حديقة الحواس
تأخذ مني القصيدة وقتا كثيرا لكي تصل الى شكلها النهائي، وقد أكتبها مرة ومرتين والأكيد أني أكتبها - كما في الديوان الأخير - ست مرات قبل أن تجد بنيتها المقبولة مني، وفي كل حال، وبالنسبة إلى، لا شكل نهائيا للقصيدة لأنها ستظل في حاجة الى إعادة نظر، القصيدة عندي لا تنتهي، إنها مشروع حيوي دائم، وهي ليست نسقية لكنها ليست شظايا أو غير منضبطة، ثمة إيقاعات روحية، متآخية ومتكاملة وصارمة، تسعى الى ضبط إيقاعات البناء وأنساقه، قد تكون القصيدة غير منغلقة تماما، قد تكون مفتوحة أيضا، لكنها متصاعدة ومتراكمة داخلا وخارجا في كثافات لا تستطيع أن تفصل بعضها عن بعض، كأن تقول: هذا المقطع يستطيع أن يشكل حياة شعرية قائمة بذاتها، وبالتالي يمكن فصله عن بقية العامل الذي ينتمي إليه، لا، القصيدة كل، وبعضها في حاجة الى بعضها، على غرار النظرات التي يتألف منها قوام شبقي لا مفر من رؤية انسجاماته داخل أجزائه وعناصره، وفي الحالين معا هي قصيدة ذات قوام، فيها أقصى الإنسيابية المشغولة والمقصوة، وفيها أقصى الانضمام بعضها من بعض، وهذان معا يؤلفان بنيان العمل الشعري لدي·
تسألني كيف أستطيع أن أحشد هذه الحركة الجوانية للمعنى الى جانب الشغل المونتاجي؟ أقول لك إن هذا ينجم عن فعل تلاق بين الجسد وروحه، وهل ثمة انسجام أشد رفقا من انسجام النظرة مع خفقات الباطن؟! هل أكثر اقترابا الى التكامل من شهقة وإطباقة نعم؟! وهل أكثر تصعيدا من لحظة العشق القصوى حيث يتلاقى أقصى الجسد بأقصى شغف الحواس، بأقصى الإيقاعات بأقصى أعماق الباطن؟!
هذا لأقول إن الخبرة التي أمضيتها في كتابة الشعر، وهي نحو من عشرين عاما، تمنحني لذة البحث عن بيت يؤوي هذا الحدس الشعري المقيم في إقامة جحيمية لا حدود لها، أقول لك أيضا إني لا أملك شكلا واحدا للقصيدة لأنها فعل اختبار دائم، لكن العمل شبه اليومي على اللغة يعطيني أن أملك طواعية التصرف بالحركات الجوانية لإيجاد أشكالها المناسبة، فأنا منقطع للشعر فيما يشبه الترهب له، من دون أن يقطعني عن العالم، لهذا تراني أعرف الداخل والخارج، مثلما هما يعرفانني تمام المعرفة·
عقل العويط - "القدس العربي"
الحداثة الريفية
لقد اكتشفت أن البعض في العراق "وليس في العالم العربي" لا يستطيع استيعاب أن أسماء عوائل ريفية مثل "لعيبي" يمكن أن يكون شاعرا حداثيا من طراز جيد ولا يمكن أن يقبل هذه الفكرة، هذا الوهم الجديد الفادح قادم من عنصرين اثنين: كأننا نوشك بهذه الطريقة على تأييد التخلف في جماعات إثنية أو ريفية معينة في بلد من البلدان وكأننا لا نؤمن بجدارة الحياة على توليد الجديد والحديث والطليعي من كل مكان، العنصر الثاني: في تاريخ العراق الحديث فإن غالبية أبناء المدن العراقية العريقة كبغداد والموصل والبصرة ينحدرون إما من عوائل موظفين عثمانيين أو من أصول أرستقراطية تركية أو تجارية عربية وكلها تعلمت في المدارس العثمانية ثم الإنجليزية ثم في المعاهد الأرستقراطية العراقية الأولى، وهي فئات لم تكن تطرأ على بالها فكرة أن فئات جماعات أخرى من أصول اجتماعية مختلفة عنها يمكنها أن تساهم في إدارة عجلة الحداثة·
لقد جرى تهميش الريف العراقي وفئاته الاجتماعية والدينية لفترة طويلة ووضع جانبا عن الحياة السياسية والبرلمانية والفكرية بالرغم من منجزات الحوزة العلمية وكبار رجال الدين من جنوب العراق، وكان يراد على الصعيد الشعري إلغاء وتهميشا مماثلا لشعراء قادمين من السماوات نفسها، لا أريد أن أقدم مديحا جاهلا ومتعجرفا لتقاليد التخلف في الريف العراقي لكنني أقدم مجرد توصيف أراه موضوعيا للحالة كما هي·
شاكر لعيبي - "الزمان"