"كتاب الحياة" يفتحه الأنصاري على العلم والإنسان والديمقراطية
بقلم يحيى الربيعان
قبل أيام قليلة، صدر للأستاذ الأديب عبدالله زكريا الأنصاري كتابا بعنوان "كتاب الحياة" 2004 يضم 254 صفحة·
وهذا الكتاب يحمل الرقم الحادي عشر في مجموعة كتبه التي صدرت له على امتداد الأعوام من 1956 حتى عام 2003 بينما ديوان شعره الأول ما برح محبوسا في أدراج مكتبته الخاصة والعامرة بنحو اثني عشر ألف كتاب·
إن "كتاب الحياة" الذي نحن بصدد عرضه، أشار فيه أستاذنا الجليل، إلى واقع حال إنسان العالم العربي، معبرا وكاشفا عن مخزون الحس القومي الراسخ في أعماق وجدانه الحي، وإن كان لم يشر إلى الدول العربية والإسلامية بالنص·
لكنه أشار - بشكل عام - إلى إنسان الدول غير المتحضرة، واستثنى بعض الناس الذين يقرؤون، وقدم لنا إنسان العالم العربي بلفة قماش بيضاء يأتي إلى الحياة ويمر بها مرور الكرام ثم يرحل ملفوفا بأخرى كالتي جاء بها تطوى على جسده دون أن يحقق شيئا ذا قيمة في فترة رحلته من الميلاد إلى الرحيل، وقد أعطى المؤلف جلّ اهتمامه لتنوير إنسان العالم العربي، وأعرب في صفحات كتابه - الرائع - بأن الإنسان في عالمنا يعيش مهمشا ويموت مهمشا ويقول الأديب عبدالله زكريا (ص 17، 18) بأسلوبه الرائع والعذب مستخدما "عنوان الكتاب" مجازا عن رحلة الحياة فقال:
"إن كتاب الحياة مفتوح أمام الناس، أفرادا ومجتمعات، وشعوبا وأمما ومن شاء فليأخذ منه ما استطاع من علم وفائدة وجمال وإشراق، ومن شاء فليكفر به كتابا عظيما نافعاً"·
ويمضي قائلا:
"إن الأمم التي شقت طريقها في الحياة وارتفعت على الأمم الأخرى وتقدمت، قرأت كتاب الحياة ووعته واهتدت بهديه، وتكشفت لها أسراره، وأخذت منها ما رفعت مستوى شعوبها ماديا ومعنويا وما فتئت تطلب المزيد من محتوياته التي تنتهي ولا تنفد"·
وفيما يلي نقرأ كلمات الأديب عبدالله زكريا الأنصاري التي أشار إليها في الكتاب بعذوبة وصفاء لكي يحرك مشاعر الناس الكامنة منذ زمن طويل، حتى يصل بهم إلى درجة الاستفزاز والدعوة للاتجاه نحو احتضان الكتاب وقراءته لكي يواكبوا حركة التنوير التي ينادي بها، في مسار أو إطار حركة التنوير التي تجتاح العالم المتقدم اليوم، فيقول:
"الناس يأتون إلى هذه الحياة ويعركونها بكدهم وكفاحهم، وتعركهم بتفالها، كما يقول الشاعر العربي، ثم يذهبون في طريقهم، أي طريق الإنسان، أعني يدخلون الحياة من أضيق أبوابها ويخرجون كما أتوا، لكن شتان بين قادم وذاهب، إنهم أبدا مختلفون، منهم من يترك وراءه أثرا ومنهم من لم يترك وراءه شيئا ما"·
ويواصل الأستاذ الأديب بإحساسه القومي العربي·· يستنهض همم الإنسان فيقول:
"هذا الكلام نعني به ما خلفه العقل العربي، وما تركه الفكر وما سجلته الأقلام في بطون الكتب من علم مفيد، وأدب عظيم وتاريخ حافل بالعبر، يمكن أن ينير طريق الإنسان نحو الحضارة"·
ويقول:
"ومع ذلك فما زالت صفحاته مفتوحة وكلماته وحروفه وجمله ظاهرة أمام الجميع·· بل إنها ما زالت في متناول أولئك الذين تأخروا عن الركب وتخلفوا وراء الأمم المتقدمة، ومازالت الفرصة أمامهم متاحة ليلحقوا بركب الحضارة ويتقدموا في السير قدما لتوعية شعوبهم ومجتمعاتهم الضالعة في سيرها والمتعثرة في خطوها، والقاصرة في إدراكها·
إن كتاب الحياة متعدد الفصول والأبواب، بليغ الأسلوب، بديع البيان، رفيع المعنى، رائع المستوى مفتوح ما بقيت الحياة لأنه كتابها، باق في بدائعه وبيانه وبلاغته ما بقي الناس، لأنه كتابهم·
إنه كتاب الحياة، والناس جزء من الحياة، والحياة ما وجدت إلا للناس، ولهذا تراها تتزين لهم وتتزيا بأجمل الثياب ويتجدد شبابها بتجددهم، تهش لكل جيل"·
عندما نقرأ ما كتبه الأستاذ عبدالله زكريا في باب "أقوال تقال" نلاحظ أنه في هذا الباب يُعرّف "الديمقراطية" ثم يعرب عن رأيه في تطبيقاتها في الوطن العربي، فيراها "ملونة" في كل وطن لها لون يختلف عن التعريف العالمي للديمقراطية شكلا ومضمونا، ويرى الأستاذ أن كل مواطن عربي بلون يتناسب مع واقع الحال فيه فنقرأ له وهو يقول:
"تتلفت حولك، وتمط أذنيك وتصغي، إلى البعيد البعيد في طول وطنك وعرضه، من محيطه إلى خليجه، فلا ترى إلا "الديمقراطية" جاثمة بشكلها القبيح و"الديمقراطية" كلمة أجنبية، نستعملها لشيوعها، وشيوعها التصق بنا من جراء التقليد في كل شيء، التقليد الذي غزانا من الخارج، لا سيما من أبنائنا أو بعض أبنائنا الذين تأثروا بالتقليد شكلا لا مضمونا، فأثر ذلك علينا وعلى حياتنا، ومع الأسف لم يؤثر جوهره على إدراكنا، أو جوهر الحياة الذي يهمنا "فالديمقراطية" شكل من أشكال الحياة يعم كل جزء من أجزاء وطننا الطويل العريض، وهي ألوان ملونة زاهية تأخذ بالألباب والعقول، فهي حمراء فاقعة هناك، وخضراء لامعة هنا، وصفراء هنا، وبيضاء هناك إلى آخر الألوان الرائعة، لذلك جاءت الديمقراطية في وطننا الطويل العريض كقوس قزح، وهل هناك أجمل وأحلى من قوس قزح بألوانه الزاهية وأشكاله الرائعة وبهرجه الخارجي؟ إنه أشبه بالسيف المصقول بالدماء التي تعكسها أشعة الشمس، ويولد منها ألوانا أخرى لا تخطر على بال أحد، بل لعلها لا تخطر على عقل بشري"·
ويعرف الأديب الأنصاري الديمقراطية بخمس نقاط، وبأسلوب يسخر فيه من بعض المسميات والتعريفات التي تفشت في عالمنا العربي وفقا لأهواء الأنظمة الحاكمة، فقال:
"هي أولا: شيء عقلي، والعقل هو ميزة الإنسان في هذه الحياة ولولاه لأصبح في عداد المخلوقات الأخرى، إذن "فالديمقراطية" شيء عقلي، والذين يمتهنون العقل في الإنسان يمتهنون الكرامة الإنسانية، والذين يمتهنون الكرامة الإنسانية لا كرامة لهم·
وهي ثانيا: فرص متكافئة لكل الناس، وهل هناك "ديمقراطية" سليمة لا تتيح للناس فرصا متكافئة فيما بينهم، سواء كانت فرصا سياسية أم فرصا اقتصادية، إذن كيف ندعوها "ديمقراطية" وهي تفرق بين الناس؟
وهي ثالثا: تعني حرية الفرد في كل شيء، في القول والعمل، و"الديمقراطية" التي لا تترك للفرد حرية القول، أو حرية التعبير عن الرأي قولا وكتابة ليست بديمقراطية·
وهي رابعا: عدم الضيق بآراء الآخرين، وإن كانت معارضة، فأين "الديمقراطية" التي لا تضيق بآراء المعارضين عندنا اليوم؟ "الديمقراطية" الحمراء تضيق "بالديمقراطية" الخضراء و"الديمقراطية" الخضراء تضيق "بالديمقراطية" الصفراء و "والديمقراطية" الصفراء تضيق "بالديمقراطية" البيضاء والحبل على الجرار·
وهي خامسا: البحث عن الحقيقة، وتلك هي خلاصة الديمقراطية الحقيقية، والبحث الدائب عن الحقيقة هو احترام حرية الإنسان وتقديره أو تقديس حريته، فمن ذا الذي نراه عندنا اليوم يبحث عن الحقيقة أو يترك غيره يبحث عنها؟ وهل الحقيقة وقف على أناس دون أناس؟ أم أنها مشاع بين الناس جميعا؟"·
ويمضي الأديب الأنصاري في كتابه الرائع، ينقلنا معه من جانب إلى آخر مستمتعين بحلو الحديث عن ومع الحياة الرمز، يروي لنا عبر الحياة وما أكثرها، ونحن نلتفت إليها من جراء اغرقنا في خضم همومنا اليومية المتشابكة، حيث نفتقر إلى خلوه مع الذات لاستيعاب ما يجري حولنا، كما يفعل بعض الأدباء وهم يتأملون بخفايانا والحياة، ويعرفون من هو الذي يغوص في ضميرها، ومن هو الذي يدب على هامشها كما تفعل بقية المخلوقات·
من هنا انطلق أديبنا الكبير بهز أعماقنا وبنفض الغبار العالق والمزمن على أكتافنا محاولا استنهاض الأمة العربية وبعث الحياة في حياتهم من جديد من خلال كتابه "كتاب الحياة" صارخا في ذهن كل قارىء لديه ألف باء حب القراءة ومنهم الإبداع الذي يقدمه الأستاذ الأديب عبدالله زكريا الأنصاري·
والجدير بالذكر أن الأستاذ الأنصاري، الذي ولد عام 1922 وصدر له اثنا عشر كتابا في الأدب والشعر والقضايا العامة للأمة العربية فضلا عن ذلك، فقد نشرت أول قصيدة للأستاذ الأنصاري في عام 1940 وكانت في رشيد عالي الكيلاني ومطلعها:
ساعة النصر لقد هبت فيا
أيها العرب انهضوا نهض الأسد
وفي الأمس الأول فقط حاز الأستاذ عبدالله الأنصاري على جائزة الدولة التقديرية من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت بعد أن أفاق المسؤولون فيه من سباتهم الذي استغرق 63 عاما وهم في غفلة عن عطاءات أدباء الكويت وروادها·