رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 27 رمضان 1424هـ - 22 نوفمبر 2003
العدد 1604

قضية

علي عقلة عرسان رئيس اتحاد

"المخابرات الثقافية السورية" يكتب تقريرين بوليسيين في شاعر!!

 

كتب المحرر الثقافي:

عن علاقة المثقف بالسلطة، يعرض تاريخنا العربي الطويل على متن صفحاته الصفراء، مشاهد فاضحة لهذه العلاقة الشاذة، شكلت بتتابعها على مر العصور، وتكريسها في الذهنية الشعبية ما يشبه قبول هذا العقد الزائف، وتسويقه واكتسابه للمشروعية·

هذا الارتباط المنفعي، الذي يتعمد أحيانا خلط المفاهيم، ومحاولة التغبيش في الرؤية، فترفع الحد الفاصل بين السلطة الحاكمة والوطن، وتثبيت كرسي السلطان ومصالح الأمة· الى الدرجة التي أسس فيها هذا التراكم التاريخي، كما من الآثار الأدبية والتاريخية ما يستحق أن يطلق عليه "أدب السلاطين"، كتب بأيدي ندماء من أهل القلم وإبداعات "شريرة" لبطانة من النخب المثقفة·

 

حدث في سورية

سورية ليست البلد العربي الوحيد المخلص لهذا الإرث، بتشكيل خلايا عاملة مثقفة وتجيير كتاباتها في تثبيت النظام الحاكم، أو منح أصحابها دور "المحامين المثقفين" في وجه أي ثقافة مختلفة أو مضادة لفكر الحزب الحاكم، أو بالأصح مصالحه، والتي حينها لن تدرج إلا في مربع "الخيانة" و"معاداة أهداف الثورة" و"محاولة قلب نظام الحكم"·

كانت حادثة منع المجموعة الشعرية "أنقاض" لفرج بيرقدار، والتي تقدم بمخطوطها لاتحاد الكتاب في سورية، نموذجا صارخا لعمل المخابراتية الثقافية، بعد أن كشف الشاعر على صفحات ملحق جريدة "النهار" اللبنانية تقريرين سريين انتهيا الى التوصية بمنع نشر المجموعة الشعرية لأن المخطوط "غير ملتزم أهداف الاتحاد"·

كتبنا في "الطليعة" منذ أسابيع عن معاناة الشاعر بيرقدار، وتعرضه للاعتقال لخمسة عشر عاما، ومن أبسط حقوق الشاعر - كما يقول - أن يدون معاناته شعرا طيلة تلك السنوات السوداء، والتي سرقت من عمره·

هذا الحق على بساطته، لم يرد رئيس اتحاد الكتاب العرب ورئيس اتحاد الكتاب في سورية د· علي عقلة عرسان منحه إياه، لأن مصادرته وفق آراء أصحاب التقريرين (الأشبه بالقراءات النقدية)، بالإضافة الى رغبة عرسان، فيه حماية للنظام أو الوطن، ولا فرق وفق فكر ومصلحة ديكتاتور ثقافي·

يقول بيرقدار في تعليقه على التقرير الأول "من الجلي غياب أي اعتراض فني أو لغوي على المخطوط، إنه اعتراض محض سياسي لا شائبة فيه، وفي ذلك ما يكفي من الدلالة على أن لا شفاعة للرأي الآخر في أهداف الاتحاد، مهما بلغ المستوى الإبداعي لذلك الرأي، بعد هذا، ألا يحق لي أن أتساءل حول ما تعنيه ظلال هذا التقرير، وحول ما يعنيه الاتحاد، وما هي حدود علاقته بالسلطة من جهة وبالإبداع من جهة ثانية، وهما فعاليتان تسيران في اتجاهين نقيضين، وقل أن قدم لنا التاريخ استثناءاته في ذلك"·

في التقرير الأول الذي كتبه صاحبه حول المخطوط الشعري تبدو إشارات إعجاب حية بالجوانب الفنية كاستعمال الشاعر لألفاظ لونية معبرة، وبراعة في تصوير الانفعالات، والإيقاعات الداخلية وإشراقات المعاني، ولغة سلسة، لكن جميع تلك الإشارات التي تطرق لها كاتب التقرير، والذي لا يمكن إلا أن يكون ناقدا معروفا متمكنا من أدواته النقدية، لم تكن لتمرر التوصية إلا بختم "أقترح عدم الموافقة"!

 

كاتبة التقرير الثاني!

يأتي التقرير الثاني بعرض مكثف لمضمون المخطوط، ويبدي كاتبه (أو كاتبته) ملاحظة "قصائد تتحدث عن تجربة الشاعر الخاصة، الحياة، الحب، المعاناة، وتبدو معاناته حادة في معظم القصائد ومن وجهة نظر شخصية، وهو لم يكتف بالتلميح الى أسباب هذه المعاناة، بل صرح بذلك في أكثر من موقع"·

وهل كان التلميح سيجيز النشر؟!

كما يضيف التقرير "في معظم النصوص ثمة إساءة الى الفكر القومي والانتماء الى الوطن"، كما يورد صاحبه ملاحظة غبية، تحدد للشاعر ما يفترض أن يكتب في شأنه، فيقول "الشاعر متمكن من أدواته الفنية، ومن المؤسف أن تكون معظم قصائده تصور معاناة خاصة، لها أسبابها وبالتالي تسيء الى الروح القومية"·

ويشير بيرقدار الى توصية التقرير الثاني الى عبارة "غير موافقة" (!)، ويتساءل بحرقة "كم من الجهل احتاج الكاتب ليقول إن القصائد تتحدث عن تجربة خاصة ومن وجهة نظر شخصية، أين هي الخصوصية أو البعد الشخصي في الموضوع، إذا كانت تجربتي لمدة أربعة عشر عاما في السجن هي التجربة نفسها التي عاشها ألوف السجناء بظروفها الحجرية نفسها؟!

 

مبادرات مؤسساتنا الثقافية

ممارسات د· عرسان التعسفية، والتي كتبنا عنها أكثر من مرة وفي أكثر من مكان، وآخرها - هذا النموذج - في مصادرته لديوان شعر، تعيد التأكيد على ضرورة التنسيق بين الروابط الأدبية العربية لإزاحته عن رئاسة اتحاد الكتاب العرب الذي عمر فيه طويلا، والعمل كذلك على نقل مقر الاتحاد من مقره الدمشقي·

رابطة الأدباء في الكويت، مطالبة بالعمل والتنسيق لتحقيق هذا المطلب الثقافي، خصوصا وقد شهدت عن قرب مثل هذه الممارسات القمعية، أيام اصطف د· عرسان وراء نظام البائد في بغداد، محاولا كسر عزلته، كموظف ثقافي ينفذ سياسة حزب البعث في دمشق·

كما أن المبادرات الثقافية، في دعم إصدارات بعض الاتحادات العربية، والتي قام بها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكان آخرها لمجموعة من الكتاب المغاربة (رغم ما أثاره بعضهم من رفض لأي دعم يأتي من الكويت)، لا بد وأن تتوسع دائرة هذا الدعم لتصل الى مثل هذه الإصدارات "الممنوعة"، وللكتاب والشعراء "المغضوب عليهم" في الدول العربية·

وكذلك، رابطة الأدباء في الكويت، والتي لن تلقى أي حرج في مثل هذا الدعم، خصوصا وأن تجاربها كانت رائدة في نشر كتابات بعض "الممنوعين" عربيا، وخصوصا في سورية، على صفحات مجلتها الثقافية "البيان" في ثمانينات القرن الماضي·

هذا الإيمان بضرورة توسيع الحريات، ودعم الثقافة العربية "المكبوتة"، هو ما سيسجل كإنجاز ثقافي حقيقي، بدلا من الزيارات الرسمية وتبادل الوفود، التي تصب دائما في مصلحة أنظمة استبدادية، لا يربطنا بها رابط·

طباعة  

وتــد
 
محاذاة شعرية للرقص
 
المرصد الثقافي
 
إصدار
 
ترك لعائلته "الثلاجة وأشياء البيت التافهة"
محمد شكري يرحل بعد أن خذله الأصدقاء والعائلة وأسطورة طنجة·· وحلمه بالانتصار على "السرطان"