بقلم: وليام بفاف
تكمن قوة الضعفاء في قدرتهم على تحمل المعاناة في حين أن ضعف القوي هو في استخدامه للقوة المفرطة ضد الضعفاء والذي يؤدي في النهاية إلى فساد مجتمع الأقوياء·
ولقد كشف لجوء إسرائيل إلى الضربات الجوية مؤخراً ضد الفلسطينيين في غزة بواسطة الطائرات المروحية وطائرات إف 16 والتي أدت إلى "الضرر المصاحب" والحتمي لمثل هذه العمليات، عن ضعفها، ولم تحقق هذه الهجمات أهداف الأغلبية في المجتمع الإسرائيلي، وتصف صحيفة معاريف اليومية ما عبرت عنه هذه الهجمات بأن "إسرائيل قد جن جنونها"·
ويدعى رئيس الوزراء آرييل شارون بأنه يرى ضوءاً ساطعاً في نهاية النفق وأن "الانتصار" على البنى التحتية للإرهاب سيتحقق خلال أسابيع معدودة وأن إسرائيل توشك على التحرر من الخوف· ويصف وثيقة جنيف للسلام التي انبثقت عن محادثات بين مسؤولين إسرائيليين سابقين والمفاوضين الفلسطينيين بأنها ليست سوى مؤامرة سياسية من صنع إسرائيليين غير مخلصين "تشجع الإرهاب"·
ومع هذا يرى القليل، حتى ممن هم في القيادة العسكرية، بأن القصف الجوي سيؤدي إلى وقف هجمات الفلسطينيين الانتحارية والتي كان آخرها في حيفا يوم التاسع من أكتوبر والذي استغلته إسرائيل كمبرر للهجوم الذي شنته على غزة وأدى إلى مصرع 21 شخصاً، وكانت منفذة العملية محامية تبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً ولا يعرف باتصالها بحركة الجهاد الإسلامي التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم لكن الجنود الإسرائيليين قتلوا أخاها وابن عمها برصاصهم مؤخراً·
ولطالما عبر شارون عن قناعته بأمرين:
الأول: ضرورة توسع إسرائيل في الأراضي المحتلة، وعليه فقد دعم الحركة الاستيطانية في أعقاب حرب 1967، صادقت حكومته على قرار بناء ثلاثمائة وحدة سكنية في الضفة الغربية على الرغم من التزامه بوقف الاستيطان طبقاً لمتطلبات "خارطة الطريق"·
والأمر الثاني: أن القوة العسكرية كفيلة بتحقيق النصر، فلقد صرح أمام حشد من الإسرائيليين بأنه "لم يكن في الشرق الأوسط أبداً متسع للشفقة أو الرحمة وإن كل إشارة ضعف لا تجلب سوى عدواناً جديداً"·
عقاب جماعي
وتساءل معلق في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية "هل بالإمكان تصور اعتباراً البعض أن المستهدف هو الشعب الفلسطيني بأكمله؟ ففي هذه الحالة لن يكون هناك أي حدود لهذه الحرب"·
لقد كان لقمع المدنيين تأثيره العميق على القوات المسلحة الإسرائيلية·
فقد كتب مارتين فان كريفيلد، عالم الاجتماع العسكري في الجامعة العبرية في القدس يقول أنه "لم يسبق أن كانت معنويات الجيش متدنية إلى هذا الحد من قبل"·
وأضاف أن القيادة العسكرية لا تمتلك أي رؤية استراتيجية، "ولم ينجح كل ماقامت به لوقف الانتفاضة"·
وفي هذا عبرة للجيش الأميركي في العراق والذي يقف الآن على الحد الفاصل بين التحرير والاضطهاد·
فالادعاء الرسمي هو أن الجيش يواجه الهجمات من قبل بقايا نظام مهزوم وغيرهم من أعداء الإصلاح الديمقراطي ومع هذا فإن عدد الهجمات اليومية ضد القوات الأميركية في تزايد·
وتحول التحرير إلى مشكلة أمنية، وتسعى القوات إلى حماية نفسها ثم إلى تعقّب المهاجمين بالإضافة إلى معاقبة الجماعات أو القبائل التي ينتمي إليها "الإرهابيون" وبهذا فقد بدأ العقاب الجماعي بتدمير المحاصيل والبساتين في المجتمعات القروية لإجبار ساكنيها على الإدلاء بأسماء أقاربهم أو معارفهم من القبيلة والذين يشتبه بعضويتهم في جماعات المقاومة·
وينتقد الكثيرون الوجود الأميركي كونه يمنع العراقيين من تولي زمام الأمور مهما كانت المجازفة بحدوث فوضى أو صراع مدني، لكن السبب الذي لايمكن إنكاره لهذا الاحتلال المطول هو لتحقيق سيطرة الولايات المتحدة على إنتاج النفط والاقتصاد العراقي الأمر الذي يخدم مصالح الشركات المعروفة بصلاتها القوية بإدارة بوش والذي لا يشكل مصلحة قومية للولايات المتحدة·
إن اختيار قوات الاحتلال الأميركية في العراق أن تحذو حذو السلوك الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، هو آخر ما يحقق المصالح القومية للولايات المتحدة ويجب أن يكون ذلك واضحاً تماماً·
" عن صحيفة هيرالد تريبيون "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com