

· أحداث دفعت وزراء للاستقالة·· والأسباب تكمن في عدم امكانية التعاون مع الفريق الحكومي أو مجلس الأمة
· د·النقيب: معظم المجندين إداريا من فئة "الناجين"
· النصف: غياب المحاسبة غيّب الاستقالات
· د·صرخوه: المسؤول الكبير لا يقبل باستقالة من عيّنه
· السعدون:النفاق السياسي والاجتماعي يمنع الاستقالة ويجعلها استثناء
· المشاري: استقلت من "أهالي الأسرى" عندما لم أجد جديدا أقدمه
· الراشد: الاستقالة سمة في الدول الديمقراطية
كتب مظفر عبدالله
لماذا تتعثر الاستقالات التي يتقدم بها مسؤولون كبار خاصة من فئة "الوزراء" أو من هم دونهم لتقع في طريق مسدود وتحديدا على طاولة مجلس الوزراء؟ ولماذا لا يتقدم بعض المسؤولين باستقالاتهم إثر كوارث وحوادث كبيرة على شاكلة الغزو العراقي لدولة الكويت، وانفجارات المنشآت النفطية المتكررة، ونفوق جزء كبير من الثروة السمكية فيما عرف بيئيا بـ "المد الأحمر"، وحوادث التعذيب التي طالت مواطنين، وسرقة الأطفال من مستشفى الولادة أخيرا·
أليست هذه الحوادث حرية بأن يتبعها استقالات أو إقالات من المناصب؟ فما السر في اختفاء هذه الظاهرة الصحية عن البيئة السياسية في الكويت؟! هل هي لأسباب تتعلق بطرق التشكيل الوزاري الذي يولد دوما بعملية قيصرية؟ أم هي لأسباب تتعلق بضرورة احترام من قام باختيار المسؤولين الكبار وعدم إظهاره بأنه لم يحسن الاختيار؟ أم وراء هذا وذاك تعمُّد إهدار قيم المحاسبة التي تكاد تكون قد اختفت؟!
في مداخلة قيمة لمدير إدارة مكافحة الفساد في الخارجية الأمريكية ديفيد م· لونا ضمن فعاليات مؤتمر عقد في المعهد الدولي للأخلاقيات العامة في أستراليا في أكتوبر 2002 يقول بأن "الفساد هو سرقة للثروات، إنه يسرق من المواطنين قدراتهم الكامنة كما يسرق منهم طموحاتهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل وتعليم أحسن ورعاية صحية أشمل، كما يؤدي الفساد الى إهدار سيادة القانون وزعزعة المؤسسات القائمة التي تعتبر أساس الديمقراطية، وتهديد الأمن العام للجميع"·
ويضيف لونا "ويؤدي انتشار التصرفات الفاسدة وغير الأمينة واللاأخلاقية بين الموظفين العموميين الى انخفاض ثقة الناس في قدرة الحكومة على القيام بعمل جيد وتحقيق المصلحة العامة"·
"الطليعة" توجهت بتساؤلاتها لعدد من الفعاليات الكويتية من خبراء وأكاديميين وناشطين وكانت لهم هذه الآراء حول الموضوع:
السعدون: شمولية
النظام هي السبب
أكد الخبير الاقتصادي رئيس مكتب الشال للاستشارات الاقتصادية جاسم السعدون أن ثقافة استقالة الوزير قيمة ديمقراطية، وعدم استقالة الوزير خاصية تبدو أكثر وضوحا كلما كان النظام السياسي السائد يميل أكثر الى الشمولية، والكويت رغم الواجهة الديمقراطية ليست بلدا ديمقراطيا، فللديمقراطية جملة من الخصائص أهمها اتساع قاعدة المشاركة - المرأة، الجنود، صغار السن، المتجنسين - وهو ليس حال الكويت إذ لا تتعدى قاعدة المشاركة %15 من مجموع الكويتيين، والديمقراطية نظام تعليم مستمر وتراكمي وفي الكويت رغم قصوره كان متقطعا وصراع النوايا حوله مستمر والعمل الحزبي والذي في غيابه تنشط انتماءات خطرة من الطائفية والقبلية والعائلية والمناطقية وغيرها ومعها تعيب البرامج ووسائل قياس الإنجاز، وعملت الحكومة على اختزال الدوائر الانتخابية لفرض وسائل قياس وأداء مختلفة تعتمد على شراء الناخب والوزير بالباطل أحيانا، والديمقراطية تفترض تداول السلطة، والسلطة الحقيقية بيد السلطة التنفيذية الثابتة رغم كل الخطايا من المناخ الى سرقات المال العام الى سرقات الوطن الى رداءة الأداء، وما دام الرئيس ثابتا فما عداه ثابت·
وأضاف "وفي النظم الديمقراطية يربط المنصب بالإنجاز وفي الغالب الأعم يتم اختيار المسؤول طمعا في تميز أدائه، وعليه سيكون عقلا وكرامة بمستوى منصبه، وإن شعر بأنه أخفق أو أحرج لن يفيده كثيرا التخلي عن منصبه، أما إذا كان المنصب أكبر من المسؤول وقياس الأداء مرتبط بتجاوز القانون وبعض النفاق السياسي والاجتماعي فلن نرى الاستقالة سوى استثناء، والحل بتعميق الديمقراطية"·
د· النقيب: ابحث عن "الناجين"
عضو هيئة التدريس في جامعة الكويت د· خلدون النقيب أكد بأن موضوع الاستقالة ينظر إليه من جانبين الأول فشل المسؤول في أداء المهام الموكلة إليه، والثاني هو فرض مهمة عليه هو غير مقتنع بها من الأساس وهذه لها علاقة بمدى إحساس الشخص بالمسؤولية وموقفه المبدئي، لكن ليس كل الناس يملكون هذه السلوكيات·
ويضيف "ومعظم الذين يتم تجنيدهم للمناصب الإدارية نراهم من نوعية "الناجين"، وهي نوعية تريد منافع المنصب لكنها لا تريد تبعاته وضرره ولذلك نجد هذه النوعية تأخذ وقتا طويلا في وظائفها الإدارية"·
ويضيف د· النقيب "لم يرب الناس في مجتمعاتنا على اعتبارات محددة وواضحة، فعلى سبيل المثال ليس هناك أي تصور للضرر الذي يمكن أن يحدث جراء الأسباب التي تدفع للاستقالة والتي أشرنا إليها في البداية، كالفشل، وعدم القناعة، وليس هناك تصور لتبعات ذلك على النظام العام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة، لكن المهم هو البقاء في المنصب، وأعتقد أن لدى فئة "الناجين" مبادئ كثيرة من بينها البعد عن وسائل الإعلام حتى لا يتم التركيز على وجوههم وأدائهم·
لذلك نجد أناسا يتم تعيينهم وكلاء وزارات دون أن تعرف عنهم شيئا فهم يظهرون فجأة ودون سابق خبرة·
ويؤكد د· النقيب هذه القضية - الاستقالة - مهمة جدا وجديرة بأن تدرس بشكل علمي واسع لأنها تشكل عقدة من عقد الإصلاح للمجتمع·
وهناك أيضا ظاهرة أخرى كتب عنها كثيرا في عقدي السبعينات والثمانينات وهي ظاهرة "الفهلوي" و"البهلوان" الذي يأخذك بالطول والعرض وهو في الغالب ليس لديه موقف مبدئي·
ويقول إن شركات القطاع العام والهيئات المستقلة وممثلي الحكومة في القطاع الخاص هم الذين يتسربون بشكل واضح الى مؤسسات القطاع الخاص وهم يشكلون نسبة كبيرة من موظفي الحكومة ويرجع ذلك بالتأكيد الى شبكة العلاقات الاجتماعية التي يتم استغلالها وتجنيدها للتنصيب الإداري في المراكز العليا، وبالتأكيد يجري ذلك بعيدا عن معايير الخبرة والكفاءة والأمانة·
النصف: غياب المحاسبة
من جهتها قالت رئيسة الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية شيخة النصف إن مسألة الاستقالة تحسب على درجة إحساس القيادي بالمسؤولية، فعندما يكون المسؤول ملما بمهامه بشكل جيد ويشعر بأنه أمين على تنفيذها تأتي القناعة الشخصية في حال لو شعر هذا المسؤول بتقصير منه بضرورة الاستقالة والابتعاد عن أداء الدور لأفراد آخرين·
وأضافت "ما يحدث عندنا أن العقوبة غائبة بدليل أن كثيرا من المسؤولين يقصرون في أداء وظائفهم وواجباتهم ما يحتم تفعيل أدوات المساءلة والعقاب، لكن العكس صحيح وتكون القناعة السائدة هنا هي لماذا أفضح نفسي؟ فضعاف النفوس لا يستقيلون، وهناك مشاهدات متكررة نقرأ ونسمع عنها بشأن جرائم اختلاس أموال عامة تخص البلد والمواطنين لكن لا نسمع أن هناك استقالة أو ابتعادا عن المنصب، فلو كان هناك تفعيل لأدوات المحاسبة في حق المسؤولين لكنا نسير ولو بنسبة 50 في المئة في الطريق الصحيح، فالمحاسبة تدفع المخطئ للاستقالة·
د· صرخوه: الاستقالة إهانة!
من جهة أخرى، يرى عضو مجلس الأمة الأسبق د· ناصر صرخوه أن النظام المعمول به في الكويت بشكل عام في مسائل التنصيب الإداري والسياسي لا يحمل القيادي مسؤولية أخطائه بل إن الذي وضعه في المنصب يتحمل أوزاره وهو الذي يقرر ما إذا كان الحدث يستحق المحاسبة، بل إن هناك شعورا لدى المسؤول الأعلى أن استقالة المجندين في المناصب القيادية إهانة له فهو يشعر وقتها أنه لم يحسن الاختيار ولذلك يفضل بقاء المسؤول حتى لو أخطأ سواء كان وزيرا أم مسؤولا إداريا كبيرا·
ويضيف د· صرخوه، أن المجتمعات الأخرى التي تتمتع بـ "ثقافة الاستقالة" إن جاز التعبير في الغالب تعتمد معايير الكفاءة والشعور بالمسؤولية، فما أن يحدث خلل في مؤسسة أو جهة ما تجد أعلى مسؤول فيها يتقدم باستقالته وبكل شجاعة، فهم لا يعتبرون الاستقالة سبة وإنما اعتراف بأنه يوجد شخص آخر أكفأ·
وقال "الاستقالة أحيانا تكون للتعبير عن اعتراض على حالة معينة، وهذه مفقودة في الكويت أيضا، انظر لعملية التفاعل بين الوزير ووكلائه، تجدها في الغالب غير إيجابية لأن عملية التعيين بعيدة كل البعد عن معايير الكفاءة والتخصص والمعرفة"·
ويضيف "تجد في الكويت أشخاصا تسببوا بشكل مباشر في غزو عام 1990 ولكنهم كوفئوا بمناصب أعلى بعد ذلك!! وهناك مسؤولون حملوا الدولة مشاكل اقتصادية ومالية كبيرة أضرت حتى بالوضع السياسي للبلد لكنهم لم يحاسبوا"·
المشاري: مسألة وعي وضمير
الرئيس السابق لجمعية أهالي الأسرى والمرتهنين عبدالعزيز المشاري قال "إن مسألة الاستقالة سلوك يعود لطبيعة الإنسان نفسه، فعندما يرى المسؤول أنه غير قادر على العطاء والابتكار والتجديد فيجب عليه أن يترك الفرصة لغيره، وكثير من الوزراء نراهم اليوم يرتكبون أخطاء في حق العمل في وزاراتهم لكن لا تجد الاعتذار والاعتراف بارتكاب الخطأ، والناس تتذمر وتشتكي من كثرة المشاكل الناتجة عن البيروقراطية لكن لا أحد يهتم، والمطلوب أن تكثف المؤسسات الإعلامية والصحافة المحلية خاصة على مثل هذه المواضيع فهي بداية طريق الإصلاح للوضع العام"·
ويضيف "عن نفسي تقدمت باستقالتي من جمعية أهالي الأسرى والمرتهنين بعد 3 سنوات من تقلدي منصب الرئاسة فيها، وقدرت أنني لا أستطيع تقديم الجديد في ما يخص نشاط الجمعية وتخصصها، وقررت ترك المجال لغيري ممن هو أجدر بتحمل المسؤولية"·
الراشد: مشكلتنا في الديمقراطية
ومن جهته أكد النائب علي الراشد أن أي شخص يشغل منصب وزير في وزارات الدولة يتحمل المسؤولية في كل ما يطرأ أو يحدث في الوزارة التي يشغلها لافتا الى أن المسؤولية في هذا المنصب تكون سياسية أكثر منها مسؤولية قانونية·
وأشار الى أنه مع ذلك لا بد لنا من الاعتراف بأن هناك بعض الحوادث التي قد تقع في وزارة ما لا يجب أن تحمل الوزير المسؤولية في ما حدث خاصة إذا ما كان هذا الوزير مشهوداً له في بالكفاءة والنشاط، مشيرا الى أن الحادث الذي شهدته الكويت في قضية نفوق الأسماك لا تدفعنا مثلا بالطلب من الوزير المختص تقديم استقالته لأنه أسباب هذه القضية حتى الآن غير معروفة·
وقال إن مع كل ما يمكن أن يقال عن ثقافة تقديم الوزراء للاستقالة عند حدوث كارثة ما، هذه لا يمكن أن تشهدها الكويت أو غيرها من بلدان العالم العربي أو حتى العالم الثالث لأن الديمقراطية في هذه البلدان غير كاملة·
وأوضح أن مثل هذه الاستقالات لا تتم ولا يؤخذ بها عمليا سوى في البلدان الديمقراطية·
الهاراكيري·· طقس ياباني
طقس ياباني لدى طبقة الساموراي عبارة عن اعتذار من إساءة قدمها مسؤول الى الشعب·· بعد الاعتذار يأتي بسكين ويشق بطنه ويسقط ميتا· ولا تزال هذه العادة سارية بصورة أخرى في تقديم الاعتذارات العلنية للعامة تكفيرا عن موقف سلبي اتخذوه·
استقالات ما بعد تحرير
دولة الكويت من الغزو العراقي
من يتتبع عدد الاستقالات التي حدثت خلال السنوات الأربع الأخيرة يجد أن بينها نوعا يتعلق بطبيعة التعاطي السياسي بين مجلس الأمة ومجلس الوزراء والرغبة في عدم الاستمرار بالمنصب الوزاري، ونوعا آخر يتعلق بفهم الروح الحقيقية من فكرة الاستقالة، وهي الفشل في صد كارثة أو مشكلة، لكن كلا النوعين يرتبطان بصلات قوية بالفساد الإداري المستشري في أجهزة الدولة وتراخي الوزراء السابقين في إضافة لبنة إصلاح جديدة في أجهزتهم الحكومية، وفيما يلي رصد لهذه الاستقالات:
· يونيو 2000 استقالة وزير النفط الأسبق الشيخ سعود الصباح إثر انفجار مصفاة الأحمدي ووفاة خمسة أشخاص وإصابة 25 آخرين وحدوث خسائر بعشرات الملايين، فيما لم يقبل مجلس الوزراء استقالته·
· فبراير 2002، استقالة وزير النفط الأسبق د· عادل الصبيح أثر انفجار مركز تجمع النفط وتعزيز الغاز في الروضتين، ووفاة 14 شخصا وإصابة 17 ولم يتم قبولها لهذا السبب·
· يناير 2003، استقالة وزير المالية ووزير التخطيط بعد فشل طرح الثقة به من قبل مجلس الأمة إثر استجواب نيابي حول أعمال وزارتيه·
· أغسطس 2003، استقالة نائب رئيس مجلس الإدارة المدير العام للهيئة العامة لتقدير التعويضات د· عادل عاصم، ولم يتم اعتمادها من قبل مجلس الوزراء·
· أكتوبر 2000 استقالة وزير الإعلام السابق د· سعد بن طفلة بسبب عدم القدرة على العمل مع الفريق الحكومي آنذاك - حسب قوله - وتم قبول استقالته في ديسمبر 2000·