كتب المحرر الثقافي:
في أيامه الأخيرة كان الروائي الطنجاوي محمد شكري يعد بأنه سينتصر على المرض، ويقول إن "السرطان" هذا الذي كان ينازله يبدو أنه لم يعرف من هو محمد شكري!
في نهار السبت الماضي، غيب الموت صاحب "الخبز الحافي"، السيرة الذاتية التي أثارت الكثير من ردود الأفعال والرفض في الأوساط العربية، للجرأة غير المعتادة التي عرى بها شكري حياته وحياة المهمشين في مجتمعه، من فقر ودعارة وإدمان وحشيش وممارسات أخرى شاذة، كان يرى فيها إدانة للظروف القاسية التي أجبرت الطبقات المطحونة على مثل تلك الممارسات·
ربما يكون لقاء ياسين عدنان معه في مجلة "زوايا"، آخر الحوارات الصحافية، التي يطارده بها دوما أهل الصحافة، رغم هروبه من الأضواء والشهرة، وتفضيله العزلة والتسكع في حانات طنجة الداخلية، وفي ذلك اللقاء لم يبتعد شكري كثيرا عن أسلوبه في الكشف والمصارحة·
وعن كرهه للتركيز على روايته "الخبز الحافي" كان يقول إنه يرغب في قتل هذا الكتاب، الذي يتوقف عنده أغلب النقاد والكتّاب في تناولهم لسيرة شكري الكتابية، رغم وجود أعمال أخرى كان يرى أنها أكثر أهمية·
وبفرح طفولي يقول إن خبزه الحافي كان علاجا له، لو لم يكتبه لأصيب بالجنون أو لانتهى بالانتحار، حاول فيه محو الندوب النفسية التي تركتها في طفولته قسوة والده "الهمجي" "كان يضربنا بوحشية، لقد لوى عنق أخي في الليل بعنف همجي ودفنه في الصباح"، ويعدد شكري ندوبا أخرى مثل الضياع والفقر والشذوذ وتعاطي الحشيش·
لم تعتد المجتمعات العربية على مثل كتابات شكري العارية إلا من الحقيقة، لذا ووجه بالمنع والاستنكار من المؤسسات والمجتمع، خصوصا وأن تلك الكتابات الجريئة المقتبسة من الطريقة الغربية في سرد الحياة الشخصية كسرت جميع المحرمات التي تتحاشاها "العادة" الكتابية العربية·
أضاف شكري كتاب "ورد ورماد" الذي ضمنه المراسلات الشخصية مع صديقه الكاتب محمد برادة، الى ثلاثية السيرة الحياتية "الخبز الحافي، زمن الأخطار، وجوه"، كاشفا بصدق معاناته الموثقة في رسائل حميمة امتدت بين 1975 و1994، كتب بعضها أيام كان نزيلا في مستشفى الأمراض العقلية، وسنوات إدمانه ويأسه وتفكيره بالانتحار، ويقول فيها "كتبت تلك الرسائل بحميمية وصدق، وبشكل تلقائي، لم أكن أفكر في أن هذه الرسائل ستصدر في كتاب، ربما برادة حينما كان يكتب لي رسائله كان يفكر منذ البداية في نشرها، أما أن فلا··"·
وعن عائلته كان يقول: "كلهم قاطعوني بعد صدور "الخبز الحافي"·
أمي هي الوحيدة التي لم تقاطعني، قالت لهم حينما أخبروها عن الكتاب: "ذلك شأنه، فابني محمد يعرف جيدا ما يفعل" أما إخوتي فقد قاطعوني جميعا، وهم الآن يتربصون بي ينتظرون موتى ليرثوني، ليأخذوا الثلاجة وغيرها من أشياء البيت التافهة، لكنني سأعرف كيف أحمي ثروتي منهم، سأقتل أعدائي قبل أن أموت"·
حياة شكري المأساوية لم تدع له مقربين من محيط العائلة، والأصدقاء، ولا حتى محيطه الثقافي الذي كان يحاربه بسبب الشهرة والتنافس المحموم، لم ير حسب أقواله إلا وفاء مؤسسات النشر الغربية التي كان يعتاش من مكافآتها المالية مقابل طباعة إصداراته المترجمة ومجموعة من القراءة المغرمين بإبداعه، وخادمة مخلصة، أما المرأة فيقول "أنا أعرف الأيروتيزم، أما الحب المجرد الأفلاطوني فلا أعرفه، أنا لا أعرف الحب"·
بعد رحيله، يترك الروائي المغربي محمد شكري - الذي كان نسب "الطنجاوي" أحب الى نفسه - أثرا كبيرا وواضحا في الأدب الروائي العربي، البعيد عن التزويق والزيف، كشف فيه العاهات المجتمعية دون مجاملة أو تصنع، إدانة للجميع بوجه الجميع، كما ترك الراحل وصايا (وفق ما كتب طلحة جبريل في موقع "إيلاف") بوقف ممتلكاته لـ "مؤسسة محمد شكري"، وراتبا خصصه لخادمته مدى الحياة، ومخطوطا ضم انطباعاته عن بعض رحلاته·
ويعرف قراء محمد شكري ومحبو أدبه أن هذا الروائي المتشرد والمتسكع في قاع مجتمعه، والفاضح له، لن يتكرر في الزمن العربي القريب، وأن برحيله خسارة فادحة·