرقة الموسيقية النحاسية تسير أمام الباص المقل للوفد وكان الأطفال يركضون على أرصفة الطريق ويلوحون بالأعلام الكويتية والجماهير تملأ الشوارع· واستقبلنا الأهالي استقبال الأبطال واستضافونا في بيوتهم ومع أبنائهم لا في الفنادق ولم يفارقونا لحظة واحدة وقد توزع الوفد الكويتي المكون من 30 عضواً على 11 عائلة بحيث تستضيف كل عائلة ما بين اثنين وأربعة أفراد من الوفد، وكانت حفلات التكريم يومية حفلة تلي الأخرى، رأيت الصيدلية التي رفعت العلم الكويتي في كاسليري ورفضت أن تأخذ فلساً ثمناً لأدوية الوفد· رأيت الرجال يبكون حين غادرنا القرية بعد خمسة أيام إلى دبلن·
رأيت المواطن الكويتي جاسم الرشيد البدر الذي نذر نفسه ووقته وحياته لتحسين قدرات ابنه العقلية والنفسية والاجتماعية والجسدية·
هذا المواطن الذي يرفض أن يسافر مع زوجته والدة مشعل على طائرة واحدة حتى لو سقطت الطائرة فسيبقى أحدهما لرعاية مشعل· هذا المواطن الذي يعطي صورة مشرقة للإنسان تتناقض مع من يودع ابنه المعاق في الملحق مع الخادمة·
رأيت مشعل نفسه وقد نضج كثيراً في خلال فترة قصيرة وأصبح قادراً على التعامل بصورة طبيعية تماماً مع زملائه اللاعبين الكويتيين وغير الكويتيين ومع مدربه والمدربين الآخرين ومع رئيس الوفد والإداريين والطبيب مما أدى إلى إلغاء الحواجز تماماً بينه وبين المجتمع الصغير الذي عاش فيه، ويؤكد للجميع إمكانية إلغاء هذه الحواجز بينه وبين المجتمع الكبير بحيث تتحقق المساواة والاندماج·
في هذين الأسبوعين رأيت مسابقات رياضية الهدف منها إثبات قدرات الأبناء المعاقين وليست حرباً بين الدول، فليس فيها أن أمريكا هزمت روسيا، أو أن الكويت سحقت السعودية في المباراة، ولا ترفع أعلام النصر لأية دولة كانت فالمنتصرون هم اللاعبون المعاقون جميعهم· رأيت اللاعبين وهم جميعاً فرحون، من حقق ميدالية ومن لم يحقق· رأيت لاعبين من 160 دولة يتنافسون في حب وإخاء·
د· بسام قصراوي