كتب المحرر الثقافي:
برحيل محمد يوسف فقدت الكويت أحد أبنائها العرب الأوفياء، إذ كان لكتاباته ومشاركاته وحركته الدؤوبة في الشأن الثقافي المحلي أثر واضح في التفعيل والإضافة والإسهام·
كما كان "لابن المنصورة" دور في تجديد الحركة الشعرية العربية من خلال انطلاقاته الأولى، واشتراكه مع شعراء من جيل السبعينات في مصر في فتح فضاءات شعرية لم تكن مطروقة آنذاك، رسموا بكتاباتهم تلك لونا مغايرا محا تقليدية الحركة الشعرية العربية وخفف من التزامها، وأضاف إليها روحا جديدة·
للراحل الشاعر والكاتب محمد يوسف إصدارات شعرية بدأها أول السبعينات وعُدت من الإسهامات الثرية والمؤثرة في تغيير المشهد الشعري العربي مثل: "قراءة صامتة في كراسة الدم" 1970 - "عزف منفرد أمام مدخل الحديقة" - 1972 - "الحفر بالضوء على أشجار حديقة شجر الدر" 1973 - "صلصلة" - 1981 - "تغريبة الفرفور" - 1983 - "ذاكرة للرأس المقطوع" 1984 - "داليا" - 1985، "محاكمة زرقاء اليمامة" (مسرحية شعرية) 1989·
أقام الراحل يوسف منذ أواخر الستينات في الكويت، وعمل مدرسا للغة الإنجليزية ومديرا لتحرير مجلة "مرآة الأمة"، وعضوا فاعلا في منظمة اليونسكو - فرع الكويت·
وللراحل يوسف صداقات كثيرة في بلده الثاني "الكويت"، ارتبط لسنين طويلة معهم بالعمل والزمالة والاشتغال بالشأن الثقافي وفعالياته، كما اشترك لطول إقامته مع الكثير من أصدقائه ومحبيه بالهم الثقافي وآماله وآلامه·
وقد خصصت مجلة "أفق" الإلكترونية التي يديرها أصدقاؤه الشعراء مجموعة من المقالات في عددها الحالي، مفجوعة برحيله، (كما وعدت بالكتابة في عددها القادم) ونختار هنا مقتطفات مما كُتب بمداد الوفاء:
كريم هزاع:
يوسف ·· ها أنت أخيرا
والوقت رماد
ترتشف أريج النشوة
وتشم قميص المحروسة·
يوسف·· ها أنت أخيرا
والوقت بلون النيل
ترقص وسط الصبايا:
"إحنا بنات المنصورة"···
·· وأنا أيضا يوسف ابن المنصورة/ المعمورة··
ها أنا عدت متخفيا وضحكت كثيرا من هذا المسمى "برج السرطان"
عباس منصور:
السماح السماح أيها الأسياد
في الحصن المنيف
فكل شيء هنا يمضي في الدرب الحلك
يا محمد
شاغلتني وانصرفت
وأنت الذي ما برحت روحي روحك
شاغلتني وسيمياء اليُتم في أندلس أنزلك
كيف انصرفتَ وغرني عجزي
أن أجهلك!!
ولمن هذه الخرقة التي حاكها قلبي
لمنبوذٍ ملك؟!
شاغلتني وانطلقتَ كالنصل الرهيف
ريثما أجن ثانية في تحرير روحي··
ويديّ من أسر الرغيف··
من عجز الولادة والبلادة
·· من ظلمة الساحات وعبور الموتى··
في فؤاد صار معبودا وعبدا
·· في عتمة الأجساد
في الرمق الشفيف
صالح النبهان:
كنت أقرأ في وجهك كل الأنبياء وكل الصديقين
وكانت أسلاك الحياة/ أخطبوط الموت،
تحيط بحسدك،
قلبك وحده،
لم يكن بحاجة لجهاز!!
قلبك وحده الذي قرأ البارحة غصة بقلب محمد عليم في الخمسة عشر مترا
الكانت تفصل بين طرفي حياتك ورائحة موتنا!!
قلبك وحده الذي قرأ البارحة دمعتين ترقرقتا بعيني عباس،
فأشاح عباس بوجهه عني··
قلبك وحده الذي استقبلني رغم غيبوبتك··
- هل شعرت بوجودي؟
تحرك رأسك مرتين··
أخشى عليك·· وأغادر!!
··· وتغادر!!
···········
قلبك وحده،
أيها الصديق يوسف،
لم يكن بحاجة لجهاز!!
محمد عليم:
في صباح اليوم التالي لرحيل محمد يوسف، وعندما كان الجثمان معلقا بين الأرض والسماء في الرحلة الأخيرة من الكويت الى القاهرة، في صباح ذلك اليوم تملكني خجل شديد من نفسي، ومن كل شيء، ومن مجرد اعتيادية الحياة وكأن شيئا لم يحدث، وكأن محمد يوسف لم يمت، لم أقنع نفسي بأنه لم يمت وبأن ما خلفه من دواوين شعرية وكتب أخرى ستكفل له الحياة بعد رحيله، من الصعب تصور ذلك ونحن على هذه الحال·
يأتي النبلاء الى الحياة في صمت، ويعيشون في صخب شديد، ويرحلون في صمت أيضا، إلا من صراخ مدو في الغالب لا يسمعه أحد، حدث هذا كثيرا مع انطفاءات كثيرة سابقة، هذا الصراخ المدوي الذي لا يسمعه أحد، جواني، باطني، نشيجي، يطفح سيلا من الآهات المكتومة، ويلقي على أنفسنا جبالا لا طاقة لنا بها والى ما شاء الله·
منى كريم:
لم أعرف كيف ألملم منه القصيدة
حيث جسده النحيل كابتسامته
ترسمني بنحيب:
(منى هزاع
اسم الوردة
رائحة النعناع)ü··
أجل،
لا أجيد غير البكاء في الحمامات
والصلاة في عيني أمي
أجل،
لا أقوى على كره الرقم ثلاثة
الذي سلبني أجمل مثلثات الروح
شاعر خلع أصابعه
وسبقنا في رحيله نحو الجبة
آآهٍ
من تلك الجبة
التي تتسكع بها الأمطار
وتسكر
رؤيا حرف الياء (شعر محمد يوسف)
مرَّ الخضرُ ولم يره أحد
قالت سنبلة الحلم:
ولم يرني أحد
ويمام اليتم
وماء التكوين
ولون التشكيل
ولوح النيل
ولم يره أحد
كان الخضر
يمد يدا
ويكور من صلصال العشق رغيفا
ويشكل من رجع غناء الطير المحبوس
رصيفا
من
موسيقى
الوصل
ويفصل بين اللونين:
الأبيض في ذروة لوعته
والأسود في أوج نصاعته
لكن
لم يره أحد
كان الخضر له غصن من فرح الروح
وشقشقة
النقر
على تبريح الحرف
وزقزقة عصافير قرى آمنة
تتدلى
بعناقيد وصال
لتلم شظايا الأوصال
وتنفخ في الأعضاء
لتبلغ حد الإفضاء
يكون الرائي والمرئي
هما المجلى
شقشقة
النقر
على تبريح الحرف
وزقزقة عصافير قرى آمنة
تتدلى
تسألني صاحبتي:
- هل مر الخضر؟
أنقِّط ماء العشق على
عشب
الصوت
أقول:
ولكن
لم يره أحد···!
هل يوافق "المجلس"؟!
حتى تقابل الكويت الحب بالحب، والوفاء بالوفاء لأبنائها العرب المقيمين في قلبها، ممن تركوا أثرا طيبا على أرضها، فلا أقل من أن يبادر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بتبني فكرة إصدار الأعمال الشعرية الكاملة للراحل محمد يوسف·
فهل يوافقنا "المجلس" على هذا الاقتراح؟ خصوصا وقد علمنا أن اقتراح أصدقاء الراحل بتخصيص أمسية لقراءة بعض أعماله وتضمينها فعاليات "معرض الكتاب" أو مهرجان "القرين"·· قد قوبلت بالتأجيل؟!