· لعبت الأندية الثقافية دورا مهماً في المطالبة بإجراء إصلاحات في النظام السياسي
· لعبت حركة القوميين العرب دورا مؤثرا في نشر المبادىء والأفكار القومية
· تأسست مجلة "البعثة" في عام 1946 وكانت لسان حال الطلبة الكويتيين الدارسين في القاهرة
· الدكتور أحمد الخطيب كان له دور رئيسي وفاعل في تأسيس النادي الثقافي القومي حيث عمل أعضاؤه على نشر الثقافة القومية في المجتمع الكويتي
بقلم: د· عبدالله الجسمي
تميزت الكويت وشعبها منذ القدم بحالة فريدة ميزتها عن نظيراتها في منطقة الخليج وهي حالة التسامح والتماسك والوحدة التي سادت المجتمع الكويتي، وقد شكل هذا الأمر عامل استقرار للدولة·
وكان الكويتيون متماسكين ومجتمعين على الحفاظ على كيانهم السياسي وما حدث في أثــــناء الغزو العــــراقي خير دليل على هذا التمـاسـك والوحــدة في وجـــــه المعتدي ورفضهم للتعــاون معه بــل تمســــكوا بوحدة وطنهم ونظامهم الدستوري·
كذلك تميزت الكويت بمشاركة الشعب في إدارة شؤونه بنفسه، وبدستور أصبح فيما بعد المرجع في بناء نظام سياسي، جاء ثمرة نضال شعبي من أطراف كثيرة ساهمت جميعها في الوصول إلى نظام ديمقراطي·
ثلاثة أطراف لعبت دورا مهما في نشر الفكر القومي والمطـــالبة بالإصلاحات الديمقراطية وهـــي: التجار، وممــثلـــو حركة القـــوميين العرب، ومجموعة الشباب الكويتي الذي التحــق بالتعليـم العالي خارج الكويت خصوصا في مصر·
حركة القوميين العرب
الهم القومي لم يسرق أنظار أعضاء الحركة عن الوضع المحلي فقد انخرطت الحركة مع القوى والأطراف المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية هدفها تحقيق المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار عبر نظام ديمقراطي تحترم فيه حقوق الإنسان يقوم على أسس دستورية ويعبر عن التطورات التي حدثت في المجتمع الكويتي بعد تدفق الثروة النفطية، وتجدر الإشارة هنا الى غالبية الكويتيين المنضوين تحت لواء الحركة وقياداتها سجل لهم عدم اتباعهم الأساليب الثورية أو غيرها من أساليب العنف في تحقيق مطالبها كما فعلت أطراف أخرى في الوطن العربي بل كانت معارضة حضارية في مطالبها وأساليبها فهي لم تعارض لتغيير النظام القائم بل لإصلاحه ولم تتعد أساليبها المظاهرات السلمية وفتح حوارات مستمرة مع النظام، وهذا يعكس أمرين: الأول كون الشعب الكويتي مسالما لم يألف أساليب العنف أو القوة فالحوار هو اللغة السائدة بين الأطراف مهما كانت حدة الاختلاف، وثانيا الحفاظ على الخصوصية الكويتية التي لا يختلف فيها على الأصول مع تغليب العقل في اتخاذ المواقف وجمع أكبر قدر ممكن من القوى السياسية والاجتماعية في تحقيق المطالب الإصلاحية·
ونشاط حركة القوميين العرب لم يقتصر فقط على الجانب السياسي، فقد حاول عدد من أعضاء الحركة بعد عودتهم من الخارج في نهاية الأربعينيات تشكيل ناد ثقافي لهم إلا أن محاولاتهم جوبهت بالرفض في أثناء حكم الشيخ أحمد الجابر (17) لكن بعد مجيئ الشيخ عبدالله السالم للحكم عام 1950 وحدوث الانفراج النسبي تم في البداية تأسيس النادي الأهلي كناد رياضي لكن تم تجييره لأهداف سياسية (18) لكن في العام 1952 تم تأسيس النادي الثقافي القومي من رحم النادي الأهلي حيث لعب الدكتور أحمد الخطيب دورا فاعلا وأساسيا في تكوين النادي الذي استقطب الشباب القومي الكويتي من مختلف الشرائح الاجتماعية، وعمل أعضاء النادي على نشر الثقافة القومية في المجتمع الكويتي والتأكيد على كون الكويت والشعب الكويتي جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية، واستضاف عدد من الساسة والمفكرين العرب وسعى أعضاؤه لتحسين أوضاع العرب المتواجدين بالكويت، كما اتخذ مواقف داعمة للكثير من المواقف العربية المواجهة للأطماع الاستعمارية الصهيونية منها تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر والوجود البريطاني في الكويت ومقاومة الاستعمار والحركة الصهيونية والوحدة العربية (19) وعلى الصعيد المحلي عمل النادي على نشر ثقافة ديمقراطية مستنيرة والحث على الاهتمام بالعلم والتعليم والثقافة وساهم بعض أعضائه في الكتابة في إصدارات عدة للنادي وغيرها مثل "نشرة صوت الطليعة" و"مجلة الإيمان" و"صدى الإيمان" (20) و"مجلة الفجر" الصادرة عن نادي الخريجين (21)·
وخلاصة القول كان لحركة القوميين العرب تأثير مهم على الشارع الكويتي منذ نهاية الأربعينيات وحتى منتصف الستينيات ولعب أحد مؤسسيها وهو الدكتور أحمد الخطيب وزملاؤه على نشر المبادئ والأفكار القومية وتعبئة الساحة المحلية بالقضايا العربية، كما تبنت على المستوى المحلي الإصلاحات الداخلية للنظام السياسي وتحويله الى نظام دستوري، وقد وصلت مطالبها المحلية الى ذروتها في العام 1959 بالاجتماعات التي كانت تدعو لها وتحديها للسلطة الى أن تحققت مطالبها بعد عامين·
بيت الكويت بالقاهرة
مع نهاية الثلاثينيات بدأ إرسال البعثات الكويتية الى عدد من الدول العربية، أبرزها لبنان ومصر، وحظيت الأخيرة بأكبر نسبة من الطلبة المبعوثين، ففي العام 1939 أرسلت أول بعثة مكونة من أربعة طلبة الى مصر وتلتها بعثة ثانية مكونة من 17 طالبا في العام 1942 وتوالت بعد ذلك بعثات أخرى حتى وصل العدد الكلي نهاية عام 1945 الى 65 طالبا (22) وتم في العام نفسه إنشاء بيت الكويت الذي أصبح مقرا لتجمع الطلبة الكويتيين وتداول النقاشات وإقامة اللقاءات مع المفكرين والشخصيات المصرية والعربية البارزة، وتم في العام 1946 إصدار مجلة "البعثة" لسان حال الطلبة الكويتيين في القاهرة، والتي تعد محطة بارزة في المسيرة الثقافية للشباب الكويتي المتعلم، فهناك عدد من كتابها الطلبة تقلد الكثير منهم مناصب إدارية مهمة في مؤسسات الدولة مثل المرحوم الأستاذ عبدالعزيز حسين الذي أصبح مديرا للمعارف، والأستاذ حمد الرجيب الذي أدار بعض المؤسسات الاجتماعية وغيرهم من الشخصيات التي لعبت دورا في نشر الثقافة والأهداف القومية في الكويت·
وبيت الكويت بالقاهرة لم يكن مركزا لتجمع الطلبة الكويتيين فقط بل كان مركز إشعاع ثقافي ذا طابع تنويري ترك أثرا كبيرا على تفكير الكثير منهم، فقد مارس الطلبة نشاطا مميزا كان بعضه ذا طابع سياسي، والآخر فكريا أو ثقافيا ذا أبعاد قومية ولتبيان هذا الدور والشخصيات التي كانت تتردد على بيت الكويت نستشهد بما ذكره الأستاذ عبدالعزيز الصرعاوي أحد الطلبة المشاركين في نشاطاته·
"كان المرحوم عبدالعزيز حسين أول مدير لبيت الكويت بالقاهرة وأول رئيس تحرير لمجلة "البعثة" ذات التأثير الكبير للغاية علينا، فعلى صفحاتها تدربنا على التعبير عن الذات وعن طموحاتنا لما نأمل أن يبلغه بلدنا متأثرين في محطينا الذي نراه بالقاهرة التي كانت تعج بالحركة والانفتاح على كل التيارات الفكرية وكان رواد النهضة المعروفون لهم بصمات واضحة على فكرنا فمن الأدباء كان الأستاذ عباس محمود العقاد الذي كنا نحضر محاضراته وندواته ونقرأ معاركه الصحافية وما كان يكتبه في مجلة الرسالة التي تعد منارة للثقافة والأدب، وكذلك د· طه حسين وسلامة موسى ومحمد مندور ود· أحمد أمين صاحب مجلة الثقافة الموازية للرسالة ومن كتابها الذين تأثرنا بهم د· أحمد زكي صاحب باب ما بين المسموع والمقروء فهو رجل موسوعي لأنه كان عالما وأديبا في الوقت نفسه، ومن الأدباء الآخرين محمد فريد حديد، وتوفيق الحكيم وإبراهيم عبدالقادر المازني والشاعر علي الجارم والكاتب أحمد الصاوي محمد المهتم بالأدب والشخصيات الفرنسية فترجم عن فولتير وجان جاك روسو كما رأس تحرير الأهرام ومحمد زكي عبدالقادر كان له عمود بعنوان نحو النور، وهناك صحافيون بارزون أمثال فكري أباظة ومحمد التابعي وعلي ومصطفى أمين إخوان، د· أحمد أمين، والأستاذ محمد الوادي الكاتب والمحرر البرلماني في صحيفة البلاغ الذي يغطي وقائع البرلمان وكان ذا تأثير كبير علينا، ومن السياسيين مكرم عبيد الذي كان ذا بلاغة عصرية وحفظ القرآن ووعاه وسجاعا بصورة حديثة وخطابيا من الدرجة الأولى، ومن الخطباء أيضا مصطفى النحاس وإبراهيم عبدالعالي باشا الذين نحرص على حضور منتدياتهم وخطاباتهم وكذلك الاجتماعات السنوية التي تقام بذكرى المرحوم سعد زغلول، وكنا نحرص أيضا على حضور ندوات د· محمد حسنين هيكل الذي يعد قمة في الخلق والفكر وله مؤلفات عدة مثل حياة محمد وأبو بكر والفاروق وغيرها وكانت مواقفه دروسا في احترام خصومه فهؤلاء جميعا كان لهم أثر كبير علينا لأننا كنا نشاهدهم ونستمع إليهم ونحتك بهم ونحضر محاضراتهم، وحتى لا يكون البيت منغلقا على نفسه كان المرحوم عبدالعزيز حسين يدعو الشخصيات المهمة للقاء الطلبة والاحتكاك بهم ومحاورتهم من أجل رفع المستوى الثقافي، فزارنا شيخ الأزهر والأستاذ أحمد الشرباصي وأحمد أمير ومحمد فريد أبو حديد وهم من رجال الثقافة والأدب، ووجهت الدعوة أيضا الى زكي مبارك الذي أقام محاضرات عدة لنا، مثلما كانت الدراسة في مصر عميقة وذات مستوى عال فإن الاستفادة كانت أكثر من الجو العام والحركة الفكرية والصحافية والمنتديات الفكرية والحزبية والثقافية (23)·
إن ما أشار إليه الأستاذ الصرعاوي يلخص بكل دقة نشاط الطلبة الكويتيين واهتماماتهم بالأجواء الثقافية السائدة في القاهرة والتي تركت من دون شك أثرا عميقا على تفكيرهم ورؤيتهم للأمور، فقد كان من المحظوظين الذين عاشوا واحتكوا شخصيا مع عدد من رواد حركة التنوير العربية عندما كانت في أوجها واستفادوا من علمهم وثقافتهم والتي ترجمت عمليا عندما عاد الكثير منهم الى الكويت وبدؤوا في نشر الثقافة التنويرية التي اكتسبوها بين أبناء المجتمع الكويتي سواء عن طريق المشاركة بالتعليم أو النشاط على صعيد المجتمع، ويمكن تلخيص جانب كبير مما كان يهدف إليه هؤلاء عند عودتهم بما ذكره المرحوم عبدالعزيز حسين في مجلة البعثة العام 1947:
"إن المهمة الملقاة على عاتق رجال التعليم في الكويت لا تقتصر على التعليم المدرسي في معناه الشائع بل تتعداه الى التثقيف الشعبي العام بصورة تحفظ للشعب مستوى عقليا يساير تيارات الحركة الفكرية في العام·· والوسائل شتى للوصول الى هذه الغاية، أهمها مد الطبقة المثقفة في الكويت بالنتاج الفكري للعالم العربي، وإنشاء النوادي التي تتوافر فيها وسائل الثقافة والتسلية البريئة، وعقد الاجتماعات الأدبية واستمرار الصلة بين المتخرج ومدرسته، وتشجيع الطبقة المثقفة على إيجاد صحافة محلية تكون مرآة لتطور الحركة الفكرية في الكويت، إننا بهذا نضمن لناشئتنا يقظة دائمة أساسها اتساع المدارك وخصب الثقافة" (24)
الأندية الثقافية
إن هذا الربط ما بين التعليم والثقافة والمجتمع هو ما قام به صفوة أبناء الكويت المستنيرين منذ نهاية الأربعينيات وطوال فترة الخمسينيات وحتى بعد إقرار الدستور وتشكيل الهيئات والنقابات الشعبية، فقد تأسست الكثير من الأندية الثقافية ذات الطابع القومي وشغل في بعض هيئاتها الإدارية عدد من خريجي القاهرة وعملوا على نشر ثقافة مستنيرة ذات طابع قومي تعد جزءا من ثقافة التنوير السائدة في عدد من أقطار الوطن العربي آنذاك، ومن هذه الأندية: "النادي الأهلي"، "نادي الجزيرة"، "نادي الخريجين"، "نادي المعلمين"، "النادي الثقافي القومي"، "نادي النهضة"، "النادي القبلي"، "النادي الشرقي"، "نادي الاتحاد العربي"، "نادي التعاون"، "نادي بور سعيد"، "نادي العمال"، "نادي العروبة"، "نادي الخليج"، "الرابطة الأدبية"، "الرابطة الكويتية" (25)·
كانت هذه الأندية المتنفس الذي طرح من خلاله الكثير من الأطراف والقوى السياسية أفكارها ومطالبها حيث لعبت دورا مهما في المطالبة بإجراء إصلاحات في النظام السياسي تستند على قيام نظام ديمقراطي دستوري يقوم على توزيع السلطات وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويحترم حقوق الإنسان والحريات الفكرية والشخصية، ولا يفوتنا أن نشير الى أن هناك من خريجي القاهرة من عمل في إدارات الحكومة، إلا أنه حافظ على أفكاره التنويرية واستطاع أن يخدم الثقافة من خلال عمله أو الذي تتوج بإنشاء المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب الذي يشكل امتدادا للتيار الثقافي التنويري في مسيرة الكويت الثقافية·
وقبل الحديث عن الشيخ عبدالله السالم تجدر الإشارة الى أن مطالب الفئات الشعبية بمختلف مشاربها لبناء نظام دستوري ديمقراطي تأتي كحاجة ملحة بعد التغييرات التي حدثت في بنية المجتمع الكويتي وتحوله من مجتمع يعتمد على اقتصاد بسيط الى مجتمع مدني يقوم على مؤسسات اجتماعية واقتصادية وسياسية، بمعنى أن المطالبة بالدستور جاءت لتلبي حاجة التغييرات التي طرأت على المجتمع الكويتي بعد تصدير النفط وتحويل ما تعارف عليه الكويتيون منذ القدم الى نظام قانوني ينظم مشاركة الشعب في الحكم واتخاذ القرار، ويلبي حاجات المجتمع المعاصر الذي ينصب أساسه على التعليم واحترام الحريات الفكرية والشخصية ويحافظ على هوية المجتمع الكويتي كجزء من المجتمع العربي وهذا الأمر بلا شك مثلما كان واضحا للسياسيين أو المثقفين الكويتيين لم يكن خافيا بالتأكيد على أمير الكويت الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح، الذي تلمس بحسه التاريخي طبيعة المرحلة واستجاب للمطالب الشعبية رغم ما واجه من صعوبات واعتراضات من بعض أفراد الأسرة الحاكمة··
الشيخ عبدالله السالم الصباح:
تعد الفترة التي حكم فيها الشيخ عبدالله السالم الصباح والممتدة من عام 1950 الى 1965 من بين أفضل الفترات التاريخية بمنجزاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فقد جمع في شخصه صفات إنسانية فذة وثقافة مميزة ورؤية ثاقبة لمستقبل الكويت وحب للشعب الكويتي الذي لا يزال يذكر مآثره وإنجازاته، وكان رحمه الله مؤمنا بأمته العربية وقضاياها ومدافعا عن الحق العربي أينما كان سنشير هنا بإيجاز الى جوانب من اهتماماته الشخصية والتي تصب في الجانب العربي والمحلي والثقافي، فبالنسبة لاهتماماته القومية قام بدور فعال على المستوى الخليجي والعربي عبر المساهمة بإرسال البعثات الخاصة للإمارات العربية والخدمات الطبية والتعليمية وبناء المستشفيات والمستوصفات، والمدارس والتكفل بميزانياتها الكاملة، وكما أغدق المساعدات على الشعبين الأردني والفلسطيني وأصدر مرسوما يمنع استيراد البضائع الإسرائيلية (26) وأنشأ مدرستين في بومباي وباكستان لتدريس اللغة العربية لأبناء الجالية العربية (27) ومن أقواله حول العروبة "لا تقولوا هذا مصري وذلك لبناني والآخر سعودي أو عراقي أو كويتي أو سوري، إنما نحن عرب، وإن حبنا لبعضنا فيه التضامن والوفاق والنصر المرتجى" (28)·
أما بالنسبة لمواقفه على المستوى المحلي فيشهد له وقوفه مع المطالب الشعبية منذ الثلاثينات عندما أيد مطالب الكتلة الوطنية ورئيس المجلس التشريعي العام 1938 واستجاب لمطالب الكثير من أعضائه بإخضاع كل ما يتصل بسيادة الكويت للمجلس (29)، وبعد تسلمه مقاليد الحكم أشاع جوا ديمقراطيا بالسماح لإنشاء الكثير من الأندية والهيئات الشعبية التي كانت في حقيقة الأمر ذات توجهات سياسية، وعلى الرغم من قراره بحل الأندية في العام 1959 إلا أنه ما لبث أن استجاب لمطالب الشعب الكويتي بمختلف فئاته الاجتماعية واتجاهاته السياسية بإقامة نظام دستوري اشترك في وضعه ممثلون من الشعب والسلطة التنفيذية وتم التصديق علي الدستور عام 1962 وبدأ العمل به في العام الذي تلاه فكان حاميا له ومنحازا للجانب الشعبي الى أن أسلم روحه لبارئها في نهاية عام 1965·
إن العمل السياسي أو الحكومي لم يصرف الأمير الراحل عن اهتماماته الثقافية فقد كان مغرما بالأدب ومتقربا من الأدباء والشعراء ويهوى كتب التراث وقارئا جيدا للشعر وكاتبا له وراعيا لمحاولات عدد من المثقفين الكويتيين في إصدار المجلات الثقافية أمثال المرحوم عبدالعزيز الرشيد ومجلة كاظمة التي ترأس تحريرها الأستاذ أحمد السقاف وأمر بطباعة الكثير من كتب التراث كما كان على اطلاع الى حد ما على جوانب من الثقافة الغربية· (30)
ومع الشيخ عبدالله السالم لم تكتمل الصورة التي بدأت مع شريحة التجار في بدايات القرن العشرين وحركة القوميين العرب وبيت الكويت في القاهرة، فبدون شك كانت جميع هذه الأطراف تسعى لإصلاح النظام السياسي عبر بناء نظام ديمقراطي دستوري يقوم على مشاركة الشعب في الحكم واحترام حقوق الإنسان، حملت في الوقت نفسه هموم وقضايا الأمة العربية، فهذه القوى على اختلاف مشاربها تؤمن بالقومية العربية قولا وعملا فقد أعطت قضايا الشعب العربي الأولوية في الكثير من الأحيان على أوضاعها المحلية وساندت بإخلاص نضال القوى العربية في التحرر من الاستعمار والصهيونية، وفي الوقت نفسه حملت الثقافة المستنيرة التي تحث على العلم والمعرفة والاطلاع وساهمت في إنشاء التعليم النظامي والمكتبات والأندية الثقافية التي نشرت بين أبناء الشعب ثقافة مستنيرة عكست نفسها في عدد من نصوص الدستور خصوصا تلك المتعلقة بحرية الاعتقاد والفكر والنشر والصحافة والبحث العملي وغيرها·
وفي ختام هذه الورقة لابد أن نشير الى بعض النصوص في الدستور الكويتي التي تعكس الأبعاد الثقافية التنويرية والآفاق العروبية فيه والتي جاءت تتويجا لمطالب الشعب بمختلف فئاته الاجتماعية والمؤثرات الفكرية والثقافية سواء على مستوى الأفراد والمجموعات محليا أو على المستوى العربي القومي·
إن أول ما يمكن الإشارة إليه من ناحية الجانب العروبي في الدستور نشير الى أول ثلاثة نصوص منه وهي:
(مادة 1) الكويت دولة عربية مستقلة ذات سيادة تامة، ولا يجوز النزول عن سيادتها أو التخلي عن أي جزء من أراضيها·
(مادة 2) دين الدولة هو الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع·
(مادة 3) لغة الدولة الرسمية هي اللغة العربية·
إن المادة الأولى من الدستور تؤكد على عروبة الكويت واستقلالها واعتبارها والشعب الكويتي جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية، كما حددت المادة الثالثة اللغة العربية كلغة رسمية للدولة، وهذان النصان يؤكدان على الانتماء القومي العربي، وقلما نجد في دساتير الدول إشارة الى كون شعبها جزءا من قومية ما، وإذا نظرنا الى المادة الثانية فإننا نجدها تنص على أن الإسلام دين الدولة ومرجعية الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع فهذا يعكس الواقع العربي الذي يعد الدين الإسلامي ركيزة من أبرز ركائز المجتمع والثقافة العربية وتشير المادة (12) منه الى صيانة الدولة للتراث الإسلامي والعربي أي صيانة لتاريخ الأمة العربية وهويتها الثقافية، وإذا انتقلنا للنصوص التي تعكس الواقع المعاصر والثقافة التنويرية سنجد أبرزها فيما يلي:
(مادة 33) العقوبة شخصية
(مادة 34) المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع· ويحظر إيذاء المتهم جسمانياً أو معنوياً·
(مادة 35) حرية الاعتقاد مطلقة· وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقاً للعادات المرعية· على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب·
(مادة 36) حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة· ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو غيرهما· وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون·
(مادة 37) حرية الصحافة والطباعة مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون·
(مادة 38) للمساكن حرمة· فلا يجوز دخولها بغير إذن أهلها· إلا في الأحوال التي يعنيها القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه·
(مادة 39) حرية المراسلة البريدية والبرقية والهاتفية مصونة· وسريتها مكفولة· فلا يجوز مراقبة الرسائل· أو إفشاء سريتها إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالاجراءات المنصوص عليها فيه·
(مادة 43) حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سلمية مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون· ولا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى أي جمعية أو نقابة·
- إن هذه النصوص الدستورية تعكس لا شك بعداً حضارياً للنظرة للإنسان وطبيعة المجتمع، فهي تؤمن بالتعددية وحرية الاعتقاد أي بالتعايش بين أفراد المجتمع مهما اختلفت دياناتهم وأصولهم العرقية· وهويتهم الثقافية· وتكفل حرية البحث العلمي التي تمثل طريق التقدم وعدم تسلط أي سلطة سياسية أو اعتقادات فكرية عليه· كما كفلت حرية التعبير والنشر وحرية الصحافة التي تعد من ركائز المجتمع المدني الحديث والتي تضمن للفرد حرية التعبير عن الرأي دون خوف أو قمع من قبل السلطة· كما يشير عدد النصوص والأخرى إلى الحفاظ على كرامة المواطن وذلك باحترام خصوصياته وحرياته الشخصية وعدم التلصص عليه وعدم انتهاك حرمة المنازل وحظر إيذاء أي منهم جسمانياً وتساوي الناس أمام القانون بغض النظر عن العرق أو الدين وشخصية العقوبة وإلى آخره من أمور·
وإذا كانت هناك كلمة أخيرة في هذه الورقة فهي أن الدستور ليس وثيقة سياسية فحسب بل وثيقة إدارية لإدارة مجتمع مدني حديث ووثيقة فكرية ذات أبعاد ثقافية تعكس طابع الثقافة التنويرية المعاصرة مع حفاظها على أوجه متعددة من الثقافة المحلية والعربية ولا يمكن أن تستقيم الحال من خلال العمل به إلا وتتطابق أفكار القوى السياسية وثقافتها مع ثقافة الدستور وأبعاده الفكرية· فمنذ أن بدأ العمل به عام 1963 وحتى اليوم سجلت التجربة الديمقراطية نجاحاتها عندما كانت القوى الوطنية الديمقراطية ذات البعد القومي والديمقراطي تتسيد الشارع الكويتي، بينما تراجعت هذه التجربة بعد انتشار الثقافة الأصولية والقبلية في المجتمع خصوصاً في العقدين الآخرين· ولا يمكن أن يكتب للتجربة الديمقراطية النجاح ويكون هناك تطبيق حقيقي لنصوص الدستور دون انتشار الثقافة العقلانية والمستنيرة ووجود قوى سياسية واجتماعية تحملها وتطبقها عمليا على أرض الواقع وبهذا يتحقق حلم الرواد الأوائل أمثال الشيخ يوسف بن عيسى القناعي وعبدالله الصقر وعبداللطيف ثنيان الغانم ومن تلاهم كالدكتور أحمد الخطيب وجاسم القطامي والمرحوم سامي المنيس وغيرهم في بناء مجتمع ديمقراطي تقوم ركائزه على احترام الإنسان والعقل والسعي للعلم والحرية·
" انتهى
المصادر:
(17) فلاح المديرس، المجتمع المدني والحركة الوطنية في الكويت، دار قرطاس للنشر، طـ 1، 2000، ص 16،17·
(18) المصدر السابق نفسه ص 18·
(19) المصدر السابق نفسه، انظر تأسيس النادي الثقافي القومي ص 19 ، 37·
(20) المصدر السابق نفسه، ص 21·
(21) المصدر السابق نفسه ص 23·
(22) جلال محمد إبراهيم (تحقيق)، البعثات الدراسية الكويتية إلى مصر، مجلة الكــــويت، الــعـدد 204، أكــتـوبر 2000 ص 8·
(23) لقاء مع الأستاذ عبدالعزيز الصرعاوي الأمين العام لرابطة الاجتماعيين، بتاريخ 2001/10/6 (تقدم بالشكر الجزيل للأستاذ عبدالعزيز الصرعاوي على اللقاء الذي أجريته معه وعلى المصادر التي أشار بالعودة إليها والتي أفادتني في هذه الورقة)·
(24) عبدالعزيز حسين، نظرة سريعة في شؤوننا التربوية، مجلة البعثة، السنة الأولى، أبريل 1947، ص 79·
(25) فلاح المديرس، ملامح أولية حول نشأة التجمعات والتنظيمات السياسية في الكويت، ص 16·
(26) أحمد البغدادي، الشيخ عبدالله السالم: إنساناً ورجل دولة، دار قرطاس للنشر، طـ 1، 1994 ص 11-9·
(27) المصدر السابق نفسه، ص 15·
(28) المصدر السابق نفسه، ص 8·
(29) المصدر السابق نفسه، ص 24·
(30) المصدر السابق نفسه·
انظر ص 16 - 12·
أهم المراجع:
- فلاح المديرس، ملامح أولية حول نشأة التجمعات والتنظيمات السياسية في الكويت (1975 - 1938)، دار قرطاس للنشر الكويت، طـ 3، 1999·
- فلاح المديرس، المجتمع المدني والحركة الوطنية في الكويت، دار قرطاس للنشر الكويت طـ 1، 2000·
- أحمد البغدادي، الشــيخ عبدالله السالم: إنساناً ورجـــل دولــة، دار قرطاس للنشر والتوزيع، الكويت، طـ 1، 1994·
- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المكتبة المركزية في خمسين عاماً، 1985 - 1935، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1986·
- مجلة البعثة، جمعها وأعاد طباعته مركز البحوث والدراسات الكويتية - الكويت - 1997·