· واشنطن لا ترغب بنقل السيادة الى العراقيين "لأن ذلك يضعف سيطرتنا على الوضع"
· إسرائيل ستتحول الى جنوب إفريقيا ثانية في ظل حكم شارون
· لا يمكن فصل الإرهاب عن سياقاته السياسية والتاريخية والاجتماعية
· الحل القائم على دولتين سيختفي إذا لم يتحقق السلام خلال العام المقبل
· الحكومات الأمريكية المتعاقبة أخطأت بعدم إجبار إسرائيل على وقف الاستيطان
· أمريكا في أوج قوتها العسكرية لكنها في الحضيض سياسيا وأخلاقيا وهذا سينعكس على دورنا في العالم
شن زبغنيو بريجنسكي الذي عمل مستشارا لشؤون الأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر في نهاية السبعينيات، هجوما شديدا على السياسة الخارجية لإدارة الرئيس بوش، وأكد أنه على الرغم من القوة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة في العالم إلا أنها تفتقر "للمصداقية الدولية"، وأشار الى أن "النظرة الى الولايات المتحدة في العالم وصلت الى مستويات متدنية بشكل غير مسبوق"، ويقول بريجنسكي الذي يعمل الآن مستشارا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن في مقابلة أجراها معه بيرنارد غيرتسمان مستشار تحرير مجلس العلاقات الخارجية CFR، "إن الولايات المتحدة الآن بحاجة الى العودة الى انتهاج سياسة خارجية تعتمد على الاعتدال وتقوم على الإجماع الحزبي"·
وسخر بريجنسكي من الجهود الأمريكية لإحلال السلام في الشرق الأوسط قائلا إن واشنطن "قدمت دعما أحادي الجانب لأكثر الحكومات قمعا في تاريخ إسرائيل، باسـم مكافحة الإرهـاب"، وفيـما يلي نص المقابلة:
· في خطاب ألقيته في شهر أكتوبر الماضي، قلت إن "القوة الأمريكية عالميا وصلت الى ذروتها التاريخية" بينما موقفها السياسي الكوني وصل الى الحضيض" فلماذا هذا التناقض؟
- إنه تناقض يعبر عن نفسه بوضوح، فبعد النجاحات العسكرية التي حققتها الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق، أصبحت اليوم القوة الوحيدة في العالم التي تمتلك قدرات عسكرية على امتداد الكون ولا توجد قوة أخرى تمتلك هذه القدرات الموثوق بها، ولكن في الوقت ذاته، يتضح أن الولايات المتحدة، وفقا لكل المؤشرات من استطلاعات الرأي وردود فعل الحكومات الأجنبية وتقارير الصحافيين الأمريكيين، تفتقر اليوم للمصداقية الدولية وموقف الولايات المتحدة في العالم، بالمعنى السياسي، أصبح في مستوى متدن على نحو لم يسبق له مثيل، وثبات عدم صدق الادعاءات الأمريكية بشأن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل أفقدنا ثقة العالم، وهذا تطور خطير له تأثيره السلبي على دور الولايات المتحدة في العالم·
إجماع واعتدال
· يفهم من حديثك أنك تعتقد أن الولايات المتحدة تعاني من العزلة الآن، فإذا طلبت منك إدارة بوش تقديم النصح لها لإصلاح هذه المشكلة، فماذا تقترح؟
- هناك الكثير من الخطوات التي من شأنها المساعدة في تحسين وضع الولايات المتحدة، أولا، والأهم من كل شيء، العودة الى سياسة خارجية تستند الى الاعتدال وتستمد من الإجماع الحزبي، فالاعتدال والإجماع بين الحزبين يجب أن يسيرا جنبا الى جنب، لكن السياسة الخارجية الأمريكية في الآونة الأخيرة صاغها التيار المتطرف في الحزب الجمهوري الذي يخضع هو نفسه لسيطرة الأصوليين المسيحيين والمحافظين الجدد، وهذا لا يوفر القاعدة الصحيحة لإجماع حقيقي بين الحزبين الرئيسين·
وبالإضافة الى ذلك، علينا العمل بصورة أكبر بالتشاور مع الحكومات الأجنبية، وكذلك التخلي عن شعار "من ليس معي فهو ضدي"·
فهذا نهج مدمر للذات ويقضي على إمكانية تحقيق الإجماع·
وثالثا، أعتقد أن علينا أن نبذل المزيد من الجهود لتفعيل أجهزة المخابرات التي تقدم لنا المعلومات الموثوق بها والتي نعتمد عليها في اتخاذ القرارات، وليس اتخاذها على أساس معلومات مغلوطة، وهذا بدوره، يعني أن الحكومات الأخرى - ولا سيما الحكومات الصديقة - سوف تعتمد على أحكامنا وتقييماتنا، كأساس لسياساتها·
· بالنسبة للمشكلة الاستخباراتية، لديكم خبرة طويلة من خلال العمل مع أجهزة الاستخبارات من داخل وخارج الحكومة، لماذا تعتقدون أن المخابرات الأمريكية تعاني حالة من الضعف الآن؟
- لا يمكنني إعطاء إجابة تفصيلية لأنني لست دارسا لديناميكية أجهزة المخابرات البيروقراطية الداخلية، ولكن يمكنني القول إن طبيعة الأخطار والتهديدات أصبحت مختلفة تماما عما كانت عليه قبل سنوات عدة، لقد كانت تلك التهديدات تتركز في أماكن محددة ومجالات محددة كوجود نظام سلطوي أو القوة العسكرية التي تمتلك التكنولوجيا الحديثة·
· هل تقصد تهديدات كالتي كانت تمثلها الصواريخ السوفييتية مثلا؟
- نعم، لقد أصبحت وكالة المخابرات المركزية "سي· آي· إيه" مع مرور الزمن، فعالة بشكل متزايد في تحليل طبيعة وأبعاد ذلك التهديد، أما اليوم، فأعتقد أن لدينا أخطارا متباينة وغامضة أصبح فيها الاعتماد على العنصر البشري في الاستخبارات أكثر أهمية من أي وقت مضى، لقد فشلنا - ببساطة - في تطوير جهاز سري لتنفيذ عمليات ذات طبيعة سرية، أما السبب الثاني فهو الضغوط السياسية التي حدثت خلال العامين الماضيين والناجمة عن التقييمات المبالغ فيها لطبيعة وحجم الخطر الذي كان يمثله العراق·
مخاطر
· لقد طالبتم في خطاب لكم بضرورة تسليم السيادة للعراقيين بأسرع وقت ممكن، وقلتم إن البعض يستخدم كلمة "السيادة دون أن يكون لها معنى محدد"، والآن، تقول إدارة بوش إنها سوف تسلم السيادة للعراقيين مع حلول شهر يونيو المقبل، فهل هذه خطوة الى الأمام؟
- نعم، ولكني أخشى أن تكون متأخرة قليلا، أي أننا كنا سنحصل على الكثير من الفضل لو اتخذنا هذه الخطوة في وقت مبكر، وأذكر المشاركة في بعض الاجتماعات على مستويات عليا التي اقترح فيها مستشارون من خارج الحكومة - وأنا منهم - مبادرات من هذا النوع ولكن تم تجاهلها·
· ماذا كان مبرر الحكومة لرفض مثل تلك المبادرات؟
- إن من شأن ذلك إضعاف سيطرتنا على الوضع·
· الآن، يبدو أن إدارة بوش في عجلة من أمرها للخروج من العراق بأسرع وقت ممكن·
- حسنا، فهذه الخطوة تنطوي على مخاطر هي الأخرى، فهي تزيد حوافز المتمردين لمواصلة هجماتهم حتى التاريخ الذي حدده الأمريكيون لتسليم السيادة للعراقيين وربما بعد ذلك·
· الإدارة تقول إن قواتها ستبقى في العراق حتى إكمال المهمة، هل تعتقد أن هذا التوقيت مرتبط بانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2004؟
- أعتقد أن من يقرأ هذه المقابلة يمكنه أن يصدر حكمه·
· أنت ديمقراطي منذ زمن طويل، ولكنك كنت تؤيد الإجماع الحزبي في السياسة الخارجية، فهل تخطط لمساعدة أي مرشح ديمقراطي في الانتخابات المقبلة؟
- قبل كل شيء، دعني أقول إنني ديمقراطي ظل يؤيد المواقف الديمقراطية في الشؤون المحلية، ولكني أيضا من أصحاب أنصار الرأي القائل إن شخصية الرئيس لها التأثير الأكبر على السياسة الخارجية، وهناك حالات كثيرة صوّت فيها لمرشح جمهوري لمنصب الرئيس، بمعنى آخر، أنا أميز حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، وإن كنت أفضل سياسة خارجية يتفق عليها الحزبان، وبالنسبة للانتخابات لدي مرشحي المفضل، لكني لا أريد التصريح بذلك الآن·
وأنا أجاهر بمواقفي الآن، لأن لدي مخاوف حقيقية تجاه دور أمريكا في العالم، وأظن أن هذا الدور أضعفته بعض السياسات التي انتهجتها إدارة بوش أخيرا، والخطاب السياسي الذي استخدمته لشرح هذه السياسات، والتركيز الضيق على قضية واحدة وإهمال القضايا الأخرى، لقد أصبح "الإرهاب" تحديدا، هو الهوس المركزي للولايات المتحدة في العالم، وهذا أمر خطير·
هوس بالإرهاب
· هل يمكنك أن توضح هذه النقطة؟ فهل تخشى مما تسميه "الهوس الأمريكي بالحرب على الإرهاب"؟
- هذا صحيح، فالإرهاب لا يمكن فصله عن سياقه السياسي والتاريخي، بل وحتى الاجتماعي، لقد تعاملت الكثير من الدول مع الإرهاب على مدى المئة وخمسين عاما الماضية، وفي بعض الأحيان، أصاب بعض البلدان لسنوات، وما يجعل الإرهاب موضوعا أكثر إلحاحا الآن - بالطبع - هو احتمال حصول الإرهابيين على أسلحة دمار شامل، ولكن ذلك يجعل من الأكثر إلحاحا، التعاطي بذكاء مع الإرهاب وفي سياقه الأوسع·
ويجب عدم إعطائه صيغة دينية أو عقائدية وكذلك يجب ألا نجعل منه ذريعة لنشر حالة من الهلع بين الناس·
· بالنظر الى الارتباط الوثيق بين العراق وسياسات الشرق الأوسط، ما رأيكم بالتقدم الذي تم "أو لم يتم" إحرازه بشأن حل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني؟
- أولا، أنت محق في التأكيد على ترابط المشكلات في منطقة الشرق الأوسط، ومن المؤكد أن هناك صلة بين الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني والعراق، فهذه حقيقة أساسية، وأعتقد أن إدارة بوش قد تخلت فعليا عن بذل أي جهد جاد لتحقيق السلام، فباسم محاربة الإرهاب، قدمت دعما أحادي الجانب للحكومة الإسرائيلية الأكثر قمعا في تاريخ إسرائيل والتي تنتهج سياسات تتناقض بشكل مباشر مع السياسات السلمية التي انتهجها رئيس وزراء إسرائيل الراحل إسحق رابين، وأعتقد أنه لو كان رابين على قيد الحياة الآن، لما كانت إسرائيل بهذه العزلة ولما وصل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني الى هذا المستوى من التدمير المتبادل على مدى السنوات القليلة الماضية·
وثيقة جنيف
وأعتقد أن غموض التصريحات الأمريكية - لسوء الحظ - توفر المظلة لهذا التحول السلبي في مسار الأحداث، ولكن النقطة الوحيدة التي تجعلني أشعر بالتفاؤل هي حقيقة أن الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني بدآ يدركان أن عليهما نبذ التطرف، وآمل أن تحظى "وثيقة جنيف" بدعم دولي، الأمر الذي يعطي زخما للسلام، وأعتقد أن الغالبية العظمى من اليهود الأمريكيين هم من الليبراليين والمنفتحين، وحين يطرح عليهم بديل سلمي حقيقي، فإنهم سوف يؤيدونه·
وإذا لم يحدث ذلك، فأظن أن خيار الحل القائم على دولتين سوف يختفي خلال عام واحد، واستمرار إسرائيل في بناء المستوطنات والجدار الفاصل سيجعل مثل هذا الحل متعذرا·
احتمال مأساوي
· يبدو أن خيار الدولة الواحدة، بدأ يجد صداه لدى بعض الفلسطينيين؟
- لا أعتقد - بصراحة - أن ذلك يمثل حلا للمشكلة، ولكنه سيصبح أمرا واقعا إذا لم تتوافر حلول بديلة، ففي وقت قريب، ستصبح الظروف في الضفة الغربية وغزة تجعل حكم شارون حالة شبيهة بما كان سائدا في جنوب إفريقيا، أي قيام بانتونات للفلسطينيين ومستعمرات محصنة للمستوطنين اليهود، وجدار يقسم الضفة الغربية الى جزر صغيرة يسودها الفقر والغضب، إنه احتمال مأساوي، ولذلك يستحق منا اهتماما جديا·
· لا بد وأنكم تستذكرون اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978 وحين كنتم تشغلون منصب مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر، لقد ساد آنذاك حماس كبير بأن الشرق الأوسط يتجه نحو حل دائم، ولا بد أنكم تشعرون بالحزن، أليس كذلك؟
- إنه أمر محزن حقا، وأعتقد أن الولايات المتحدة، بدءا بإدارة كارتر لم تضغط على الإسرائيليين بما يكفي في موضوع الاستيطان، لقد شعرت دائما أن المستوطنات ستجعل تحقيق السلام أمرا صعبا على نحو متزايد، وبالطبع، فقد زاد عدد المستوطنات اليهودية خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية، بشكل دراماتيكي، وكذا زادت صعوبة العثور على حل سلمي للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني·
" المصدر: cfr.org "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com