كتب برجس النومان:
مازالت قضية طرد وكيلة إحدى المدارس لعدد كبير من الطالبات من المدرسة بسبب عدم لبسهن الحجاب تتفاعل في المجتمع لما لها من أبعاد خطيرة لتمادي جماعات الإسلام السياسي في تجاوزاتهم الصارخة لقوانين البلاد المدنية ساعين في ذلك الى فرض مشروع دولتهم الدينية "بالقطاعي" عندما فشلوا في فرضها عن طريق تغيير المادة الثانية من دستور 1962·
طالع ص (محليات)
القصة بدأت عندما قامت وكيلة مدرسة أم عامر الأنصارية الثانوية في منطقة الفروانية التعليمية بطرد أكثر من 150 طالبة لعدم ارتدائهن الحجاب الذي قررت هي إلزام جميع الطالبات به، وبعد أن تضاربت أقوال مسؤولي وزارة التربية حول صحة الحادثة أحيانا وتفاصيلها أحيانا أخرى، تبين أن الوكيلة ذهبت الى أبعد من فرض الحجاب على الطالبات في ممارستها اليومية معهن، وبعد أن احتج أولياء أمور الطالبات الذين ساءهم تدخل إدارة المدرسة أو حتى وزارة التربية فيما يعتبر أمورا تخص الأسر ولا دخل للوزارة أو المدرسة بها، اعترفت الوكيلة بفعلتها وقام مسؤولو الوزارة بتوبيخها بشدة!! بينما أعلن مدير المنطقة التعليمية بدر الشمروخ تشكيل لجنة لمتابعة الموضوع·
إلا أن أوساطا متابعة لهذه القضية ولقضايا أخرى مماثلة تشكك في مصداقية وقوف الوزارة على الأسباب الحقيقية لتصرف الوكيلة وتصرفات آخرين غيرها حاول المتشددون من كوادر الأحزاب الدينية فرض تصوراتهم الدينية على الطلبة مستخدمين نفوذهم الأخلاقي والإداري والديني على من لا حول لهم ولا قوة إلا الخضوع الى هذا الإرهاب الفكري الخطير·
لذلك ترى الأوساط المطلعة على مدى هيمنة الجماعات الدينية على التعليم والتعليم العالي في الكويت أن سلوك الوكيلة المشار إليه ليس خارجا عن سلوك الجماعات التي تدير الدولة بالرموت كنترول، فقبلها تتذكر هذه الأوساط القصص التفصيلية التي تحكي هيمنة هؤلاء على التعليم على وجه التحديد، منها رفض بعض النافذين من المدرسين والنظار تدريس مواد الموسيقى والرسم لأنها برأيهم وحسب فتاوى "شيوخهم" تخالف الشرع، ويتذكر الجميع موقف أحد كوادر الأحزاب الدينية من مسرحية "قبعة بلا رأس" التي أساء في خلال عرضها في إحدى مدارس الجهراء الى وزير التربية آنذاك متحججا بأن أهالي الجهراء يرفضون مشاركة بناتهم في أعمال مسرحية "مخالفة للشرع" حسب رأيه، ومن هذه المواقف أيضا القصة المعروفة عن مدرسة فرضت على الطالبات تمثيلية عن عذاب القبر حيث طلبت من إحدى الطالبات تمثيل دور الميت حيث تلفها المدرسة وعدد من الطالبات بكفن أبيض بينما تشاهد بقية الطالبات التمثيلية بهلع وخوف شديدين الى أن اختل عقل الطالبة بسبب الموقف النفسي الذي عاشته وهي تمثل دور الميتة بينما تسرد المدرسة تفاصيل عذاب القبر على مسامعها، ولا تنسى تلك الأوساط استغلال هذه الجماعات لطلبة الثانوية الذين يقعون ضحية شعورهم أنهم يؤدون واجباتهم الدينية بينما هم يعدون ككوادر حزبية لهذه الجماعات التي تتنافس على المدارس والمساجد ومراكز الشباب ناهيك عن جمعيات النفع العام التي يهيمنون عليها كموارد مهمة لتفريخ الكوادر الحزبية لهم·
والآن تأتي هذه التصرفات بعد أن شعرت جماعات الإسلام السياسي أن شهر العسل الذي تمتعوا به طيلة عقود ثلاثة على الأقل قد شارف على الانتهاء بعد أن اكتشف الكثيرون مدى خطورة توجههم وما يطمحون للوصول له وخطورة تسيدهم على الساحة التعليمية ومجال العمل الخيري وهيمنتهم على كثير من مؤسسات الدولة كبيت الزكاة وبيت التمويل الذي تملك فيه الحكومة أكثر من النصف ووزارة الأوقاف والأمانة العامة للوقف والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ولجنة استكمال تطبيق الشريعة والنسبة الأكبر من الجمعيات التعاونية وجمعيات النفع العام واللجان المرخص منها وغير المرخص وبعض الشركات التي أدخلت الحكومة بعض قياداتهم في مجالس إدارتها وما لكل هذه الجهات من قوة مالية وتوظيفية ضخمة، الآن شعرت هذه الجماعات بأن حجمها وتغلغلها في المجتمع أصبح محط أنظار الناس في الداخل والخارج وأن الأمر لن يستمر هكذا لوقت طويل·
جماعات الإسلام السياسي تسعى من وراء بناء هذه الإمبراطورية الاقتصادية والهيمنة الفكرية والسياسية على المجتمع الى تحويل الكويت الى دولة دينية تفصل على مقاس الحزب الأكبر في هذه الجماعات وهو أمر يعلم الناس مدى خيبته في إيران وفي الباكستان والسودان بل وحتى نموذج الشراكة الفاشل مع جماعة منهم كما في السعودية، فالناس تعلم أن أول أمر تقوم به الجماعة المهيمنة بعد سيطرتها على مقاليد الحكم الديني هو القضاء على الجماعات غير الدينية، ومن ثم تبدأ بالتصفية من الداخل حيث تبدأ بإبعاد الجماعات الدينية عن نهجها وتفسيرها وصولا الى أقربها لأنها تأخذ بمقولة إن فرقة واحدة في الجنة والبقية في النار ولأنها ترى أنها هي الأصح، أي هي التي ستحتل تلك المكانة في الجنة فإن عليها أن تتخلص من الفرق الكافرة التي ترى أن مثواها النار على أي حال·
الدولة الدينية التي تريدها الجماعات الدينية تضيق بهم أنفسهم بينما الدولة المدنية حسب دستور 1962 تتسع لهم ولخصومهم معا، والدولة الدينية يسيطر عليها رأي أوحد فقط بعد تصفية الآراء الأخرى بينما دولة دستور 62 تتيح لكل الآراء المجال والمساحة نفسها من الحرية، وفي الوقت الذي ينقسم الناس في دولة الإسلام السياسي الديني الى مؤمنين وكفار تضم دولة دستور 62 الجميع على أنهم مواطنون لهم كما عليهم من الحقوق والواجبات، فأي خيار نريد؟